“الإنسان أولًا”: ماذا رأى المؤثرون في سلطنة عُمان؟

عن الكاتب

جميلة العبري
جميلة العبري

محرر وكاتب صحفي

“الإنسان أولًا”: ماذا رأى المؤثرون في سلطنة عُمان؟
ماذا رأى المؤثرون في سلطنة عُمان
مسقط-أثير
متابعة-جميلة العبري
قد يدخل الزائر إلى مركز التجربة والمبيعات باحثًا عن مشروع سكني أو مخطط لمدينة جديدة، ثم يخرج وهو يتحدث عن أشياء أخرى تمامًا فمثلا يتحدث عن الناس، والهدوء، والجبال، والمساحات الخضراء، والتعليم، وإمكانية المشي، والطريقة التي يمكن أن يعيش بها الإنسان داخل المدينة.
هذا تقريبًا ما تكشفه شهادات عدد من الزوار والمؤثرين الذين التقت بهم “أثير”، ومن بينهم المؤثر البريطاني كريس كونر، الذي أمضى -وفق حديثه- نحو ستة أشهر في سلطنة عُمان عبر زيارتين، متنقلًا بين صلالة والعاصمة مسقط، حيث لم تكن تجربته مرتبطة بشكل المباني أو فخامة الوحدات العقارية، وإنما بإحساس يصعب قياسه بالمتر المربع التي اختزلت في كلمة واحدة “السكينة”.
واعتبر كريس سلطنة عُمان مختلفة بكل تأكيد، مشيرًا إلى إن الناس فيها رائعون ولطفاء، فيما رأت سيرا إحدى المؤثرات من المملكة المتحدة أن ما شاهدته في المشروعات العمرانية الجديدة يعكس اهتمامًا بالتعليم واحتياجات المدينة والإنسان، وهو ما دفعها إلى القول إن الانطباع الذي خرجت به هو أن الدولة تبدو “مهتمة بالناس أكثر من الأموال التي ستجنيها من التطوير العمراني”.

ما الذي يراه الزائر ولا ننتبه إليه؟

حين يعيش الإنسان في المكان لسنوات، تصبح تفاصيله اليومية مألوفة، أما الزائر فيلتقط أحيانًا ما أصبح بالنسبة إلى السكان جزءًا طبيعيًا من المشهد. في حديث المؤثرين الذين التقت بهم “أثير”، تكررت مفردات الهدوء واللطف والخصوصية والطبيعة والجبال والمساحات المفتوحة؛ وهي مفردات تبدو بعيدة عن لغة التطوير العقاري التقليدية التي تدور حول السعر والمساحة والعائد.
وتظهر هنا قيمة مختلفة للعقار: كيف تشعر عندما تعيش فيه؟
تأتي هذه الانطباعات في وقت حققت فيه سلطنة عُمان المركز الرابع عالميًا والأول عربيًا في مؤشر جودة الحياة الصادر عن منصة Numbeo لمنتصف عام 2026، مسجلة 207.6 نقاط، ويقيس المؤشر مجموعة من عناصر الحياة اليومية، من بينها الأمان والقدرة الشرائية والرعاية الصحية وتكلفة المعيشة وأسعار العقارات مقارنة بالدخل وزمن التنقل والتلوث والمناخ، ورغم أن المؤشر يعتمد بدرجة كبيرة على بيانات يسهم بها المستخدمون ولا يمثل تصنيفًا حكوميًا رسميًا شاملًا، فإن ترتيبه يضع ما وصفه الزوار بـ“السكينة” في سياق أوسع؛ فالشعور بالراحة والأمان وسهولة الحياة اليومية يمكن أن يتحول من انطباع شخصي إلى جزء من صورة جودة الحياة في المكان.
كما تتقاطع هذه الفكرة مع التوجه العالمي الذي ينظر إلى الحدائق والفراغات العامة وشبكات المشاة باعتبارها عناصر مرتبطة بالصحة وجودة الحياة؛ فالسكينة قد تكون أيضًا نتيجة تخطيطية، تضم حديقة قريبة، وشارع أقل ضوضاء، وظل يسمح بالمشي، وخدمات لا تتطلب رحلة طويلة.

