أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
للمرة الأولى، تصل التقارير السنوية لوزارتي الطاقة والمعادن والأوقاف والشؤون الدينية إلى مجلس الشورى، إيذانًا ببدء مرحلة جديدة تحضر فيها الوزارتان تحت قبة المجلس، بعد سنوات ارتبط فيهما اسمهما بما يُعرف بـ ”الوزارات السيادية“.
فقد تلقى مجلس الشورى خطاب مجلس الوزراء بشأن التقريرين السنويين لعام 2025م للوزارتين، وفقًا لما أعلن عنه مكتب المجلس اليوم خلال اجتماعه العادي الثامن عشر لدور الانعقاد العادي الثالث من الفترة العاشرة (2023-2027)، واستعراضه عددًا من الردود الوزارية وجملة من أدوات المتابعة.
ولم يكن وصول التقريرين إلى المجلس خطوة منفصلة؛ إذ سبقها مناقشة وإقرار محاور البيانات الوزارية لوزارة الطاقة والمعادن ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية ضمن جدول أعمال الجلسة الاعتيادية الثانية عشرة، التي عُقدت في 8 مارس 2026م.
وبين خطاب مجلس الوزراء، وإقرار محاور البيانات الوزارية، تبرز ملامح أول ظهور لوزارتي الطاقة والمعادن والأوقاف والشؤون الدينية في مجلس الشورى، وهي خطوة أعادت إلى الواجهة مصطلحًا ظل حاضرًا لسنوات: ”الوزارات السيادية“.
فكيف بدأت أنباء رفع ”السيادة“ عن الوزارتين، وماذا يعني ذلك عمليًا، وهل تمهد هذه الخطوة لتحول أوسع في علاقة مجلس الشورى بالحكومة؟
في 7 مارس 2026م، صرّح سعادة حميد الناصري، عضو مجلس الشورى ممثل ولاية عبري، عبر حسابه في منصة ”إكس“، برفع السيادة عن وزارتي الطاقة والمعادن والأوقاف والشؤون الدينية.
وأوضح الناصري أن ذلك يعني الموافقة على إضافة الوزارتين إلى قائمة الوزارات الخدمية، وأن وزيريها سيقدمان بياناتهما الوزارية أمام مجلس الشورى للمناقشة، مؤكدًا أن عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- هو عهد مواصلة البناء والازدهار وتطوير أداء المؤسسات.
ماذا يعني ذلك؟
يُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها تحولًا لافتًا في الممارسة البرلمانية في سلطنة عُمان، إذ درجت الأعراف السياسية والإدارية على التمييز بين ما يُعرف بـ ”وزارات الخدمات“، التي يمكن لمجلس الشورى مناقشة وزرائها واستخدام أدواته البرلمانية في التعامل معهم، و”الوزارات السيادية”، التي لم يكن المجلس يملك -وفقًا للممارسة السائدة- دعوة وزرائها أو مساءلتهم.
وبعبارة أخرى، ظل مجلس الشورى طوال السنوات الماضية غير قادر على دعوة وزراء ما يُصطلح عليه بـ”الوزارات السيادية“ أو مساءلتهم، في مقابل صلاحيات أوسع للتعامل مع وزراء الخدمات.
كيف تُعرّف الوزارات السيادية؟
في مقال سابق للدكتور صالح المسكري نشرته ”أثير“، أشار إلى أن الوزارات السيادية هي الجانب الغالب في البلاد، سواء من حيث العدد أو الإمكانات، وقال المسكري بأنها ”متسلحة بالحصانة السيادية“ من دون أن يقر لها القانون بذلك، موضحًا أن بعضهم يضفي على هذا التصنيف شرعية قانونية بالقول إن النظام الأساسي نص على دعوة وزراء الخدمات فقط دون غيرهم، في حين أن النظام الأساسي -بحسب المقال- لم ينص كذلك على سيادية أي وزارة، ولم يتناول في نصوصه سوى سيادة الوطن والذات السلطانية التي لا تُمس.
وعلى الرغم من أن المقال المشار إليه نُشر في عام 2019م، وكان المسكري يشير فيه إلى النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 101/96 وتعديلاته، فإن النظام الأساسي للدولة الصادر عام 2021م، وكذلك قانون مجلس عُمان الصادر في العام نفسه، لم يتضمنا أي إشارة أو تعريف لمصطلح ”سيادية أي وزارة“.
ما آلية التعامل مع وزراء الخدمات؟
تدرجت القوانين المنظمة لعمل مجلس عُمان في تحديد آلية التعامل مع وزراء الخدمات؛ إذ بدأت بإلزامهم بتقديم تقارير سنوية عن منجزات وخطط وزاراتهم، قبل أن تتوسع التشريعات اللاحقة في الصلاحيات الممنوحة للمجلس لتشمل أدوات أخرى، من بينها الاستجواب.
ويمكن إيجاز أبرز هذه التطورات في الآتي:
- المرسوم السلطاني رقم 86/97 في شأن مجلس عُمان: نص على أن يتلقى مجلس الشورى تقارير سنوية من وزراء الخدمات عن منجزات وخطط وزاراتهم، ويجوز للمجلس، عند الاقتضاء، دعوة أي منهم لتقديم بيان حول بعض الأمور المتعلقة باختصاصات وزارته، لمناقشتها وتبادل الرأي بشأنها.
