الإبداع على طريق الألم

في يوليو 2015، رفضت الكاتبة اعتبار الألم سببًا حتميًا للإبداع أو طريقه الوحيد، مؤكدة أن الفرح قد ينتج إبداعًا وأن الظروف تعزز الموهبة أو تحبطها.

الإبداع على طريق الألم
Atheer - أثير

سعدية مفرح

 

ما سر الإبداع؟ 

 

لماذا يكون واحد من البشر مبدعا في إحدى المجالات المختلفة للإبداع ويحرم من هذه النعمة آخر؟ 

نظريات كثيرة وضعها مبدعون وباحثون حول الأمر لكن السر بقى مستفزا للمبدعين وغير المبدعين، ولو عرف ذلك السر وكيفية الوصول إليه لأصبح الجميع مبدعا ربما، فمن ذا الذي لا يتمنى أن ينضوي تحت تلك الخيمة الخاصة التي لا يحظى بظلها إلا القلة من البشر. 

 

مما قيل عن ذلك ربط الإبداع بالألم في علاقة وثيقة، فكثيرون فعلا يؤمنون بأن الإبداع ابن للألم والحرمان والوجع وربما الحاجة والفقر!  

 

أعادني سؤال صحفي  وجهته لي إحدى الصحفيات النابهات عن مقولة توفيق الحكيم الشهيرة؛ “لا شئ يجعلنا عظماء الا ألم عظيم”، إلى قضية لطالما نوقشت في هذا الإطار وهي علاقة الإبداع بالألم، على اعتبار أن الحكيم يقصد بالعظمة هنا عظمة الإبداع تحديدا.

 

قلت للصحفية في إجابتي على ذلك السؤال أنني أرفض المقولة وما تفضي إليه فليس كل الذين يعانون من الألم هم من العظماء،  ولا كل العظماء ينبغي عليهم أن يعانوا الآلام. 

 

الفرح أيضا يمكن أن ينتج إبداعا عظيما على سبيل المثال، ويمكن للشخصيات التي توصف بالعظمة أن تكون شخصيات فرحة بطبيعتها، فلا علاقة طردية، ولا عكسية بين الألم والإبداع، ذلك أن الموهبة وحدها هي المعيار الأول والأساسي. 

 

صحيح أن كثيرا من المبدعين عانوا في حياتهم كثيرا وعاشوا الألم بصور مختلفة وأنهم تغلبوا على ذلك الألم وحاولوا من خلال إبداعاتهم تحويله إلى وقود مستمر للمزيد من النجاح، وصحيح أيضا أن الكثير منهم انطلقوا من لحظات المعاناة الى آفاق الإبداع، وأن كل الأوجاع التي شعروا بهم في مرحلة من مراحل حياتهم سواء انتهت أم ما زالت مستمرة بقيت دائما أمام أعينهم تمدهم بالمزيد من الإرادة وتعزز قدراتهم الإبداعية، إلا أن الصحيح أيضا أن هذه المعاناة ليست هي الإبداع نفسه، وإن هذا الألم لم يكن هو سبب الإبداع ولا الطريق الوحيد إليه، وإن هذه الأوجاع ليست  الشرط الضروري الذي لا بد للمبدع أن يشعر به كي يستمر. أما ما عزز ذلك الارتباط الشرطي بين المبدع والمعاناة فهو بروز نماذج عديدة لمبدعين حقيقيين وموهوبين كانوا قد عانوا حقا في حيواتهم لكن هذا لم يمنعهم لاحقا من النجاح في تنمية مواهبهم وبلورة ابداعاتهم، مما جعل العامة يتخذون منهم صوراً مشتهاة للنجاح في أبسط صوره وأكثرها سذاجة! 

 

هل يجعلنا الألم العظيم عظماء فعلا كما يرى توفيق الحكيم استنادا، ربما على تجربته الخاصة، الذي تجاوز الألم العظيم ليكون واحدا من أهم الكتاب العرب؟ 

 

كثيرون ينشأون لأسر فقيرة يعانون شظف العيش وغيرهم ينشأون يتامى لا يجدون من يرعى طفولتهم البائسة ، لكنهم لا ينبغون بالضرورة ولا يبرزون كمبدعين كنتيجة حتمية، والعكس صحيح ، فهناك الكثير من المبدعين الذين تربوا في أسر ثرية وبظروف ممتازة، وهذا يعني أن الظروف الخارجية كلها لا تصنع مبدعا ولا تنفي تلك الصفة عن آخر، ذلك أن الإبداع صفة أصيلة في خلق الكائن البشري يتميز بها دون غيره من أشقائه الذين تربوا معه لنفس الأسرة والظروف. لكن هذا لا يمنع من الإشارة إلى الظروف الخارجية، السلبية والإيجابية معا، باعتبارها عناصر معززة أو محبطة  للموهوبين وللمبدعين، ولهذا لا ينبغي أن تكون شماعة للكسل، وحجة للموهوب كي يتراجع تحت وطأة ظرف ما عن مواصلة الطريق.

 

شارك هذا الخبر