لماذا جذبت “الثريا” انتباههم؟

من المشروعات التي لفتت انتباه المتحدثين مدينة الثريا في العذيبة، وهي مشروع مستقل عن مدينة السلطان هيثم، يقع على هضبة جبلية ترتفع نحو 200 متر، ويقوم تصميمه على الفراغات العامة والأسواق المفتوحة والإطلالات على البحر والجبال، مع إعطاء الأولوية للمشاة وتوفير ممرات مظللة.
ولذلك تبدو ملاحظة سيرا إحدى الزائرات بأن المشروع “يجمع عناصر الطبيعة والجانب السكني وكأنهما مساحة واحدة” قراءة لفلسفة المكان أكثر من كونها انبهارًا بصريًا.
فالجبال هنا لا تؤدي دور الخلفية فقط، والبحر ليس إطلالة تسويقية، والفراغ العام ليس مساحة متبقية بعد البناء؛ وإنما تدخل جميعها في تشكيل تجربة السكن.
وهذا يفتح زاوية عقارية مختلفة تتمثل في (ربما لا يبحث مشتري المستقبل دائمًا عن مساحة أكبر داخل المسكن، بقدر ما يبحث عن جودة أكبر للمكان المحيط به).

مدينة السلطان هيثم.. حين تدخل المدرسة والحديقة في قرار السكن

وفي مدينة السلطان هيثم تتضح الفكرة بصورة أكبر؛ فالمدينة مخططة على مساحة 14.8 كيلومترًا مربعًا، وبنحو 20 ألف وحدة سكنية لاستيعاب قرابة 100 ألف نسمة، مع نحو 2.9 مليون متر مربع من المساحات الخضراء.
وتقوم فلسفتها على أحياء قابلة للمشي، وشوارع تراعي الظروف المناخية، ومساحات عامة وحدائق، إلى جانب توزيع المدارس والخدمات اليومية داخل الأحياء.
وهنا يمكن فهم توقف المؤثرة البريطانية عند التعليم؛ فالمدينة لا تُختبر في الصور الجوية الجميلة، وإنما عندما تستيقظ الأسرة صباحًا لن تتعب نفسها بأسئلة الروتين اليومي الحالي: كم تستغرق رحلة الطفل إلى المدرسة؟ هل يستطيع السير إليها؟ أين يلعب؟ وكم تبعد الحديقة والخدمات؟
هذه التفاصيل هي التي تفصل بين مشروع يبيع وحدات سكنية ومدينة تحاول صناعة حياة يومية.

كريس يمشي في حرّ مسقط

وربما كانت إحدى أكثر الملاحظات العفوية لكريس والأكثر أهمية تخطيطيًا، فهو لا يقود مركبة، ويقول إن العُمانيين كانوا ينصحونه مازحين: “يا كريس، يجب أن تتوقف عن المشي في هذا الحر!”
وراء الطرافة معضلة حضرية حقيقية؛ فالمدينة القابلة للمشي في مناخ مثل مسقط لا تتحقق بوضع رصيف فقط، السؤال هو: هل هو مظلل؟ هل يصل إلى وجهة حقيقية؟ وهل يمكن استخدامه خلال أشهر الصيف؟
ويفسر ذلك تطلع كريس إلى وسائل النقل العام الأكثر سهولة، فيما يضع مخطط مسقط الكبرى النقل متعدد الوسائط والمترو والتنقل النشط ضمن رؤيته المستقبلية.

هل تصبح السكينة ميزة لعُمان؟

يمكن بناء أبراج متشابهة في دول عديدة، واستيراد التقنيات نفسها، وتصميم الحدائق وفق المعايير ذاتها؛ لكن يصعب استنساخ العلاقة بين الجبل والبحر وطبيعة المجتمع والإيقاع الهادئ للحياة.
وهنا قد تكمن فرصة المدن العُمانية الجديدة في تحوّل الخصائص الموجودة أصلًا في البلاد إلى هوية عمرانية قابلة للعيش.
لكن الاختبار الحقيقي ألا تصبح هذه “السكينة” امتيازًا محصورًا في الفلل والمجمعات مرتفعة السعر؛ وإنما أن يجدها أيضًا ساكن الشقة، والطفل في طريقه إلى المدرسة، وكبير السن في الحديقة، والأسرة التي تصل إلى خدماتها دون رحلة طويلة.
فإذا نجحت المدن المستقبلية في ذلك، فلن يكون السؤال كم وحدة عقارية بُنيت أو كم ريالًا استُثمر، وإنما هل أصبح الإنسان أكثر راحة؟ وهل سيجد في مدينته السكينة نفسها التي التقطها كريس والزوار في عُمان؟

شارك هذا الخبر