دراسة عُمانية تجيب: ماذا تضيف النساء إلى العمل البرلماني؟

تكشف دراسة عُمانية أن عضوات مجلس الدولة راجعن مشروعات قوانين لمعالجة ثغرات تمييزية، وعملن جماعيًا لتعزيز مصالح النساء ضمن الصلاحيات البرلمانية.

دراسة عُمانية تجيب: ماذا تضيف النساء إلى العمل البرلماني؟
المرأة في مجلس الشورى
رصد- أثير
سيشهد مجلس الشورى في الفترة الحادية عشرة (2027- 2031) انضمام 11 امرأة بشكل مؤكد لعضوية المجلس، وذلك وفقًا للتوجيه السامي في يونيو الماضي، مع احتمال حصولها على مقاعد أخرى بناء على نتائج الانتخابات المتوقع إجراؤها في أكتوبر 2027م. ولا يُمكن النظر إلى هذا الرقم باعتباره رفعًا لحصة النساء في المجلس فقط، بل لتشكيل ما يُمكن تسميته بـ “كتلة نسائية” مؤثرة بأصواتهن داخل المجلس ضمن صلاحياته.

ما واقع المرأة العُمانية في مجلس الشورى؟

على الرغم من أن المرأة العُمانية تعد الأولى خليجيًا في الوصول لعضوية البرلمان عبر الانتخاب، إلا أنها ومنذ دخولها في عضوية مجلس الشورى عام 1994م، لم يتجاوز عدد المقاعد التي حصلت عليها مقعدين اثنين فقط، بينما خلت الفترة العاشرة الحالية من النساء.
وفي 15 يونيو 2026م، وجه جلالةُ السُّلطان المعظّم حفظهُ اللهُ ورعاهُ بتخصيص مقعد إضافي للمرأة في كل محافظة - بإجمالي 11 مقعدًا - تضاف إلى المقاعد العامة المتاحة للتنافس، مع الإبقاء على ترشح المرأة عن ولايتها وفقًا للمنظومة الحالية. وسيتم احتساب فوز المرأة بالمقعد الإضافي المخصص لها بأن تحقق المرشحة أعلى نسبة من الأصوات من إجمالي عدد المصوتين ضمن نطاق الولاية التي ترشحت منها، وتُعد الحاصلة على أعلى نسبة أصوات في المحافظة الفائزة بالمقعد الإضافي.

لماذا نزيد من النساء في مجلس الشورى؟

هذا السؤال تحديدًا، تُجيب عنه بشكل غير مباشر ورقة علمية اطلعت عليها “أثير”، وأُجريت على النساء في المجلس الآخر الذي يتكون منه مجلس عُمان، وهو مجلس الدولة، الذي يتضمن عددًا أكبر من العضوات النساء مقارنة بمجلس الشورى وهن 18 امرأة في الفترة الحالية للمجلس، من خلفيات أكاديمية ومهنية ومجتمعية، ولهن حضور في المجتمع ومؤسساته المختلفة.
إذ نشرت د. نورا بنت مقبول اللواتي ورقة علمية عن “التمثيل الموضوعي للمرأة: حالة مجلس الدولة العُماني”، وهي ورقة مستمدة من أطروحة الدكتوراه التي حصلت عليها لاحقًا. إذ انطلقت الورقة العلمية من افتراض أن الحصص المخصصة للنساء داخل البرلمانات المُعينة، توفر مجموعة أكبر مما أسمتهم بـ “الفاعلين الحاسمين”، الذي يُمكنهم العمل من أجل مصالح النساء، مستشهدة بحالات حقيقية تمكنت فيها النساء من الدفع بقضاياهن ووجهات نظرهن.
واستندت الباحثة إلى مقابلات نوعية أجرتها خلال الفترة ما بين ديسمبر 2020 ويونيو 2021م، مع 10 عضوات في مجلس الدولة في فترات مختلفة، منهن ثماني عضوات في الفترة (2019- 2023)، ومنهن ثلاث عضوات في الدورة التي تسبقها (2015- 2019)، بالإضافة إلى عضوة منذ عام 2011 إلى 2019، وأخرى في الفترة ما بين عام 2000م إلى 2011م.

