أثير- محمد حسن
أول تماس لي مع شاعر الجنوب اللبناني محمد علي شمس الدين الذي كتب شعراً لوجه الجنوب المحروق بالنار والدموع ولحقول طفولته الأولى التي يطلع منها الضباب والشعر، وقد أحالها الفوسفور إلى رمادٍ بلا ألوان حاول الشاعر ملء شعره أن يكسوها ألوان صوره الشعرية، ويلقي التحية على دُخان القرى والأم التي نهته عن الموت إلاّ على صدرها، شارداً في أثر ذلك الغزال الضائع، يقول له العاشق " سلّم عمحبوبي “، كل هذه الصور لم تكن تماساً أولي بل كانت شرراً أحالني إلى هشيمٍ، أمام تلك النار التي تلهج بها لغة الشاعر وصدقيته العالية في التعبير عن أحاسيسه وقضيته بما يشبه السحر،” فتحس كأنك مسافر في الزمان. يكبر قلبك آلاف الأعوام في لحظةٍ واحدة، وتقرأ بدايات الطبيعة والإنسان، على رقعةٍ صغيرة من الماء حرّكتها نسمة عابرة. وحين تزيح خصلات الشعر المرتجفة على جبينك، فكأنك تزيح خصلات العمر، كما يحرّك الحاصد أغمار الحنطة، كأنك موضوع أمام بدايات الأشياء. كأنك موضوع أمام بكر العالم “. كما يعبر شاعرنا.
إنّ أهم ما يُعرّف به شاعرنا نفسه هو أنّه حُرّ، حر بالاختيار وحر بالتخلّي. ضم في سلوكه وشعره ثلاثة مستويات من معنى المقاومة: الأول الإقامة في الأرض. الثاني الهجرة من المكان للعودة إليه. الثالث: الإقامة في اللغة“، قبل أن يعلن الفتى الجميل اليأس من الوردة والرحيل في أيلول ٢٠٢٢ عن عمرٍ ناهز ثمانين عاماً، وبقيت كلمته التي يجرح بها جسد العالم ليعرف ما في داخله من أسرار ومعاني، رحل إلى الشمس المُرة: " تعبنا يا شهرزاد تعبنا، وركضنا طويلاً خلف أعمارنا، حتى انحدرت دمعتان من عنق الحصان، فماذا لنا، سوى أن نكتشف ثانيةً، أن هذا الخط الذي يبدأ في طرف الكف، لا ينتهي في أطراف الأصابع، وأننا شريدان مثل خطّي سكة الحديد في الزمان“.
بعد الرعشة الأولى، طلبت من صديقٍ في لبنان أن يرسل لي الأعمال الشعرية الكاملة لشاعرنا الجنوبي، وبعدما انتهيت من قراءة المجلد الأول وبدأت المجلد الثاني مع الديوان التاسع " منازل النرد " الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت عام ١٩٩٩، وقعت على قصيدتين بعنوان " قصيدتان على بحر مسقط " مؤرختان بتاريخ ١٠/٢/١٩٩٨ يبدو أن الشاعر كتبهما في زيارة له إلى سلطنة عمان من ذلك العام، القصيدة الأولى عن مسقط القديمة التي أسرت لبه بجمالها، أما الثانية عن بحر مسقط.
لا يوازي متعة قراءة النص الأصلي أي شيء آخر، إلا أني ألحقتُ بكل قصيدة تفسيراً في محاولة لالتقاط المعنى وسط هذه الرمزية العالية التي تعادل تتبع خيوط أشعة الشمس الأولى وسط ضباب الصباح والغيمات الشاردة من أعلى قمة جبل شمس في سلطنة عمان.
ترتيب شؤون المدينة
وحين يهبط الظلامُ
فوق “مسقط” القديمة
وتسكن البيوتُ
كالحمائم البيضاء في معاطف الجبالْ
يدور “سالم المجنون” حاملاً أقفاله
ليقفل البيوت خلف ساكنيها
ويمنع الأطفال من تسلل الأمواجِ في فراشهم
...
...
وحين يفتح الصباح جفنه
وتخرج الجبال
من ظلالها
ويطلق الغراب ناعقاً
نفيره الأخيرْ
يعود “سالم المجنونُ” كي
يحرر البيوت من عِقالها
ويطلق الرجال نحو البحر
...
...
وكان " سالم المجنونُ " مولجاً
برحلة الطيور في الفضاءْ
ورحلة الماعز في الشعابْ
وعن مسيل الماء في الأفلاج
والهواء في الشجرْ
وعن تحرّك الظلالْ
وحينما يثور بحرُ مسقط القديم
حتى يبلغ الجبال
يردّه بنظرةٍ إلى شواطئ الأمانْ
يرتّب الأسماك في الخليجِ
والبخور في اللبانْ
مسقط ١٠/٢/١٩٩٨
يصادق الشاعر في خياله حكيماً يحرس مسقط القديمة فحين يهبط الظلام تبدو المنازل البيضاء المميزة كحمائم بيضاء في بطن الجبال فيدور على البيوت يقفل الأبواب ليتأكد من حماتيها وحين ينهض الفجر على ساقيه وتنير الشمس الجبال يفتح أقفال البيوت ليخرج رجالها نحو البحر، ويبدو هذا البهلول معنياً بكل ما يتعلق بشؤون الناس والطبيعة من رحلة الطيور والماعز إلى الماء في الأفلاج والهواء والظلال، وتمتد سلطته إلى الأسماك في البحر كما يضبط الأمواج ويتحكم برائحة البخور في اللبان. يبدو من تراكيب الشاعر وأوصافه أنّ مسقط وقعت في قلبه من النظرة الأولى ولمس خيطاً سحرياً يربط كل تلك الصور برباطٍ خفي تتراقص على إيقاعه الصورة الجمالية للمكان فتفيض بها عباراته الزاهية وشعريته الموشاة بجمالية بكر يعبر عنها ضوء الفجر الأول ممزوجاً برائحة البخور الصاعد من لبان الجذر العماني.
