“المعدن الأحمر” في عُمان: أرقام قياسية ومستقبل واعد

صدّرت عُمان نحو 95 ألف طن من مركزات النحاس خلال 2025، فيما تدعم مناجم الأسيل والبيضاء والغيزين والواشحي ومزون توسع الإنتاج والمعالجة المحلية.

عن الكاتب

أمين بركة
أمين بركة

صحفي‏ وكاتب محتوى

“المعدن الأحمر” في عُمان: أرقام قياسية ومستقبل واعد
النحاس
أثير – أمين بركة
في اليوم الأخير من 2024، احتفلت شركة تنمية معادن عُمان بتصدير أول شحنة من مركزات النحاس بوزن 900 طن، منهية بذلك فترة غياب دامت قرابة ثلاثة عقود عن أسواق التصدير الدولية.
هذا المشهد مثل وقتها عودة قوية لصناعة المعدن الأحمر العُماني، لتتسارع وتيرة النشاط بعدها، وتسجل عُمان تصدير نحو 95 ألف طن من مركزات النحاس خلال عام 2025.
وتتحرك سلطنة عُمان في قطاع النحاس وفق استراتيجية صناعية واضحة تهدف إلى الاستدامة، والتقنية الحديثة، وبناء القدرات الوطنية، بالتوازي مع توسيع أعمال الاستكشاف والإنتاج والمعالجة، بما يدعم مستهدفات رؤية عُمان 2040.

أرض النحاس

تعد عُمان من أقدم مواطن استخراج وصهر النحاس في العالم، حيث يعود تاريخ هذه الصناعة إلى آلاف السنين، واستُخدمت في عمليات التعدين القديمة أدوات وأزاميل نحاسية لتكسير الصخور واستخراج عروق الخام الناتج عن التكوينات الجيولوجية الفريدة المعروفة بـ“الأوفيولايت“.
وعُرفت عُمان في النصوص المسمارية السومرية والأكادية في بلاد الرافدين باسم “مجان”، وهو ما يعني “جبل النحاس”، في إشارة إلى غناها بمعدن النحاس الذي كان يُستخلص وقتها داخل أفران طينية، إذ يُفتت الخام ويُخلط مع الفحم النباتي، ثم يُسخن لفصل النحاس المصهور وصبه في قوالب لإنتاج سبائك معدنية.
وشهد عام 1983 انطلاقة العهد الحديث لقطاع التعدين في عُمان، حيث تُوجت أعمال التنقيب والاستكشاف التي بدأت في سبعينيات القرن الماضي بافتتاح مصنع صهر وتصفية النحاس في منطقة وادي الجزي بولاية صحار.
وفي منتصف العام ذاته، بدأت شركة عُمان للتعدين في تصدير النحاس المصفى وعالي الجودة إلى الأسواق العالمية، قبل أن تتوقف في 1994، نتيجة استنزاف المخزونات في المناجم التي كانت تغذي المصنع في ولاية صحار، فيما تحولت الشركة إلى تكرير النحاس المستورد من الخارج.

عودة التصدير

في ديسمبر 2024، وبعد فترة توقف دامت لنحو ثلاثة عقود، عاودت عُمان تصدير نحاسها بشحنة تقدر 900 طن من مركزات النحاس من منجم الأسيل عبر ميناء صحار، مع تشغيل مشاريع ومناجم جديدة.
وكشفت وقتها عمليات الاستكشاف التي نفذتها شركة تنمية معادن عُمان في مشروع إعادة تطوير مناجم المربع 4 الذي يشمل منجمي الأسيل في ولاية صحار والبيضاء في ولاية لوى، عن احتياطيات تجارية تقارب 2.78 مليون طن من خام النحاس، بطاقة إنتاجية للمشروع تصل إلى نحو 500 ألف طن.
وفي 2025، بلغت صادرات مركزات النحاس العُمانية نحو 95 ألف طن، وفق بيانات وزارة الطاقة والمعادن.

