تُوّج آسيويًا: إنجاز جديد لـ “نماء” في شبكات المياه بالمضيبي

تُوّج آسيويًا: إنجاز جديد لـ “نماء” في شبكات المياه بالمضيبي
تُوّج آسيويًا: إنجاز جديد لـ “نماء” في شبكات المياه بالمضيبي
مسقط - أثير
حين يرتبط المشروع بحياة الإنسان واحتياجاته الأساسية، فإن إنجازه لابد أن يكون بكفاءة عالية، وفي إطار المدة والميزانية المعتمدتين، يمثل نجاحاً يستحق الإشادة الدولية، لا سيما عندما يقترن بتحديات هندسية معقدة، كما هو الحال في مشروع شبكات توزيع المياه بولاية المضيبي بمحافظة شمال الشرقية.
فهناك، حيث تمتد مسارات شبكات المياه عبر الأودية والحارات القديمة، وتتقاطع مع الأفلاج الضاربة في عمق التاريخ، لم يكن مد مئات الكيلومترات من الشبكات مجرد مهمة هندسية بسيطة، بل تحدياً استثنائياً استدعى دقة في التخطيط وبراعة في التنفيذ، للموازنة بين تطوير البنية الأساسية وصون الموروث المائي والعمراني العماني.

من تحديات الميدان إلى منصة التميز الآسيوي

توج هذا الإنجاز بحصول نماء لخدمات المياه على جائزة مبادرة العام لتوفير المياه ضمن جوائز المياه الآسيوية 2026، عن مشروع إنشاء شبكات توزيع المياه والتوصيلات المنزلية بولاية المضيبي للمرحلة الأولى، في تكريم يسلط الضوء على تجربة هندسية جمعت بين كفاءة التنفيذ والانضباط المالي واتساع الأثر التنموي.
وقد اكتملت أعمال المشروع خلال المدة المعتمدة البالغة 790 يوماً، دون تجاوز القيمة التعاقدية البالغة 65.25 مليون ريال عماني، رغم اتساع نطاق الأعمال وتنوع التحديات الميدانية، بما يعكس كفاءة إدارة مشروع بنية أساسية بهذا الحجم، والتنسيق بين مختلف مراحل التصميم والتوريد والتنفيذ.

إدارة الاستثمارات بكفاءة: من الإنفاق إلى الأثر التنموي

وفي تصريح بهذه المناسبة، قال المهندس عبدالله بن سالم الراسبي، الرئيس التنفيذي لوحدة المشاريع الإنمائية بنماء لخدمات المياه: “إن التتويج الآسيوي لمشروع المضيبي يعكس تطور القدرات المؤسسية في إدارة المشروعات الاستراتيجية، ويؤكد أن القيمة الحقيقية للاستثمار لا تكمن في حجمه وحده، بل في القدرة على تحويله إلى بنية أساسية موثوقة، وخدمات مستدامة، ومنافع تنموية تتجاوز حدود المشروع إلى المجتمع والاقتصاد.”
وأضاف: “لقد قدم المشروع تجربة متقدمة في كفاءة إدارة الموارد، من خلال تطبيق نموذج التصميم والتنفيذ والتمويل، وتحقيق مستهدفاته ضمن المدة التعاقدية ودون تجاوز القيمة المعتمدة. ويجسد هذا الأداء أهمية التكامل بين التخطيط والتمويل والتنفيذ، وإحكام إدارة الوقت والتكلفة، بما يعزز كفاءة الإنفاق ويرسخ نهجاً مؤسسياً قائماً على النتائج.”
وأشار الراسبي لوحدة المشاريع الإنمائية بنماء لخدمات المياه إلى أن نماء لخدمات المياه تواصل تطوير مشروعاتها وفق رؤية تستهدف تعزيز جاهزية البنية الأساسية، ورفع موثوقية الإمدادات، والاستفادة من النماذج التعاقدية التي تدعم استدامة الاستثمار وتواكب الاحتياجات المستقبلية.

