زحام الفراغ والصدى!

ينتقل المقال بين الألم وتشابك الطرق والعزلة وتبدل صورة الذات، ثم يقترح ترك التعقيد والابتعاد عنه قليلا لرؤية الأمور ببساطة وهدوء، وسط الفراغ والصدى.

زحام الفراغ والصدى!
Atheer - أثير

زحام الفراغ والصدى!

سعدية مفرح 

 

عندما تتكسر النصالُ على النصالِ في جسدك ولا تموت، بل تظل مبتسماً في وجه الطاعنين، اعرف إنك لم تعد بشراً سويّاً. اعرف أنك تحولت لكائن خرافي! ذلك أن البشر الحقيقيين المخلوقين من طين الأرض ومائها وملحها من الرهافة حتى أنهم ينكسرون وبسرعة لا تتوقعها حتى النصال!

عندما تتقاطع الطرق أمامك وتتشابك حتى لا يكاد يبين اتجاهك وأي الطرق ستختار ولن يكون بمقدورك معرفة نقطة النهاية التي سيقودك إليها هذا الطريق أو ذاك اعرف أن المشكلة ليست في هندسة الطرق ولا في اللافتات العبثية التي ترتفع على جوابها كألغاز مكتوبة بلغات مجهولة بل تكمن المشكلة فيك أنت لأنك لا تعرف ماذا تريد وإلى أين تتجه بالضبط. لو علمت لانبسطت الطرق أمامك ولالتمعت إشارة النهاية في آخر طريقك المختار بضوء يخطف الأبصار لتمضي إليه بخطوات واثقة لا تأبه كثيرا بطول المسافة ولا بوحشة الدرب ولا قلة الزاد.

عندما تجد نفسك وحيداً جداً وسط زحام العام، تتحدث فلا يسمعك أحد، وتسأل فلا تلقى إجابة أو رد. تبدأ جملتك ولا تنهيها فلا ينتبه من حولك ولن يسألك أن تكملها، تبكي بحرقة فتجف دموعك الغزيرة قبل أن تمتد يد لك بمنديل، وتبتسم فلا يشاركك الابتسامة من توسمت به المشاركة حيث تتنهى صدى ضحكتك في الفراغ البعيد ويرتد الصدى إليك بالخيبة والخسران.. عندما تكون هذا الشخص فاعلم أنك أنت وحدك العالم؛ بدايته ونهايته فلا تأبه بهم ذلك أن كل واحد منهم يرى أنه وحده العالم بدايته ومنتهاه.

عندما تصحو يوماً ما من نومك بلا نوايا مسبقة فتلقي نظرة على المرآة التي ودعتها بذات النظرة مساء البارحة لتكتشف أن هاتين العينين اللتين تطلان عليك من خلال زجاج المرآة لا يشبهان عينيك، وأن ابتسامتك تيدو مختلفة تماما عما تعرف ، فتتحسس بشرة وجهك لتفاجأ بملمس غريب، وتتلمس شعر رأسك فيدهشك أنه لم بعد شعرك، تحاول أن ترفع صوتك قليلاً بنغمة مرتجلة أو نحنحة مرتبكة فيخرج صوت غريب.. لا تجزع هذا أنت لولا أنك تغيرت كثيراً من دون أن تنتبه. العالم مشغول عنك وأنت مشغول عنه وعنك. ولم يبق لك سوى تلك المضغة النابضة في قفصك الصدري كخزانة للألم والمسرة!

عندما تعجز عن فهم الأمور المعقدة جداً التي عشت زمنا طويلاً وأنت تحاول تفكيكها اتركها. غادرها وحسب وستكتشف لاحقاً أنها لم تعد كذلك، وأنها بسيطة جدا لكن محاولاتك الدؤوبة في تفكيكها زادتها تعقيداً، وأنك عندما تركتها لوحدها وبلا تدخل ملحٍ منك وابتعدت قليلا عنها قد عادت إلى ما كانت عليه.. أنت لم تفعل شيئا سوى أنك غادرت الزاوية التي كنت تنظر إليها منها إلى زاوية أخرى وألقيت بصرك عليها وابتسمت بهدوء!

لا تقلق.. لقد خلقنا الله كلنا من تراب هذه الأرض. بدأنا به وسنعود إليه برغم كل هذا الزحام الثقيل حولنا. زحام الفراغ والصدى!

شارك هذا الخبر