مدادبين السما والأرض
تروي سعدية مفرح تجربة توقف المصعد بها لثوان وهي في طريقها إلى عيادة الأسنان، ثم تصلها بفيلم «بين السما والأرض» وتأملاته في انكشاف الإنسان أمام الموت.
بين السما والأرض..!
سعدية مفرح
لثوان قليلة فقط وجدتني محبوسة في غرفة حديدية صغيرة مغلقة علي وحدي ومعلقة بين السماء والأرض، حيث توقفت بلا حراك بدلا من أن تنقلني من الدور الأرضي إلى الدور الرابع في ذلك المبنى المتعدد الطوابق!
كنت وحدي في المصعد عندما تعطل فجأة، أو لعلي تخيلت أنه تعطل، وبدلاً من أن يرتعد قلبي خوفاً تدفقت افكاري بسرعة هائلة، ووجدتني أفكر بحياتي كلها حيث مرت أحداثها كشريط سينمائي فائق السرعة ولا أدري كيف كنت أتابعه بتلك السرعة وأنا مغمضة العينين واقفة بلا حراك في وسط المصعد تماماً.
لم أسارع لطلب المعونة ولم أدق الباب ولا رفعت صوتي كما يحدث عادة في مثل هذه الأحوال، بل استسلمت لقدري الذي سينهي تجربتي في هذه الحياة وسط هذا المصعد في طريقي إلى عيادة الأسنان، كما توقعت وأنا أتابع شريط حياتي المتتابع أمام عيني المغمضتين بثانية أو ثانيتين.
لا أدري من أين نزلت علي تلك السكينة الغريبة فجأة، ولا كيف ران حولي ذلك الصمت الرهيب. اختفت أصوات أطفال كنت قد رأيتهم يلعبون كرة قدم في ساحة العمارة، ولم يعد يتناهى إلى سمعي صوت التلفزيون المعلق في المدخل أمام مكتب الاستقبال بحوارات ممثلي المسلسل التركي.
عندما انتهيت من التلفظ بالشهادتين بصوت عال، بعد أن فتحت عيني، وهممت بدس يدي في حقيبتي المعلقة على كتفي بحثاً عن الموبايل، تحرك المصعد فجأة إلى الأسفل ثم انتفض مرة واحدة وبدأ في الصعود إلى حيث الطابق الذي تقع فيه عيادة الأسنان!
وصلت بامان فانسحبت ضلفتي الباب الحديدي الثقيل أمامي وخرجت بهدوء. كان هناك سيدتان شابتان ورجل مسن يقفون بانتظار أن ينفتح الباب ويدخلون. ترددت قليلا قبل ان أخبرهم أن المصعد ليس على ما يرام. خشيت أن يحدث شيء لاحقاً فأشعر بالندم إن لم أحذرهم لذلك فعلت وتركت قرارهم لهم. عبرت إحدى السيدتين الباب وضغطت على زر الطابق الذي تريد الوصول إليه من دون أن تنطق بكلمة واحدة ومن دون أن تتبدل ملامح وجهها الجامدة أصلا، في حين فضلت السيدة الأخرى والرجل المسن أن يتجها إلى السلم القريب وسط دمدمات وهمهمات لم أتبينها تماما.
أحاول أن أتذكر الآن، ذلك الشريط المكتنز بعدد لا نهائي من المشاهد التي رأيتها في ثوان قليلة أثناء تعطل المصعد، لكنني أفشل. أحاول أن أرصد أي مشاهد حياتي هي الأهم حتى أنها كانت بداية ذلك الفيلم المرعب بموسيقاه الجنائزية وأي المشاهد اسقطتها من لحظاتي الاخيرة رغم أهميتها في حياتي، لكن لا فائدة. اللحظات الأخيرة منذورة لوقتها وحسب. ووقت فات أو أنه لم يحن بعد! احترق الفيلم واختفت المشاهد وانتهت اللحظات المزدحمة بكل ما عشته سابقا. وبدلا من الاستمرار في محاولة التذكر استحضر الآن فيلما مصريا قديما ظل لسنوات طويلة أحد أجمل الأفلام العربية بالنسبة لي.
كتب قصة فيلم “بين السما والأرض” نجيب محفوظ وصوره المخرج صلاح أبو سيف في نهاية خمسينيات القرن المنصرم، لكنه عرض بعد ذلك مرات عديدة في التلفزيونات حتى تحول الى واحد من كلاسيكيات السينما المصرية. كان الفيلم يحكي قصة مجموعة متنوعة من ناس القاهرة في ذلك الوقت وقد حشروا في مصعد تعطل بيهم لمدة ساعة كاملة كانت كافية لأن تكشف عن كل منهم قناعه الخاص وتظهره على حقيقتها ليواجه بها الآخرين حوله وحسب بل ليواجه نفسه أولاً. انتهت الساعة وانفتح باب المصعد وخرج الجميع بشخصياتهم الجديدة بعد أن كانوا في حضرة الموت وحده عراة إلا من الحقيقة.
وانتهى الفيلم الذي صور معظمه بعبقرية مذهلة في ذلك المكان الشديد الضيق والازدحام، قبل أن نعرف إن كان أبطاله قد عادوا إلى حياتهم السابقة وذابوا في نهر الحياة من جديد أم أنهم سبحوا ضد التيار القديم. أما أنا فلا أظن أنني سأنسى تلك اللحظات القاتلة بالنسبة لي وحتى وأنا أعود من العيادة إلى الطابق الإرضي بذات المصعد وإن بمشاهد أخرى لفيلم سينمائي ممتع.. ومخيف!