كيف تتفاعل عضوات مجلس الدولة مع قضايا المرأة؟

كشفت د. نورا اللواتي بأن التمثيل الموضوعي للمرأة من خلال عضوات مجلس الدولة، تمثل في مراجعة مشروعات القوانين التي تُحيلها الحكومة إلى المجلس للكشف عما وصفته بثغرات تمييزية، وأمثلة على اقتراح العضوات دراسات أو مشروعات قوانين تصب في مصلحة النساء، بالإضافة إلى حالات للتمثيل خارج مجلس الدولة.
وفي الحالة الأولى، استخدمت عضوات مجلس الدولة الصلاحيات الممنوحة لهن لمعالجة قضايا المرأة وتعزيزها، إذ راجعن التشريعات المُحالة إلى المجلس، مع مراعاة مصالح النساء في مواده، ثم تفاوضن بصورة جماعية وعملن معًا لإجراء تغييرات وإقناع زملائهن من الرجال أعضاء المجلس. وعلى الرغم من أنهن لم ينجحن دائمًا في الحصول على أغلب الأصوات المؤيدة لوجهات نظرهن، إلا أن إسهاماتهن أضافت بُعد النوع الاجتماعي، وربما أثرن في بعض الحالات على القوانين الصادرة.
ووصفت عدد من العضوات خلال حديثهن للباحثة، بأن هناك أحيانًا ثغرات ينبغي النظر إليها ومعالجتها، وأن آراء الرجال في البرلمان تُركز في الغالب على وجهات نظر الرجال وتجاربهم، مما قد يؤدي -وفقًا لرأي بعضهن- إلى إغفال منظور النساء ومصالحهن.
وذكرت المشاركات للباحثة كما أوردت في الورقة العلمية التي رصدتها “أثير”، عددًا من الحالات التي عملن فيها بصورة جماعية، على مراجعة التشريعات بطريقة تراعي النوع الاجتماعي، ومنها مراجعة مشروع “قانون تنظيم مزاولة مهنة الطب والمهن الطبية المساعدة”، إذ أشارت العضوات إلى ضرورة تعديل بند ينص على اشتراط موافقة الزوج لإجراء الإجهاض حتى في حالات الطوارئ الطبية.
واعترضت العضوات على هذا البند وأصررن على ضرورة حذفه، وبالفعل حُذف بعد ذلك، واعتبرت المتحدثة أنه إذا كانت المرأة في حالة طبية طارئة فينبغي أن تكون قادرة على التوقيع بنفسها للموافقة على الإجهاض، دون الحاجة إلى موافقة زوجها، إذ أكدت النساء العضوات أن حياة المرأة هي موضع الخطر هنا وهي من ينبغي عليها أن القرار المتعلق بذلك دون الحاجة إلى موافقة الزوج الموقعة... فإذا كان الرجل في وضع مماثل، فلن يحتاج إلى موافقة زوجته لإنقاذ حياته، فلماذا لا يمكن أن تكون هناك مساواة في هذه المسألة؟
وصُدر القانون بالمرسوم السلطاني رقم 75/2019 مانحًا المرأة الحق في اتخاذ قراراتها بنفسها فيما يتعلق بسلامتها وصحتها.
وشاركت عضوة أخرى الباحثة حالة استطاعت فيها عضوات مجلس الدولة تمثيل مصالح النساء تمثيلًا موضوعيًا من خلال الضغط ضد بنود رأت أنها قد تحمل تمييزًا ضد المرأة، مشيرة إلى أن مسودة مشروع قانون الجزاء كانت تفرض عقوبات مختلفة على الرجال والنساء في جرائم القتل بدافع الشرف في حالة الزنا. وأشارت المتحدثة بأن هذا البند أعاده مجلس الشورى الذي لم يكن فيه آنذاك سوى عضوة واحدة، وعندما أُحيل المشروع لمجلس الدولة، وقفت العضوات ضد هذا البند، مؤكدات بأنه ليس لديهن مشكلة مع العقوبة، لكن يجب أن تكون العقوبة متطابقة بين الرجال النساء. وعلى الرغم من أن مقترحهن لم ينل العدد الكافي من الأصوات، إلا أن قانون الجزاء حين صُدر لم يتضمن تمييزًا في العقوبات بين الرجال والنساء. ولم تُشر المتحدثة إلى العام الذي تم خلاله مناقشة هذا الموضوع.

