مهرجان صُور انتصار الغناء على بنادق الصيادين

مهرجان صُور انتصار الغناء على بنادق الصيادين

عبدالله العريمي

المدرج الروماني في صور لبنان صيف ٢٠١٦

هل كان من القدرية أن أحمل في جيوبي سبعة آلاف عام تجسدها صُور عُمان لأقف في المدرج الروماني في صُور لبنان ويمهّد قراءتي الشعرية ذهبُ الآذان في أول لقاء بين صُور وبيني ..!؟ قلت حينها ممازحا لست أدري إن كانت هذه لعنة أم مباركة، غير أن السماء كريمة جدا لأنها جعلتني أقف في اللحظة الفاصلة بين السماوي والأرضي، ونثرتنا كلنا في المساحة الفاصلة بين الخيالي المستحيل والواقعي الممكن، تلك المساحة الأسطورية التي أسميناها في منتصف القرن الأول قبل الميلاد صُور، لتمتد في فردرسها الحاني حتى آخر المجد، وتدخل في تكوين كل أشياء الجمال، وتسكن بدايات كل حب.

شهد المدرج الروماني في مدينة صور لبنان صيف ٢٠١٦ تنظيمٓ مهرجانات صور الدولية  للشعر والفن كي يرفع لبنان لافتة انتصار الجمال على القبح المستشري في هذا العالم، وانتصار الفراشات على البنادق، وكي يٓشهد التاريخ أن لبنان لم يزل عصيا على الإنحناء في وجه أي محاولة لغرز شوكة في كعب حذائه، لقد توقفت مهرجانات صور الدولية بسبب الظروف الأمنية عام ٢٠١٠ ولكنها جاءت بعد خمس سنين لتثبت أن لبنان يقدم في كل مرة دليلا على أنه أجمل حصة فرح في تاريخ الإنسان.

لقد كان الوقوف على مسرح المدرج الروماني في صُور وقوفا على زجاج الكون وإنشاد الشعر على جزئيات الكون وتفاصيل جماله، وقد كانت الدقائق أكثر اتساعا من الكلمات، وحديث الشواهد التاريخية أشد بلاغة من كل الأساليب الشعرية وطرائق الشعراء، فقد كانت المرة الأولى التي أشعر فيها بارتبكاك القصيدة وخيانة الكلمات، الشعراء كلهم كانوا واقفين في حضرة صور كشعب من عصافير مبللة في ليل شتاء بارد، وحده الجنوب اللبناني الذي وقف ثابتا ومتزنا دون أن تهتز الأرض إلا تحت أقدام الشعراء، إنها لعبة المدن الجميلة التي تجعلك تعيش علو الوهم اللغوي وحين تصطدم بها تتأكد أن مساحة حنجرتك أضيق بكثير من عبور ما يمكن أن يقال لها ومنها.

من قال إن لبنان هو تلك الجغرافيا التي تبلغ مساحتها ١٠٤٥٢ كم مربع فهو كاذب،  لقد كان لبنان يمتد كسجادة صلاة حتى آخر الأرض، وكأن البلاد انحلت كلُّ عناصرها في امرأةٍ واحدة فكان لبنان.

إن الإحساس بالأشياء يغير حقائقها الحسية، فدمعة هربت من عين السيدة الفضلى رندا برّي خلال بعض ما مر من الشعراء يجعلها شعبا من نساء، وقتالها الجمالي المحض من أجل استمرار المهرجان هو أشرف أنواع القتال وأكثرها نبلا.

الأستاذ بلال شرارة بكل إنسانيته العالية وحبه الخالص الذي كان يرشها في كل مكان مدافعا بهما عن القصيدة ومنتصرا للشعر والذي بهما تخلّص من أبعاده البشرية ليكون كنزا لبنانيا يمنح الآخر الإحساس  أنه أكثر ثراء من أي وقت مضى.

الجنوبي الصافي الصديق الشاعر مهدي منصور الذي زادت به مساحات الجمال وأصبحت السماوات أنقى وأرحب والمهندس الفذ للشعر في مهرجانات صور الدولية.

تلك زوايا الإنتصار التي منحها لبنان تصريحا بالثبات الكلي على أرض الجمال الكلي، لكل واحد منهم صفاته ووجهته، وهم بدورهم منحوا العصافير حق الغناء بملء حريتها.

قبل السفر إلى لبنان كانت الطائرة لا تتجاوز معادلاتها الرياضية التي تحلق بها عشرات الآلاف من الأقدام، وبعد لبنان صارت حلما طازجا وبريق نبوّة.

شارك هذا الخبر