“وفيك انطوى العالم الأكبر”!

“وفيك انطوى العالم الأكبر”!
Atheer - أثير

وفيك انطوى العالم الأكبر”! 

وفيك انطوى العالم الأكبر”! 

سعدية مفرح

 

منذ ٢٠٠٩ ووكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” تنتظر البشرى من مسبارها الذي أطلقته في ذلك العالم ليبحث لها عن كوكب شبيه بأرضنا ويمكنه أن يتحمل البشر كما تحملتهم الأرض، ملايين السنين حتى الآن. وقبل أيام زفت ناسا خبرها السعيد لأهل الأرض جميعا؛ أبشروا .. لقد وجدناه أخيراً.

كوكب يقع خارج سلسلة المجموعة الشمسية بحجم الأرض ويمكن للمياه أن توجد فيه بشكل سائل مما يجعل الحياة فيه ممكنة مبدئياً، أي أن هذا الكوكب المكتشف يمكنه أن يتحملكم كما تحملتكم الأرض بكل صبر على ما اقترفتموه بحقها وبحق الكائنات الأخرى التي تشارككم السكنى، وبحق أنفسكم عمراً بعد عمر وجيلاً بعد جيل.

 

وماذا بعد يا “ناسا”؟

 

يبلغ عمر الكوكب الجديد ما يقرب من ستة مليارات سنة أي أنه أكبر عمرا من أرضنا كما أنه أكبر منها حجما أيضا ولا يبعد عنا سوى 1400 سنة ضوئية!  فقط؟! هذا يعني أن من ينوي الهجرة إليه سيحتاج إلى ست وعشرين سنة مما نعد ونحصى من سنوات زمننا الذي نعرفه وحسب بالإضافة إلى وسيلة نقل مناسبة تستطيع أن تقطع هذه المسافة بهذا الزمن، حتى يصل إليه في النهاية بسلام.!

من الواضح تماما أن كائناً بشرياً، لو رغب فرضاً،  لن يستطيع الوصول إليه أبداً في حسابات العلم والبشر المتوفرة لدينا حتى الآن، على أن حسابات خالق الأكوان أبعد مما ندرك ونتخيل ونتأمل. ولذلك فستظل حتى أحلامنا وخيالاتنا تجري تحت سقف الإدراك والخيال البشريين، وتحت هذا السقف تبدو مهمة الهجرة الى الكوكب الجديد مستحيلة، رغم أن الفكرة مغرية للخيال كي يخترع وسيلته الخاصة فيصل إلى هناك من دون الاستعانة بحسابات البشر التقليدية ولا منطق العلم بحساباته الدقيقة. 

 

 إنه خيار فلسفي خالص وربما إبداعي محض وحسب، يتيح للأرض أخيرا أن تجد من يشاركها هذه الأعباء الثقيلة التي وضعها على كاهلها بنو الإنسان منذ أن وجدوا عليها بإرثهم المثقل بمعصية أبيهم الأول والتي توالدت بعد ذلك معاص ومآس كثيرة ما بين الأرض والسماء حتى ضاقت عليهم بما رحبت بيابستها ومائها وهي ترى استهتارهم وعبثهم بكل ما توفر لهم فيها وبفرادتهم المقدسة كخلفاء لله عليها. 

 

هل سيهاجر الانسان فعلا باتجاه المجهول خارج المجموعة الشمسية لو أتيح له ذلك بفارق النظريات والحسابات؟

هل سيبدأ من جديد بظروف جديدة بعد خبرة في الحياة امتدت لملايين السنين وفقا لحقائق التاريخ ونظريات الميثولوجيا والعقائد الايمانية الراسخة في الدين وفي الأساطير على حد سواء؟

هل سيترك خلفه كل ما تعلمه وما تدرب عليه وما وجد نفسه أسيرة لمنطقه وتعاليمه ليحاول أن يتعلم ويتدرب ويجد بل ويخترع ما لم يعرف؟

 

هل سيجرب أن يعيش متخففاً من آثامه الموروثة والمكتسبة وما تراكم في تاريخه الطويل من معارف ومعايير أخلاقية متحولة ومتغيرة عبر التاريخ وعبر الجغرافيا أيضا ليصل إلى مهبط كينونته الجديدة كائنا بلا تاريخ ولا جغرافيا ولا إرث ولا تجربة، فلا يكون أمامه سوى أن ينظر لمحض الفكرة الإنسانية الني وجد من أجلها في هذا الوجود.. بكل حرية وتجرد وإخلاص وشفافية؟  

أم سيحلو له تكرار تجربته الأرضية منذ البداية حتى النهاية… ولا نهاية يقينية أبداً؟

هل سيبدأ أم سيتكرر أم سيتابع ويكمل مسيرته الناقصة دوماً وبالضرورة؟

إنها بضعة أسئلة الوجود ربما يضطر الإنسان اليوم أو غدا أو بعد مليارات السنين مما نعد ونحصي ومما لا نستطيع عده وإحصاءه لمواجهته فيدرك كم هو “جرم صغير.. وفيه انطوى العالم الأكبر”! 

 

شارك هذا الخبر