مناجم النحاس.. إنتاج يتوسع

فيما يلي أبرز مناجم النحاس في عُمان:
  • منجما الأسيل والبيضاء
يقع مشروع مناجم النحاس في المربع 4 بمحافظة شمال الباطنة، ويضم منجمي الأسيل في ولاية صحار والبيضاء في ولاية لوى، بإجمالي احتياطيات تجارية تُقدر بنحو 2.9 مليون طن من خام النحاس.
وقد جرى تجديد المنجمين وتشغيلهما آليًا ليعملا بطاقة تصميمية تبلغ 1.05 مليون طن من الخام سنويًا، وبمتوسط إنتاج فعلي مستهدف يقارب 500 ألف طن سنويًا خلال المرحلة التشغيلية الأولية.
ووفقًا لبيانات شركة تنمية معادن عُمان، يمتلك مصنع المعالجة التابع للمشروع كفاءة تشغيلية عالية تتجاوز فيها نسبة استخلاص النحاس 92%؛ وهو ما يتيح له طاقة إنتاجية تتراوح بين 80 ألفًا و100 ألف طن متري رطب من مركزات النحاس سنويًا، محتوية على صافي نحاس يُقدر بنحو 20 ألف طن.
  • منجم الغيزين
يمثل مشروع الغيزين في ولاية الخابورة بمحافظة شمال الباطنة، أحد أهم المشاريع التي أعادت النحاس إلى المشهد التعديني في عُمان.
ويعتمد المشروع على تقنية “التعدين الباطني” التي تساهم في التقليل من مساحة التعدين على السطح، وتزيد من دقة عملية الوصول إلى المخزون.
ويبلغ الاحتياطي القابل للتعدين نحو 6.4 مليون طن من خام النحاس بمتوسط تركيز 2.04%، بينما تصل الموارد الإجمالية إلى نحو 9.1 مليون طن بمتوسط تركيز يقارب 1.98%.
وينقل خام النحاس إلى خارج الولاية لتكسيره ثم تكثيفه في مصنع المعالجة التابع لشركة عُمان للتعدين الواقع في ولاية صحار.
وفي فبراير 2025، صدرت من ميناء صحار شحنة كبيرة من مركزات النحاس الناتجة عن خام الغيزين، بلغت 7,500 طن متري رطب وبدرجة تركيز تجاوزت 18.5% نحاس، وكانت متجهة إلى الصين بموجب اتفاقية شراء مسبق مع شركة ترافيغورا.
وكانت موارد قد أعلنت آنذاك استخراج أكثر من 222 ألف طن من الخام وإنجاز أكثر من 5 آلاف متر من أعمال التطوير تحت الأرض.
وفي 2026، حصل مشروع الغيزين-3 على تمويل بقيمة 64 مليون ريال عُماني ضمن تسهيل تمويلي إسلامي مجمع، لدعم تطوير وتوسعة المشروع.
ويستهدف المشروع استخراج نحو 6.4–6.5 مليون طن من خام النحاس على مدى عمر المنجم.
  • منجم الواشحي–المجازة
يبرز في ولاية المضيبي بمحافظة شمال الشرقية، مشروع الواشحي–المجازة باعتباره أحد المشاريع الرئيسية للنحاس في عًمان، والذي تشغله شركة “الحديثة” للمصادر.
ويحتوي المنجم على أكثر من 16 مليون طن من موارد خام النحاس، مع احتياطيات قابلة للتعدين تتجاوز 10 ملايين طن وفق المعايير الدولية.
وبدأت عمليات إنتاج وتصدير مركزات النحاس والذهب من المشروع، مع توجه لرفع الإنتاج تدريجيًا مع تحسين أداء مصنع المعالجة.
كما بدأت مرحلة الإنتاج التجاري في مارس 2025، واستمرت عمليات شحن مركزات النحاس عبر ميناء صحار.
  • مزون
يمثل مشروع مزون للنحاس في ولاية ينقل بمحافظة الظاهرة أحد أهم مشاريع التوسع في قطاع النحاس، ويقع المشروع في منطقة الامتياز 12A-2 على مساحة 20 كيلومترًا مربعًا، وتبلغ حصة تنمية معادن عُمان فيه 96%.
ويعتمد المنجم على الأتمتة والنمذجة ثلاثية الأبعاد، ويستخدم الطاقة الشمسية وإعادة تدوير المياه، ويعمل في مشروع إنشائه حوالي 600 عامل، فضلًا عن عدة شركات.
ووفق تنمية معادن عُمان لعام 2025، فإن موارد المشروع وصلت إلى 20.2 مليون طن، مع تصنيف 4.1 مليون طن كاحتياطي محتمل، فيما تصل طاقة معالجة الخام إلى 2.5 مليون طن سنويًا، ويستهدف إنتاج نحو 115 ألف طن من مركزات النحاس سنويًا بتركيز يبلغ نحو 21.5%.
ويضم المشروع خمسة مناجم مفتوحة، إضافة إلى وحدات التكسير والطحن ومصنع المعالجة ووحدة معالجة النفايات وشبكات الكهرباء والمياه ومرافق سكنية وإدارية.

