حماية الأطفال رقميًا: مطالبة بتشريعات وتوعية واسعة

عن الكاتب

جميلة العبري
جميلة العبري

محرر وكاتب صحفي

حماية الأطفال رقميًا: مطالبة بتشريعات وتوعية واسعة
حماية الأطفال رقميًا: مطالبة بتشريعات وتوعية واسعة
أثير -جميلة العبرية
هل تكفي الرقابة الأبوية لحماية الأطفال في العالم الرقمي؟ ومن يتحمل المسؤولية حين تقود الألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي الطفل إلى مخاطر نفسية أو اجتماعية أو مساءلة قانونية؟ وهل تحتاج سلطنة عُمان إلى قواعد تنظيمية جديدة تواكب التطورات التقنية؟
بحثت هيئة تنظيم الاتصالات هذه التساؤلات عبر لقاء حواري بعنوان “حماية الأطفال في البيئة الرقمية”، حضرته “أثير”، بمشاركة أولياء الأمور والأكاديميين والخبراء والمختصين، بهدف الاستماع إلى المقترحات المجتمعية وبحث تطوير إطار تنظيمي عُماني يعزز حماية الأطفال.

حين يصبح الوالدان أول اختبار للتربية الرقمية

في مستهل اللقاء، قدمت الدكتورة فنة بنت عبدالله آل فنة عرضًا رئيسيًا بعنوان “تأثير المنصات الرقمية على الأطفال”، حذرت فيه من الآثار النفسية والاجتماعية والسلوكية والعضوية المرتبطة بالاستخدام غير المنضبط للأجهزة الرقمية.
وشددت على مسؤولية الأسرة في تنظيم ساعات الاستخدام ومتابعة المحتوى، مؤكدة أن الوالدين يمثلان القدوة الأولى للأطفال، وأن توجيه الأبناء يتطلب اتساق القواعد الأسرية مع سلوك الآباء أنفسهم في استخدام الأجهزة.
واستعرضت خمسة مخاطر، شملت الإدمان الرقمي وفقدان السيطرة، والقلق الاجتماعي وتراجع الثقة بالنفس، والتنمر الإلكتروني، واضطرابات النوم والعصبية اليومية، والعزلة وضعف المهارات الاجتماعية، مشيرة إلى حالات تنمر شهدتها في بيئات الأطفال وما قد تتركه من آثار نفسية.

هل تكفي الهوية العُمانية لجذب الأطفال؟

ناقش المحور الأول تحديات إنتاج المحتوى المحلي الموجه للأطفال، وأكد المشاركون أهمية تقديم الهوية العُمانية بأساليب مبتكرة وجاذبة، بدل الاكتفاء بالطرح التقليدي الذي قد لا ينافس المحتوى العالمي.
ودعا الحضور إلى الجمع بين الترفيه والتعليم عبر الرسوم المتحركة والقصص والألعاب، والاهتمام بالجاذبية البصرية والشخصيات التي يتفاعل معها الأطفال، مع الاستفادة من التجارب الدولية في تقديم القيم والثقافة بأسلوب قصصي.
كما تناولت المداخلات ارتفاع تكاليف إنتاج الرسوم المتحركة والألعاب الإلكترونية، والحاجة إلى شراكات تمويلية وفنية بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، ودعم صناع المحتوى والمطورين المحليين.
واقترح المشاركون تطوير قنوات عُمانية للأطفال عبر “يوتيوب”، وتعزيز انتشار المنصات المحلية مثل “عين”، والاستفادة من الأسواق العربية لفتح فرص اقتصادية أوسع للمحتوى العُماني.
ودعا الحضور إلى اكتشاف مواهب الأطفال وإشراكهم في تطوير المحتوى، وتنظيم جلسات للاستماع إلى آرائهم، مع وضع ضوابط تحمي خصوصيتهم عند الظهور عبر المنصات الرقمية، في سياق النقاش الذي شهد الإشارة إلى مبادرة “واجهة الطفل” التابعة لوزارة الإعلام.

