أثير- جميلة العبري
حين يبحث المستثمر عن مناطق اقتصادية خاصة أو حرة، فإن ما يبحث عنه يتجاوز الأرض التي سيحصل عليها أو المشروع الذي سيقيمه عليها، إذ تتسع مجالات البحث لتشمل تخصيص الأرض، والترخيص، وحساب الضمان، والإعلان عن الوحدات وبيعها، وتسجيل جمعية الملاك، وصولًا إلى تعثر المشروع أو فرض جزاءات عليه. وهنا تأتي اللائحة التنفيذية لقانون المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، المنشورة في العدد الجديد من الجريدة الرسمية رقم 1666، لترسم مسارًا تفصيليًا للعلاقة بين المستثمر والمطور العقاري والجهة المنظمة.
وتبرز هذه العلاقة تحديدًا في الفصول السابع والثامن والتاسع، إذ يركز الفصل السابع على المزايا والحوافز والإعفاءات والتسهيلات، والفصل الثامن مخصص لمشروعات التطوير العقاري، ثم الفصل التاسع الخاص بالمخالفات والجزاءات الإدارية، لتضع أمام المطور معادلة تجمع بين الحوافز، وضوابط التمويل والبيع والتنفيذ والرقابة.
10 ملايين ريال تفتح باب “الموافقة الواحدة”
تعد المادة (37) المشروع استراتيجيًا، ويجوز منحه “الموافقة الواحدة” إذا لم تقل تكلفته الاستثمارية عن 10 ملايين ريال عُماني، وأسهم في نقل المعرفة والتقنية الحديثة، أو تعزيز المحتوى المحلي داخل سلطنة عُمان، أو تحقيق الاكتفاء الذاتي والأمن الاقتصادي، أو تنمية الصادرات، مع اشتراط دخوله ضمن المجالات الاستثمارية التي يحددها المجلس، كما يجوز استثناؤه من الحد الأدنى للتكلفة وفق طبيعته أو أهميته الاستراتيجية.
وتذهب المادة (39) إلى أبعد من ذلك، إذ تجيز، بقرار من مجلس الوزراء بناء على اقتراح مجلس إدارة الهيئة، إعفاء المشروع الاستراتيجي من القيمة الإيجارية أو مقابل حق الانتفاع بالأراضي والعقارات اللازمة له لمدة تصل إلى 10 أعوام من تاريخ التشغيل الفعلي، والاستثناء من نسب التعمين لمدة تصل إلى 4 أعوام، والإعفاء من جميع الرسوم أو بعضها.
وهنا يبرز سؤال، إلى أي مدى يمكن أن تصبح كلفة الأرض وحق الانتفاع عنصرًا حاسمًا في جدوى المشروعات الكبيرة إذا اقترنت بإعفاء قد يمتد عشر سنوات؟
العقار يدخل بقواعده الخاصة
ينتقل الفصل الثامن إلى شروط أكثر تحديدًا للمطور العقاري، إذ تشترط المادة (49) ألا تقل مساحة الأرض المخصصة للتطوير عن 10 آلاف متر مربع، مع إمكانية استثناء المشروعات المعززة للمحتوى المحلي، وأن تكون الأرض مخصصة للاستخدام السكني أو التجاري أو السكني التجاري أو السياحي.
كما يتعين إعداد تخطيط إجمالي للمشروع توافق عليه الهيئة، وتوافر الملاءة المالية، وتقديم اتفاقية حساب الضمان في الحالات التي تستوجبها اللائحة.
ويحتاج طالب الترخيص أيضًا إلى تقرير عن أغراض المشروع ووسائل تنفيذه، وإثبات الخبرة والكفاءة الفنية والملاءة المالية، وخطة الترويج أو الإعلان عن بيع الوحدات، فيما حددت اللائحة 15 يوم عمل للبت في طلب الترخيص بعد استيفاء البيانات والمستندات.
“حساب الضمان” وأموال المشترين
أكثر المواد اتصالًا بالمشتري تظهر في حساب الضمان، إذ تنص المادة (52) على:
“يجب على المطور العقاري فتح حساب ضمان باسم مشروع التطوير العقاري لدى أحد المصارف المرخص لها في سلطنة عُمان وإبرام اتفاقية حساب ضمان مع المصرف، إذا كان المشروع يتضمن بيع وحدات عقارية على المخطط أو تحصيل مبالغ من المشترين قبل إنجاز المشروع”.
وتربط اللائحة الصرف من الحساب بنسب الإنجاز الفعلي، وتحظر استخدام أمواله لتمويل مشروع آخر أو التزامات لا تتصل بالمشروع، كما تلزم المطور بالاحتفاظ بما لا يقل عن 5% من قيمة بيع كل وحدة لمدة عام من تاريخ تسجيلها للمالك، لضمان حسن التنفيذ وإصلاح العيوب.
أما الترويج للوحدات على المخطط، فيتطلب موافقة مسبقة، وفتح حساب الضمان، وتعيين استشاري ومقاول، وإيداع ما لا يقل عن 20% من التكلفة الإجمالية للمشروع، مع احتساب الأعمال المنجزة ضمن النسبة، فيما لا يجوز أن يتجاوز ما يصرف لأغراض الترويج والإعلان 3% من المبالغ المودعة.