كيف واجه المشروع تحديات الأودية والأفلاج والحارات القديمة؟

على المستوى الهندسي، شكلت الطبيعة الجغرافية والعمرانية لولاية المضيبي تحدياً أمام فرق المشروع، مع امتداد مسارات الشبكات عبر الأودية والحارات القديمة، وتقاطعها مع الأفلاج وشبكات الخدمات القائمة، الأمر الذي تطلب تخطيطاً دقيقاً وتنسيقاً ميدانياً واسعاً لضمان تنفيذ الأعمال والمحافظة على سلامة الموروث المائي.
وفي هذا السياق، قال المهندس غالب بن عامر المسلمي، مدير مشروع شبكات المياه بولاية المضيبي: “لقد فرضت طبيعة ولاية المضيبي تحديات هندسية استثنائية، شملت عبور الأودية والمرتفعات والعمل في المناطق المزدحمة بالخدمات القائمة، إلى جانب التعامل مع مسارات الأفلاج واختلاف مناسيبها وتقاطعاتها مع الشبكات الجديدة. وقد تطلب ذلك دراسة دقيقة لطبيعة المواقع، وتخطيطاً متأنياً للأعمال، وتنسيقاً ميدانياً مستمراً، للوصول إلى حلول فنية تحقق متطلبات المشروع وتحافظ في الوقت ذاته على سلامة الأفلاج.”
وأضاف المسلمي: “إن ما تحقق لم يكن نتاج الجهد الهندسي وحده، بل ثمرة تكامل الخبرات والتخصصات، والقدرة على اتخاذ المعالجات المناسبة في الميدان، والاستفادة من الكفاءات المحلية والشركات المساندة، بما أسهم في تعزيز القيمة المحلية المضافة وبناء الخبرات المرتبطة بتنفيذ مشروعات البنية الأساسية.”

892 كيلومتراً من الشبكات لخدمة 15 ألف منزل

ويمثل المشروع، الذي نفذته شركة تاول لمشاريع البنية الأساسية لصالح نماء لخدمات المياه، أحد المشروعات الكبرى لتطوير شبكات توزيع المياه، إذ بلغ إجمالي أطوال الشبكات نحو 892 كيلومتراً، لتوفير بنية أساسية لإمداد نحو 15 ألف منزل بالمياه، وتوسيع نطاق الخدمات في المناطق المستفيدة.
وشملت أعمال المشروع المضيبي والروضة والأخضر وسمد الشأن ولزق وخضراء بني دفاع، بما يسهم في تعزيز موثوقية الإمدادات المائية، ودعم التنمية العمرانية والاقتصادية، وتلبية الاحتياجات المتنامية للمجتمعات المحلية.

بنية أساسية تستشرف احتياجات 2040

لم تقف الرؤية التخطيطية للمشروع عند حدود الاحتياجات الراهنة، بل امتدت إلى استشراف الطلب المستقبلي، من خلال تصميم منظومة تستوعب أكثر من 154 ألف نسمة بحلول عام 2040، مع الإسهام في تقليص فاقد المياه ورفع كفاءة التوزيع، بما يعزز القيمة طويلة الأمد للاستثمار.
وتعكس هذه المعطيات أهمية التخطيط الاستباقي في مشروعات البنية الأساسية، من خلال إنشاء شبكات قادرة على مواكبة النمو السكاني والتوسع العمراني، والحد من الحاجة إلى تدخلات توسعية متكررة، بما يدعم استدامة الخدمات المائية ويرفع كفاءة الاستفادة من الموارد.

نموذج تمويلي يعزز مرونة الاستثمار وكفاءة الإنفاق

تميز المشروع باعتماد نموذج تعاقدي يجمع بين التصميم والتنفيذ والتمويل، تولى بموجبه المقاول تمويل الأعمال خلال فترة التنفيذ، على أن تسدد نماء لخدمات المياه قيمة العقد على مدى خمس سنوات تبدأ بعد تسليم المشروع.
وتبرز أهمية هذا النموذج في توزيع الالتزامات المالية على فترة زمنية محددة، بما يوفر مرونة في إدارة الاستثمارات الرأسمالية، ويدعم تنفيذ مشروعات البنية الأساسية وفق ترتيبات تعاقدية مدروسة.
كما يعكس هذا النهج أهمية التكامل بين الجوانب الفنية والمالية في إدارة المشروعات الكبرى، بما يتيح توظيف الموارد بكفاءة أكبر، مع الالتزام بالمستهدفات الزمنية والتعاقدية وضمان تحقيق النتائج المرجوة من الاستثمار.

أكثر من 3.47 مليون ساعة عمل دون إصابات مضيعة للوقت

لم يقتصر التميز في تنفيذ المشروع على الالتزام بالمدة والميزانية المعتمدتين، بل امتد إلى تحقيق مؤشرات متقدمة في السلامة المهنية، إذ سجل المشروع 3,476,992 ساعة عمل دون إصابات مضيعة للوقت، وبمعدل تكرار صفري لكل مليون ساعة عمل، في إنجاز يعكس مستوى الالتزام بمتطلبات الصحة والسلامة المهنية وإدارة المخاطر خلال مراحل التنفيذ.
ويبرز هذا المؤشر أهمية تطبيق إجراءات السلامة والرقابة الميدانية في المشروعات التي تتسم باتساع نطاق العمل وتعدد المواقع وتداخل الأنشطة الهندسية، بما يسهم في حماية العاملين، وتعزيز استمرارية التنفيذ، وترسيخ ممارسات العمل الآمن في مشروعات البنية الأساسية.

