عَدٌّ تنازُليّ

يبني حسن المطروشي قصيدته على عد تنازلي عبر مراحل العمر، مستعيدا الطفل والفتى والفارس والرجل الأشيب، حتى يصل في عام النص إلى كهل سقيم فوق السرير.

عَدٌّ تنازُليّ
Atheer - أثير

عَدٌّ تنازُليّ
حسن المطروشي


 

قَبْل خمسين عاماً مَضَتْ
كان يدْرُجُ فوق السريرِ
وليدٌ جميلٌ
بعينينِ صافيتيينِ
وتلتمعانِ
كماءِ البحيراتِ،
ضحْكَتُه كخريرِ الينابيعِ،
تُرْضِعُه الكائناتُ حليبَ أنوثَتِها،
ويُظَلِّلُه النخلُ مثل إلهٍ صغيرْ





قَبْلَ ما يَقْربُ الأربعينَ
يضُمُّ السريرُ فتى يافعاً،
يَقْطَعُ الأرضَ خَلْفَ فراشِ الحقولِ،
ويَحْلُمُ كالفاتحينَ:
سأحْمِلُ في قبضتي رايةَ النصرِ،
أَفْتَحُ هذي الممالكَ طولاً وعرضاً،
سأسْحَقُ أسوارَها بالمجانقِ،
أجْلبُ أحلى السبايا إلى مخدعي،
وسيظهرُ مجدي،
وحين أمُرُّ تصيحُ الخليقةُ:
عاشَ الأميرْ






قَبْلَ نحْوِ ثلاثين عاماً
يُطِلُّ المساءُ
على فارسٍ يتمدَّدُ مِلءَ السريرِ،
يداعبُ سيدةً حُلْوةً
مثل تفاحةٍ
سقَطَتْ مِنْ غُصونِ الأساطيرِ،
يقْتَسِمانِ لذيذَ السكونِ،
ويقْتّرِحانِ الأسامي لِنَسْلِهما:
ـــ سَأُسَمِّي بُنَيَّتَنا “وردةً”.
ـــ سَأُسَمِّي ابْنَنا “عُمًراً”.
:: وسنهرُبُ مِنْ دمِنا كي نطيرْ






قَبْلَ عشرين عاماً،
يُطِلُّ الصباحُ على
رَجُلٍ سادرٍ في الحنينِ،
بدا عابساً،
يتأفَّفُ فوق السريرِ،
ويرْكلُ أشياءه في الجهاتِ،
كَمَنْ يَتَرَجَّلُ مِنْ عَرَباتِ الجنودِ،
ويَصْرخُ في ضجرٍ:
ـــ لكأني بَلَغْت عنانَ السدى،
لكأني الوحيدُ الأخيرْ.






قَبْلَ عَشْرِ سنينٍ،
وفوق السريرِ العتيقِ،
يئنُّ هنا رجلٌ أشيبٌ،
يتململُ مثل الشراعِ
بلا حاجبينِ،
يشُمُّ الفِراشَ
كذئبٍ عجوزٍ،
ويرْقُبُ أنثاه مُنْكَسِراً،
يسْتَديرُ إلى جهةِ الغيبِ،
يُطْبِقُ جَفْنَيهِ
منكسراً خائباً وحسيرْ






يَدْخُلُ العامُ هذا،
وفوق السريرِ المُخاتلِ
يجْأرُ كهلٌ سقيمٌ،
ويسْعَلُ مُنْتَحِباً طيلةَ الليلِ،
يحْضنُ كَرْشاً تدلَّتْ
كحوتٍ قضى نافِقاً،
ومصابيحُ غُرْفتِهِ كالعوانسِ
غارقةٌ في التثاؤبِ والهذيانِ،
ونافذةٌ حَوْلَه تتصدَّعُ قُضْبانُها
مِنْ دَوِيِّ الشخيرْ!






 

شارك هذا الخبر