كيف تمارس العضوات الصلاحيات الأخرى؟

استعرضت الباحثة في الورقة العلمية التي اطلعت عليها “أثير”، تلقي العضوات طلبات عديدة من النساء لاقتراح تعديلات على بعض القوانين القائمة، إذ قمن بمراجعة هذه الطلبات وفهم القضية والسياق بصورة أفضل قبل طرحها على المجلس. كما أوضحت عضوة أخرى أنه تم انشاء شبكة تضم محاميات ومتخصصات لمساعدة العضوات في تحديد قضايا المرأة ووضع خطط لمعالجتها من خلال الدراسات ومشروعات القوانين، أو أثناء دورة مراجعة القوانين المحالة إلى المجلس. وتحدثت عضوة أخرى عن شكوى تلقاها عضو رجل في المجلس وأحالها إليها، عن خريجات في تخصص الأدب الإنجليزي لم يحصلن على فرص وظيفية.
وأشارت عضوات إلى أن التعيين في إحدى اللجان الدائمة في مجلس الدولة، يٌتيح لهن الإسهام في مجال خبراتهن، لكنهن في الوقت نفسه لا يكن على علم بالموضوعات التي تتناولها اللجان الأخرى أو تصل إليها، فقضايا المرأة موزعة بين اللجان أو يكون هناك افتراض أنه يجب أن تُحال إلى اللجنة الاجتماعية مثلاً، بالإضافة إلى محدودية تمثيل النساء في اللجنة القانونية في المجلس، مما يُشكل بدوره -وفقًا للمتحدثة- إشكالية أمام تعزيز قضايا المرأة.
وأشارت المتحدثة إلى مقترح إجراء دراسة لإعادة النظر في “دية المرأة” لتكون متساوية بغض النظر عن الجنس، وقدمت مقترحات وحجج تدعم هذا الرأي، مستندة إلى الجانب الديني وإسهام المرأة في المجتمع، موضحة بأن حوادث السيارات كثيرة، فهل إذا أدى الحادث إلى وفاة امرأة... فإن نصفها من يموت؟ لكن الموضوع لم ينل القبول لاستكماله آنذاك.
وأفادت الباحثة عن حالات استخدمت فيها النساء العضوات الشبكات الاجتماعية لتعزيز قضايا المرأة وايصال حالات إلى الجهات المعنية لمعالجتها، وتحدثت عضوة سابقة في مجلس الدولة، عن نجاح تغيير التشريع المتعلق بحق المرأة في الزواج بموافقة ولي أمرها فقط، إذ أشارت إلى أن قانون الأحوال الشخصية منح القضاء سلطة تزويج النساء اللاتي لا يملك أولياء أمورهن عذرًا مقبولاً لرفض التزويج، موضحة أن هذا الأمر على الرغم من إقراره ظل يمثل مشكلة لعدد من النساء. وإثر وصول حالتين إلى هذه العضوة، تواصلت مع وزيرة التنمية الاجتماعية السابقة، التي طلبت منها كتابة رسالة ليتم رفعها. ولاحقا صدر المرسوم السلطاني رقم 55/2010 الذي منح المحكمة العليا الفصل في دعاوى العضل التي ترفع إليها، ومنح النساء الحق في رفع تظلمهن إلى جلالة السلطان مباشرة في حال رفض المحكمة العليا الموافقة على تزويجهن.
وترى الباحثة بأن هذه الحالات التي تم استعراضها، أظهرت أن غياب تمثيل النساء أو ضعفه في مجلس الشورى لا يؤدي فقط إلى احتمال إغفال البنود أو المواد التمييزية في القوانين، بل أيضًا إلى احتمال إدراج بنود تمييزية فيها، كما إن الحالات التي قد تخسر فيها العضوات التصويت بشأن قضايا المرأة، فإن الحجج التي يطرحنها والمراعية للنوع الاجتماعي قد تُنقل بعد ذلك أو تؤخذ في الاعتبار، وهو ما قد يؤدي لاحقًا إلى تغييرات قد تصب في مصلحة النساء.

شارك هذا الخبر