من التعمين إلى المؤسسات الصغيرة.. أثر يتجاوز شبكات المياه

على صعيد القيمة المحلية المضافة، حقق المشروع نسبة تعمين بلغت نحو 25.97 بالمائة، إلى جانب إتاحة فرص للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة للمشاركة في أعمال التنفيذ وسلاسل الإمداد والخدمات المساندة. كما أسهم الاعتماد على الخدمات والمرافق المحلية في توسيع الأثر الاقتصادي للمشروع ليشمل أصحاب الأعمال والمجتمعات المستفيدة.
وامتدت مساهمات المشروع إلى الجانب المجتمعي، من خلال تقديم الدعم لعدد من المدارس والجهات الحكومية والمؤسسات المحلية، بما عزز التواصل مع المجتمعات المستفيدة، وأضاف بعداً اجتماعياً إلى منافع الاستثمار في البنية الأساسية.
وتعكس هذه الجوانب دور المشروعات الكبرى في تحفيز النشاط الاقتصادي المحلي، وفتح مجالات للمؤسسات الوطنية للمشاركة في تنفيذ الأعمال وتقديم الخدمات، إلى جانب الإسهام في تنمية المهارات والخبرات المرتبطة بقطاع المياه.

جاهزية تشغيلية تعزز موثوقية الإمدادات

وشملت الأعمال كذلك التنسيق مع الجهات المعنية بإمدادات المياه لتنفيذ عمليات الربط على مراحل، ومراقبة كفاءة أداء الشبكات وسلامة التوصيلات المنزلية خلال فترة التشغيل التجريبي، بما يدعم جاهزية المنظومة وكفاءة تشغيلها.
ويعد هذا الجانب امتداداً مهماً لأعمال التنفيذ، إذ لا يقتصر نجاح مشروعات الشبكات على استكمال الأعمال الإنشائية، بل يشمل التأكد من جاهزية المنظومة وكفاءة أدائها، بما يعزز موثوقية الإمدادات ويسهم في تقديم خدمة مستدامة للمستفيدين.

المرحلة الثانية تواصل توسيع التغطية وتعزيز جاهزية الشبكات

وفي امتداد لهذه المنجزات، تواصل نماء لخدمات المياه تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع شبكات توزيع المياه بالمضيبي، باستثمارات تبلغ نحو 15 مليون ريال عماني، لتشمل 11 قرية لم تغطها المرحلة الأولى، وقد بلغت نسبة الإنجاز فيها 45 بالمائة.
وتأتي هذه المرحلة لاستكمال نطاق التغطية في الولاية، وتعزيز تكامل الشبكات وجاهزيتها لمواكبة النمو السكاني والطلب المتزايد على خدمات المياه، بما يوسع نطاق الاستفادة من البنية الأساسية ويدعم وصول الخدمات إلى مزيد من التجمعات السكانية.

جائزة آسيوية تؤكد قيمة الإنجاز واستدامة الأثر

تعد جوائز المياه الآسيوية من المنصات المتخصصة في إبراز المشروعات والمبادرات المتميزة في قطاع المياه، وتسليط الضوء على التجارب التي تسهم في تطوير البنية الأساسية وتعزيز كفاءة الخدمات واستدامتها.
وبهذا التكريم، يضيف مشروع المضيبي إلى سجل المشروعات المائية في سلطنة عمان تجربة جمعت بين اتساع الأثر التنموي، وكفاءة إدارة الاستثمارات، والانضباط في التنفيذ، وتحقيق مستويات متقدمة من السلامة المهنية، والقدرة على تجاوز التحديات الهندسية مع المحافظة على خصوصية المكان.
ففي المضيبي، لم تكن الحصيلة مجرد مئات الكيلومترات من الشبكات وآلاف المنازل المستفيدة، بل استثماراً تحول إلى خدمات، وتحديات أفضت إلى خبرات، وفرصاً اقتصادية امتد أثرها إلى المجتمع المحلي؛ لتؤكد هذه التجربة أن التميز في المشروعات الكبرى لا يقاس بما ينجز على الأرض فحسب، بل بما يتركه من أثر في حياة الناس ومستقبل التنمية.

شارك هذا الخبر