(٢) بحر مسقط
يا بحر مسقط لو رددتَ سفينةً
لركبت نحوك مركبي من صورِ
ودخلت في الظلمات محتشداً بها
مثل احتشاد النـور في الديجـورِ
جسدي كألواح السفينة عائمٌ
ودمــي يخـطّ خرائـط المقــدورِ
يا بحر مسقط لا علَتْك سحابة
إن لـم تلِـنْ للمركـب المسـحـور
في موجتان على المياه وموجةٌ
في البحـر تحمـل طفلـة البخّـورِ
زوّجتُها شَغَفَ الغريبِ، وخوفَهُ
خـلف البحـارِ، ولوعـة المقهـورِ
مسقط ١٠/٢/١٩٩٨
لطالما كانت شواطئ عُمان الممتدة وحكايات بحرها المترامي مقصد الشعراء وسلواهم أمام أفقٍ، تمتد معه أحلامهم ونجواهم نحو البعيد المتخيل، ومن هنا صورة شاعرنا الذي جعل للبحر كياناً يملك وعياً وإرادة، يخاطبه كإنسان لو أعاد له سفينةً تُبحر في داخله أو فتح طريق الرجوع لركب إليه من صُور، وهنا يحار القارئ في أيهما يقصد الشاعر، صور العمانية أم صور اللبنانية التي ينحدر شاعرنا الجنوبي من قضاء بنت جبيل القريب منها في جنوب لبنان، مع الإشارة إلى وجود صلة قرابة بين المدينتين في التسمية والمنشأ على اعتبار أنهما أصل الفينيقيين ويشهد في ذلك الإرث البحري الكبير وصناعة السفن المتميزة والمتوارثة حتى وقتنا الحالي في صور العمانية التي تجعل صلة القرابة واضحة مع مدينة صور اللبنانية والتي كانت أهم المدن الفينيقية على الإطلاق وسيطرت على التجارة البحرية لعدة قرون، وكلمة صور في الفينيقية تعني الصخرة والتي تدل غالباً على الطبيعة الصخرية القاسية التي بنيت عليها المدينة والتي تتشابه في تضاريسها مع صُور العمانية، ثم يتابع الشاعر رحلته ممسكاً بالضوء وسط العتمة فهو رغم بواعث الخوف والغربة والمجهول يحدوه الأمل وتقويه إرادةٌ تعتمل في داخله وتمتزج بسفينة جذوته الداخلية وما تحمل من أسرار ولهفات، حتى يتحد جسده بتلك السفينة التي تمخر عباب البحر، ويصبح جسده مادةً لها ودمهُ رباناً يميز الجهات ويشق طريقه الممتلئ بالمصاعب والتجارب وسط العواصف الهوجاء، ومن ثم يستجدي الشاعر عظمة البحر ويطلب منه اللين والنظر في حال الشاعر المعذبة التي تتقاذفها أمواج المياه وموجةٌ في داخله أطلق عليها طفلة البخّور، وهذه الصورة مكثفة تحيل إلى عُمان والذاكرة والهوية والرائحة والبيت، والطفلة قد تكون حبيبة أو امرأة أو وطن أو براءة يبحث عنها الشاعر وسط تعقيدات الحياة المُعاشة، ومن ثم يقرن الشاعر بين طفلة البخور ونفسه الشغوفة عندما وصف نفسه بالغريب الذي يكتسي بالحنين والقلق واللهفة والخوف خلف أمواج البحار التي تركت في نفس الشاعر أبلغ الأثر.
هذا ما تصنعه القصيدة علاقة مركبة بين الإنسان والبحر والسفينة والوطن، فيعيش الشاعر تحولاته كلها من الضوء إلى السفينة باحثاً عن منارته النفسية الذي يكابد في سبيلها مشقة الخوف من المجهول وكأن البحر هو قدره الذي يحاوره بالتجربة والحنين والقلق ويشتعل في دمه قبسٌ من مسقط يضم الشاعر ويصبح فضاءه اللامتناهي نحو الحنين والعودة يعبر عنها بصوفية شعرية تمزج بين الذات والموضوع، وترى المعنى في كل موجود مهما انفصل وابتعد، فتربط عبقريته بين الأجزاء وتصوغ منها فضاء الخلاص، كشاعرنا يجلس على التراب يسمع ويرى، يسمع حفيف الأوراق وهمس الأكف وهي تلامس الثمرة.






