مدادحلا.. سيدة الموقف!
قدمت سعدية مفرح عام 2015 قراءة في كتاب «سيدة الموقف» الصادر عام 2011، متتبعة حرية نصوص حلا الدعاس ونبرتها الساخرة ولحظاتها الشعرية القائمة على المفاجأة.
حلا.. سيدة الموقف!
سعدية مفرح
تفتتح الكاتبة الكويتية الشابة حلا الدعاس كتابها “سيدة الموقف” بموقف مهيب لغوستاف لوبون يقول فيه؛ “عندما أكون الأضعف، أطلب منكم الحرية، لأن هذا مبدؤكم، وعندما أكون الأقوى أنتزعها، لأن هذا مبدئي”! .
وبعد هذا الموقف تنثال نصوص حلا ذات النفس القصير والأبعاد المغوية بتلقائية الشعراء وتخطيط القصاصين والروائين من دون أن تتورط بتصنيف نصوص كتابها قصائد شعرية أم قصصا قصيرة، وحسنا فعلت.
كنت دائما ضد التصنيف في رحابة الإبداع الكتابي وأي إبداع، وأبالغ أحيانا فأعتبر ذلك النوع من التصنيف الذي يمهر المؤلفين في توقيعه على أغلفة كتبهم الجديدة نوعا من الوصاية على القارئ وتمهيدا مغرضا لطريقته في تلقي النص المكتوب. ولطالما تمنيت لو أنني أستطيع الكتابة بعيدا جدا عن كل الإطارات التصنيفية الجاهزة سلفاً، بعيدا عن الترصيات والتسميات والتعريفات والاشتراطات والالتزامات وقريبا جدا من الصور والمعاني والموسيقى والجمال كما أراه وكما أستطيع أن أعبر عنه بكلماتي. هل فعلت ذلك حتى الآن؟ أم أنني ما زلت أعيش طور التمني وحسب؟ لا أدري، انشغالا بالكتابة وحدها .. ولعلي!
في كتابها تنحو حلا الدعاس، بشجاعة ووعي لافت، ذلك المنحى الحر في الكتابة بلا قلق. تقول في واحد من نصوص الكتاب المبنية على أساس تراكمي دقيق:
“بدايتي..
يومٌ يسدل فيه الستار على أزمنتكم،
لأكون تكونون كالذي مرّ على قرية وهي خاوية
على أصحابها..
نهايتي..
يومٌ تغفو فيه عيوني بين ملفات الأرشيف
لتكونوا أنتم على المنصة..”!
وتجتهد حلا كثيرا في العناية بنصوصها ذات النبرة الخافتة على استطلاع النفس البشرية بمجسات الشعر والموسيقى، وتتخذ من شخوص الإبداع مادة للكتابة الساخرة وكأنها تكشف عن أسرارهم وخفاياهم وحيلهم القميئة التي ارتفعت بهم درجات فوق الآخرين في غفلة منهم. ومن الواضح تماما أنها ستتميز بتلك الكتابة الإبداعية الساخرة لو أنها اهتمت بتنمية ذلك الجانب المثير في تجربتها الكتابية التي لم ألحظ ما يشبهها أو يقترب منها في كل ما قرأت من تجارب الكتاب والشعراء الشباب.
ملمح آخر يمكن أن يلمحه متلقي نصوص حلا الدعاس بإعجاب كبير وهو تلك اللحظات الشعرية المتكئة على عنصر المفاجئة من دون الإستغراق فيها بشكل مفتعل، وفي نص عنوانه “عودة” توجز نظريتها في العودة على هذا النحو؛
“عدت إلى الوراء قليلا
أنبش عن تلك اللحظات البراقة،
فشعرت بوخز في ظهري..
ازددت ميلا إلى الوراء وكلي أمل..
انكسر ظهري!”.
وبالرغم من أن بعض النصوص تحتاج إلى المزيد من العناية والمراجعة إلا أن هذا لا يمنع من الإشادة بجرأة الشاعرة والكاتبة في التنقل برشاقة بين أساليب شعرية وسردية عديدة في الكتاب من دون أن تقع في مغبة الارتباك أو عدم التناسق، فقدت بدت كل نصوص الكتاب المتنوعة تسير وفق نظام هارموني سهّل على القارئ أن يمضي من النص الأول إلى النص الأخير في الكتاب بسلاسة ومرح ومن دون شعور بأنه انتهى من القراءة.
صدر كتاب “سيدة الموقف” لحلا الدعاس عن دار مسعى للنشر والتوزيع في العام ٢٠١١م ، ولا أدري إن كان قدر صدر لها بعده شيئا، لكنني بانتظار جديدها بلهفة على كل حال!