وصفة مجربة للنسيان!

كتبت سعدية مفرح عن تحول الخوف من الرحيل والغياب إلى تحرر داخلي، وعن النسيان بوصفه خزانة مهملة تصون الذكريات الثمينة من لصوص الزمن بلا شعور بالذنب.

وصفة مجربة للنسيان!
Atheer - أثير

وصفة مجربة للنسيان! 

سعدية مفرح

 

كنت أخاف من ضياعك، من سهوك ونسيانك ، ومن غيابك. وعندما ضعتَ وسهوت ونسيت ثم غبت، لم يعد يرعبني شيء! 

 

كنت أخاف رحيلك المفاجئ من كل العناوين المألوفة لنا، وكنت أظن أنني سأنتظر دقيقة واحدة فقط أمارس فيها القلق المتصاعد في زمن الدقيقة كله قبل أن يتوقف  قلبي إلى الأبد تحت وطأة الخوف لحظتها!

لكن هذا لم يحدث.. !

 

لقد كنت أراقبك بذهول العاجزين عندما حزمت حقائبك التي لا أعلم متى امتلأت بكل هذه الملابس وزجاجات العطور والحاجيات، وأغلقت كتابك قبل أن تكمل قراءة الفصل الأخير، لتعرف مصائر البشر الذين تكدسوا بين صفحات الفصول الأولى، وتجرعت فنجان قهوتك الساخنة دفعة واحدة كمن يتجرع دواء شديد المرارة بيآس من الشفاء، وابتسمت ابتسامة الخاسرين قبل أن تدير جسدك كله بحركة واحدة للاتجاه المعاكس.. وتمضي.

انتهى المشهد كله لكنني لم أمت، وبدلا من أن تتوقف دقات قلبي تضاعفت سرعتها لدقيقتين قبل أن تعود لطبيعتها وأعود لطبيعتي فأمسك بفنجان قهوتي الباردة أتلذذ بمذاقه اللذيذ وانتشي بسحر نكهته وأنا أتابع جهاد نملة تمشي على الطاولة مثقلة بحبة سكر! 

 

كنت أخاف أن أصحو فلا أجدك بدايةً للنهار وإشراقة للشمس. وعندما صحوت ولم أجدك لم أفكر كثيرا بالضوء الذي غمرني ولا بالشمس التي تسللت إلى مخابئ القلق السرية وبددته من حيث لا أدري. فلم أعد أشعر بالقلق ولم أعد أتذكر أسباب قلقي القديم! 

 

كنت أخاف أن يأتي الليل فلا أجد عينيك تغمزان لي بخفة بين أسطر الكتاب الذي يتثاءب بين يدي، ولا أسمع أغنياتك التي تتقاطع نغماتها المألوفة وألحانها المرتجلة مع نوبات السعال المزمن، لكن الليالي تتابعت كتاباً تلو كتاب من المقدمة إلى الفهرس، وبوعي من يستعد لامتحان ما كان النجاح فيه حليف سهري وصحوي في النهاية.

كنت أخاف وأخاف وأخاف، لكنني بفضل الخوف وحده تجاسرت على الانتظار، واستقويت بالكتابة والكلام  على الذاكرة واقتراحاتها السرية اللعينة التي انتهت صلاحيتها للاستهلاك الآدمي وترسبت السموم القاتلة على أطرافها! 

يحررنا الخوف أحياناً من الخوف نفسه. يحررنا من القيود الوهمية التي نجد أنفسنا أسرى لها من دون أن ندري أنها قيود من وهم، وأن خطوتين أو ثلاث باتجاهها كفيلة بكسر القيود غير الموجودة إلا في مخيلاتنا.

 

في النسيان وحده تكمن الأسرار الباقية إلى الأبد. 

 

ننسى بعض ذكرياتنا المفضلة وغير المفضلة إلى حد سواء، لا لأنها لا تهمنا، ولكن لأننا لا نريد أن نفقدها إلى الأبد. نحن فقط نحافظ عليها في خزانة مهملة اسمها النسيان، تماما كما نضع أشياءنا الثمينة أحيانا في أماكن مهملة ولا تلفت نظر أحد من اللصوص فلا يقتربون من تلك الأماكن لأنهم لا يتوقعون أنها تحتوي القيم والثمين من الأشياء. وهكذا نحافظ عليها بالإهمال!  

 

أنساك تماما.. بلا شعور بالذنب، ولا خوفاً من الفشل، ولا خشيةً من الألم. أنساك لأنني لا أريد أن أفقدك للأبد. أهملك كي أحافظ عليك من لصوص الزمن.. سيبحثون عنك ولن يجدوك لأنهم لن يتوقعوا أنك في الثغرات المهملة من ذاكرة القلب.. إلى الأبد! 

 

شارك هذا الخبر