احتياطيات هائلة

بحسب وزارة الطاقة والمعادن، تجاوز مجموع الاحتياطيات المؤكدة والقابلة للتعدين في مشاريع النحاس الجاري تشغيلها أو القريبة من التشغيل 26 مليون طن من خام النحاس، بتراكيز مختلفة تصل إلى 2% للخام المستخرج من المناجم.
ونجحت برامج الاستكشاف التي تنفذها تنمية معادن عُمان في إضافة 5.9 مليون طن من موارد النحاس بنهاية عام 2025، مقسمة بين 4.9 مليون طن في منطقة ينقل، ونحو 261 ألف طن في منطقة خبيات، و806 آلاف طن في مشروع معيدن.
وتظهر بيانات تنمية معادن عُمان وجود إمكانات للنحاس في عدد من مناطق الامتياز، بينها 11-B و12A-2 و12B و13A و13B و24 و52.
وفي منطقة 11-B، تأسست شركة “مناجم” كمشروع مشترك بين موارد للتعدين وتنمية معادن عُمان، بحصتين تبلغ كل منهما 60% و40%، وتغطي المنطقة المستهدفة نحو 541.5 كيلومترًا مربعًا، مع تركيز أساسي على استكشاف النحاس.
وفي يوليو 2026، وقعت تنمية معادن عُمان اتفاقية مع شركة سوليدكور ريسورسيس الكازاخستانية، تستحوذ بموجبها الأخيرة على حصة تصل إلى 60% في مشروع النحاس بمحافظة شمال الباطنة، وذلك عبر آلية استثمار مرحلية ترتبط بتحقيق مستهدفات فنية واستثمارية محددة؛ لضمان التقدم المنهجي في أعمال الاستكشاف.
ويقع المشروع على بعد نحو 29 كيلومترًا من مدينة صحار ضمن منطقة الامتياز 11B، التي تشير الدراسات الفنية إلى وجود كميات كبيرة فيها من “الكبريتيدات البركانية” الحاملة للنحاس والذهب.

من الخام إلى المركزات.. أين تتشكل القيمة المضافة؟

برز التحول الأهم في قطاع النحاس العُماني بزيادة المعالجة داخل السلطنة، فالنموذج القائم في الغيزين والواشحي يعتمد على استخراج الخام ثم معالجته محليًا لإنتاج مركزات النحاس قبل تصديرها إلى الأسواق الخارجية، مما يرفع القيمة المضافة.
ويخضع خام النحاس لعمليات معالجة ورفع التركيز من حوالي 2% كخام إلى نحو 24% تقريبًا، اعتمادًا على كفاءة محطة التكثيف، ليتم تسويقه كمركزات ذات قيمة سوقية أعلى مقارنة بالخام غير المعالج.
وتبلغ سعة مصنع النحاس في ينقل 2.5 مليون طن سنويًا، مع إنتاج مستهدف 115 ألف طن من مركزات النحاس سنويًا.
كما توجد مشاريع لإعادة معالجة مخلفات النحاس، مما يتيح استخلاص كميات إضافية من المخلفات القديمة، بما يسهم في رفع معدلات الاسترداد الكلي للموارد التي تم استخراجها سابقًا، وتقليل الأثر البيئي، وتحقيق عوائد اقتصادية إضافية.

لماذا يكتسب النحاس أهمية أكبر؟

يُعد النحاس أساسيًّا في التحول نحو الطاقة النظيفة وتقنيات المستقبل؛ إذ يدخل في كل ما يعتمد على الكهرباء، والمعدات الصناعية، والإلكترونيات، والمركبات، ومشروعات الطاقة المتجددة ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وتشير وكالة الطاقة الدولية في أحدث توقعاتها إلى أن الطلب العالمي على النحاس سيواصل النمو، مدفوعًا بالكهربنة وتوسع شبكات الكهرباء والتقنيات الجديدة.
وفي سيناريو السياسات المعلنة، يرتفع إجمالي الطلب العالمي من نحو 26.7 مليون طن في 2024 إلى أكثر من 31.3 مليون طن في 2030 ونحو 34.1 مليون طن في 2040.
وفي توقعات 2026، قدرت الوكالة أن فجوة إمدادات النحاس قد تستمر حتى 2035، رغم تحسن التوقعات مقارنة بالعام السابق، مع تقدير فجوة تقارب 25% في السيناريو الأساسي إذا استمر خط المشاريع المعلن.
وهذا يمنح الدول التي تمتلك موارد نحاسية وتعمل على تطويرها فرصة لتعزيز حضورها في سلسلة توريد المعدن، شريطة تحويل الموارد الجيولوجية إلى إنتاج اقتصادي مستدام.

خلاصة

يعيد الزخم الذي توليه عُمان لـلمعدن الأحمر صياغة دوره، ليس فقط كمادة للتصدير، وإنما كجزء من قاعدة إنتاجية تسعى السلطنة إلى تطويرها من خلال التوسع في الاستكشاف، وزيادة المعالجة المحلية، ورفع القيمة المضافة، والتحول إلى إنتاج اقتصادي مستدام، مع التطلع مستقبلًا إلى مراحل تصنيع أكثر تقدمًا، لا سيما مع تنامي الطلب العالمي على النحاس المرتبط بقطاعات الطاقة والكهرباء والتكنولوجيا الحديثة.

شارك هذا الخبر