وتعني نسبة الـ20% أن التسويق سيأتي بعد تحقيق الجاهزية المالية والتنفيذية.
التملك الحر والإقامة
تسمح اللائحة ببيع الوحدات العقارية لغير العُمانيين بنظام التملك الحر، بشرط اعتماد عرض الوحدات للبيع، وأن تكون ضمن مشروع يقرر المجلس بيع وحداته بهذا النظام، وألا تقل قيمة الوحدة عن حد أدنى يحدده المجلس، مع تحديد حد أقصى لعدد الوحدات التي يتملكها الشخص، ونسبة الوحدات التي يمكن أن يمتلكها أشخاص من جنسية واحدة.
ويتصل بذلك منح المستثمرين ومالكي الوحدات العقارية غير العُمانيين إقامة في سلطنة عُمان، شريطة وجود استثمار قائم أو تملك وحدة عقارية داخل مشروع تطوير عقاري في المنطقة طوال مدة الإقامة، إلى جانب التأمين الصحي واستيفاء أحكام قانون إقامة الأجانب، كما تمتد الإقامة وفق شروط محددة إلى الأزواج والأقارب من الدرجة الأولى.
لكن اللائحة لا تحدد قيمة الحد الأدنى للوحدة أو سقف عدد الوحدات ونسبة الجنسية الواحدة، وتترك ذلك لمجلس إدارة الهيئة، فكيف ستؤثر هذه الحدود عند صدورها في طبيعة المنتج العقاري المعروض؟
من البيع إلى ما بعد التسليم
تنظم اللائحة جمعية الملاك، وتبدأ العضوية فيها من تاريخ صدور سند ملكية الوحدة، كما تشترط في المشاريع التي تضم 50 وحدة فأكثر وجود مجلس إدارة تنتخبه الجمعية العمومية.
وتنظم أيضًا “المجمع السكني المغلق”، مشترطة اعتماد مخططاته بهذه الصفة، وإحاطته بسياج أو سور، ووجود مداخل ومخارج محددة، ومرافق وخدمات مشتركة لمالكي الوحدات.
وتفرض المادة (69) على المطور تسليم المالك المستندات والتصاميم المتعلقة بالوحدة، وتقديم تقارير كل ثلاثة أشهر عن سير المشروع وبيع الوحدات، والحصول على موافقة قبل تعديل الخطط أو بدء الترويج، وإبلاغ الجهة المختصة بأي سبب قد يؤدي إلى تأخير المشروع أو تعثره.
وإذا تعثر المشروع، فعلى المطور تقديم تقرير خلال 30 يومًا يوضح الأسباب، لتدرس الهيئة المعالجة المناسبة لاستكمال التنفيذ أو إحالة الموضوع إلى المحكمة المختصة.
المستثمر لا يقرأ لائحة واحدة
تفتح المادة (71) زاوية أخرى مهمة، إذ تنص على أن “تسري على مشروعات التطوير العقاري، فيما لم يرد بشأنه نص خاص في هذه اللائحة، أحكام قانون التنظيم العقاري الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 2025/79، بما لا يتعارض مع أحكام القانون وهذه اللائحة”.
أي أن المستثمر لا يتعامل مع هذه اللائحة بمعزل عن تشريعات أخرى، فهناك قانون التنظيم العقاري، وقانون إقامة الأجانب ولائحته التنفيذية، وقانون ضريبة الدخل فيما يتعلق بالإعفاءات.
وهنا تبرز أسئلة مهمة، كيف سيتعامل المطور مع تعدد الأطر التشريعية للمشروع الواحد؟ وأي نص يكون المرجع عند تقاطعها؟ وهل تحتاج المشروعات إلى دليل موحد يوضح للمطور والمشتري هذه العلاقة منذ البداية؟
حوافز وجزاءات تصل إلى 50 ألف ريال
وفي مقابل الحوافز، يجيز الفصل التاسع فرض جزاءات تبدأ بالإنذار، وتصل إلى غرامة إدارية لا تزيد على 50 ألف ريال عُماني عن كل مخالفة، وتتضاعف عند تكرارها، إضافة إلى وقف الترخيص أو إلغائه، وفسخ عقد الإيجار أو الانتفاع، وإلغاء الموافقات والتصاريح، والحرمان المؤقت من الاستثمار في المنطقة لمدة تصل إلى ثلاثة أعوام.
وبين إعفاء قد يمتد عشر سنوات، وحساب ضمان يحكم أموال المشروع، وإقامة مرتبطة بالاستثمار أو ملكية الوحدة، وجزاءات مشددة، تضع اللائحة أمام المطور مساحة أوسع للاستثمار يقابلها مستوى أعلى من المسؤولية، فهل ستنجح هذه المنظومة في تحقيق التوازن بين سرعة الاستثمار وحماية المشتري واستدامة المشروع العقاري؟