- المرسوم السلطاني رقم 99/2011 بتعديل بعض أحكام النظام الأساسي للدولة: نص على أنه يجوز، بناءً على طلب كتابي موقع من 15 عضوًا على الأقل من أعضاء مجلس الشورى، استجواب أي من وزراء الخدمات في الأمور المتعلقة بتجاوز صلاحياتهم بالمخالفة للقانون، ومناقشة ذلك من قبل المجلس ورفع نتيجة ما يتوصل إليه في هذا الشأن إلى جلالة السلطان. كما نص على أن يوافي وزراء الخدمات مجلس الشورى بتقرير سنوي عن مراحل تنفيذ المشروعات الخاصة بوزاراتهم، وللمجلس دعوة أي منهم لتقديم بيان عن بعض الأمور الداخلة في اختصاصات وزارته ومناقشته فيها.
- المرسوم السلطاني رقم 7/2021 بإصدار قانون مجلس عُمان: توسع القانون في آليات التعامل مع وزراء الخدمات، مع تحديد شروط وإجراءات معينة، يمكن إيجازها في الآتي:
- على وزراء الخدمات موافاة مجلس الشورى بتقرير سنوي عن مراحل تنفيذ المشروعات الخاصة بالوزارات التي يرأسونها، وللمجلس دعوة أي منهم لتقديم بيان عن بعض الأمور الداخلة في اختصاصات الوزارة التي يرأسها ومناقشته فيها.
- يحق لأعضاء مجلس الشورى توجيه الأسئلة إلى وزراء الخدمات، على ألا يوجه السؤال إلا من عضو واحد إلى وزير واحد.
- يجوز، بناءً على طلب كتابي موقع من 5 أعضاء على الأقل، وبعد موافقة مجلس الشورى بأغلبية الأعضاء الحاضرين، طرح أحد الموضوعات العامة التي تدخل في اختصاص المجلس للمناقشة وتبادل الرأي فيه مع وزراء الخدمات.
- يجوز لـ 15 عضوًا على الأقل من أعضاء مجلس الشورى طلب استجواب أي من وزراء الخدمات في الأمور المتعلقة بتجاوز صلاحياتهم بالمخالفة للقانون.
كيف تعامل مجلس الشورى مع الوزراء؟
تكشف مراجعة الفترات المختلفة لمجلس الشورى عن تفاوت واضح في طبيعة تعامله مع الوزراء واستخدامه لأدواته البرلمانية، وتبدو الفترة السابعة الأكثر حضورًا من حيث استضافة الوزراء وتوجيه الأسئلة إليهم، بل إن ذلك امتد في بعض الحالات إلى مسؤولين ووزراء لا يندرجون ضمن ما يُعرف تقليديًا بـ ”وزراء الخدمات“.
طلبات المناقشة:
شهدت الفترة السابعة لمجلس الشورى استضافة عدد من الوزراء ومن في حكمهم لتقديم عروض ومناقشتها، رغم أن بعضهم لم يكن ضمن قائمة ”وزراء الخدمات“، إذ حضر وزير النفط والغاز حينها، ورئيسة الهيئة العامة للصناعات الحرفية، ورئيس مجلس المناقصات، ورئيس هيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم.
أما الفترة الثامنة، فلم تشهد حضور أي وزير لتقديم عروض ومناقشتها خارج إطار البيانات الوزارية، إذ اقتصر حضور الوزراء على وزراء الخدمات لتقديم بيانات وزارية عن موضوعات ذات علاقة بوزاراتهم.
طلبات الاستجواب:
قدم المجلس طلبين للاستجواب خلال الفترة السابعة، كان أحدهما موجهًا إلى وزير النفط والغاز حينها بشأن ”اعتصامات حقول النفط“، وكان قرار مكتب مجلس الشورى حينها اعتبار أن هناك عدم تعاطٍ مع الحدث بالجدية المطلوبة من قبل الوزير، قبل رفع الطلب إلى الحكومة.
وجاء الرد بأن طلب الاستجواب لا يتوافق مع النظام الأساسي للدولة، على اعتبار أن وزارة النفط والغاز من الوزارات السيادية.
الأدوات البرلمانية:
في التقرير الصادر عن مجلس الشورى للفترة السابعة (2011-2015)، وُجّه عدد من الأدوات البرلمانية إلى مؤسسات حكومية لا تندرج ضمن قائمة ”وزراء الخدمات“ المعتادة، من بينها:
- وزارة العدل
- وزارة الداخلية
- البنك المركزي العُماني
- هيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم
- بلدية مسقط
- بلدية ظفار
وزراء الخدمات في مجلس الشورى
خلال الفترتين الثامنة والتاسعة، استضاف مجلس الشورى عددًا من الوزراء لمناقشة بياناتهم الوزارية، وهم:
- وزير الصحة
- وزير الإعلام
- وزير العمل
- وزير الاقتصاد
- وزير التراث والسياحة
- وزيرة التربية والتعليم
- وزيرة التنمية الاجتماعية
- وزير الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه
- وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار
- وزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار
- وزير الإسكان والتخطيط العمراني
- وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات
ومع بدء أولى خطوات مناقشة وزيري الطاقة والمعادن والأوقاف والشؤون الدينية أمام مجلس الشورى، يبرز سؤال أوسع: هل ستتوسع دائرة الوزارات التي تُرفع عنها صفة ”السيادية“ خلال الدورة الحالية أم أننا سنشهد التوسع بدءًا من الدورة القادمة؟