قبل أن يتعلم الطفل استخدام الجهاز، هل يعرف كيف يسأل؟

في المحور الثاني، أكد المشاركون أن الكفايات الأخلاقية والسلوكيات الرقمية تبدأ داخل المنزل، وأن السنوات الأولى تمثل مرحلة أساسية لترسيخ مهارات الحوار والثقة بالنفس والتمييز بين الصواب والخطأ.
وشدد الحضور على أهمية تمكين الطفل من الإفصاح لوالديه عما يتعرض له عبر الإنترنت، وتعليمه الاستئذان والاستقصاء والتحقق قبل استخدام التطبيقات، إلى جانب تنمية مهارات إدارة الوقت والرقابة الذاتية، مؤكدين أن سلوك الوالدين وقدرتهما على الحوار ينعكسان على اكتساب الأبناء لهذه المهارات.
كما أثيرت تحديات تتعلق بضعف التواصل بين بعض الأسر وأبنائها، وعدم التوافق أحيانًا بين الوالدين بشأن قواعد الاستخدام، أو بين التوجهات الأسرية والسلوكيات السائدة في المجتمع المدرسي.
وأشار المشاركون إلى محدودية معرفة بعض أولياء الأمور بالأمن السيبراني وإعدادات الحماية، وتفاوت جاهزية المعلمين، فضلًا عن صعوبة وصول بعض الرسائل التوعوية نتيجة استخدام لغة تقنية متخصصة.
وذكر أحد المشاركين، استنادًا إلى دراسة أشار إليها دون تحديد تفاصيلها، أن أكثر من 80% لا تصلهم برامج التوعية، لافتًا إلى محدودية نطاق بعض الورش التي تستوعب نحو 60 طالبًا فقط.
واقترح الحضور تخصيص حصة أسبوعية للتوعية الرقمية في المدارس، وتأهيل المعلمين، وربط السلامة الرقمية بالتفكير النقدي واتخاذ القرار، مع الإشارة إلى جهود مدرسية قائمة لتقديم حصص في الأمن السيبراني.

مبادرات قائمة تبحث عن مظلة موحدة

لفت المشاركون إلى تشتت المبادرات التوعوية رغم وجود جهود قائمة، مطالبين بخطة وطنية تجمع المؤسسات المعنية وتحدد مسؤولياتها، سواء عبر استراتيجية متخصصة أو مركز يتبع جهة حكومية، إلى جانب مقترح تشكيل لجنة عاجلة لتنسيق التوعية بالأمن السيبراني.
واستُعرضت تجربة منصة “سايبر” العُمانية للتوعية بالأمن السيبراني، مع الدعوة إلى احتضانها مؤسسيًا، والاستفادة من المنصات واسعة الاستخدام مثل “إنستغرام” لإيصال الرسائل إلى الفئات المستهدفة.
كما دعا الحضور إلى إيجاد قدوات رقمية تواكب التطورات التقنية، وإطلاق حملات مستدامة تراعي احتياجات الأطفال والأسر والمعلمين والمختصين، وتستجيب للمخاطر المستجدة، مع ضرورة التنسيق بين الجهات لضمان وصول المبادرات إلى المستفيدين.

حين تتجاوز المخاطر الرقمية حدود الشاشة

ركز المحور الثالث على مخاطر الألعاب والمنصات الرقمية، ومنها التواصل مع الغرباء والتنمر والابتزاز والاستغلال الإلكتروني، إلى جانب التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي وإنتاج صور ومقاطع اصطناعية قد يصعب تمييزها عن الواقع.
وناقش المشاركون الحاجة إلى تطوير التشريعات والأنظمة لمعالجة الثغرات القانونية والتقنية، وتعزيز وسائل الحماية داخل الألعاب والتطبيقات، وتوعية الأطفال بآليات الإبلاغ عن الإساءة والمحتوى الضار.
وأشار أحد الحضور إلى حالات لأطفال انساقوا وراء ممارسات رقمية انتهت باتهامهم في قضايا جنح أو جرائم إلكترونية، مؤكدًا أهمية التعريف بالعواقب القانونية للسلوكيات الرقمية، وتعزيز الوعي بالمساءلة القانونية للأحداث.
وشملت المقترحات تشجيع الشركات على تطوير ألعاب وتطبيقات آمنة تعكس الهوية العُمانية، وإدماج مفاهيم الذكاء الاصطناعي والسلامة الرقمية في الأنشطة التعليمية، مع تعزيز التعريف بقنوات الإبلاغ القائمة وبحث تطويرها أو إنشاء منصة موحدة تيسر استقبال البلاغات وسرعة الاستجابة.
كما دعا المشاركون إلى توفير متنفسات ومرافق مجتمعية وترفيهية آمنة وجاذبة للأطفال، لتوسيع خيارات أنشطتهم اليومية وتقليل الاعتماد المفرط على الأجهزة والشاشات.

فكرة من الجمهور أصبحت منصة وطنية

في سياق أهمية المشاركة المجتمعية، استُعرضت خلال اللقاء تجربة منصة “ترس”، التي انطلقت فكرتها بمقترح قدمه مشاركون في لقاء حواري نظمته هيئة تنظيم الاتصالات العام الماضي حول الاحتيال الإلكتروني.
وتبنت الهيئة المقترح وعملت على تحويله إلى مشروع فعلي، وصولًا إلى إطلاق منصة “ترس” رسميًا لتلقي بلاغات الاحتيال الإلكتروني، في تجربة تعكس دور المنتفعين في تطوير حلول تستجيب لاحتياجات المجتمع.

المخرجات المرتقبة

صاحب حوله اللقاء معرض استعرض مبادرات ومنصات وأدوات مرتبطة بحماية الأطفال في البيئة الرقمية، وأتاح للحضور التعرف على وسائل الحماية والتوعية.
وأكدت هيئة تنظيم الاتصالات أنها ستعمل على فرز المرئيات والمقترحات التي طُرحت خلال الجلسات وتحليلها، بما يسهم في تحديد الأولويات وتطوير الحلول والأطر التنظيمية المناسبة.

شارك هذا الخبر