حفيد الجنّ
سيرة كائن يطعن الغبار بحدّ الرهافة
محمد الهادي الجزيري
أهمّ بالكتابة عن ” حفيد الجنّ ” وأكاد أكفّ عن حماقتي والاكتفاء بانتقاء باقات من حديقته الشعريّة ونشرها بدل المقالة التي أنوي اقترافها ، فلا شيء يعبّر عن فداحة شعريّة راشد عيسى مثل شعره المترقرق في صفحات كتابه الطافح بسيرة كائن له صلة قويّة بالقصيدة العربيّة الحديثة ، لكن من الواضح أن لا شفاء لي من الكتابة عن كلّ أمر شعريّ جميل يقع لي أو أقع فيه، فسيّان بين الحالتين والنتيجة واحدة : التورّط فيه والكتابة عنه رغم ما قد أتسبّب فيه من تشويه لآية إبداعيّة أو تهميش لجهة من جهات البهاء… فالعفو العفو ، أشهد أنّي مقبل على محاولة نسخ ظلّ القصيدة ، تلك التي لها صلة غير بريئة براشد عيسى…
لا بدّ من حكاية يتعلّل بها الشاعر لاستدراج العالم إلى الشعر وإضفاء السحر عليه ، هذا ما يهمس لنا به لسان حال الشاعر وهو يوغل بنا في سيرة شعريّة أخّاذة ، تضجّ ” بأنسنة ” كلّ شيء ، الحجرة والشجرة والهواء والسرير والديك والكبش…، وتحتفي ” بأسطرة ” ميلاد الطفل الذي كانه والشاب الذي تلبّس به في مرحلة ما من الزمن والعاشق والمحارب والنمر الذي يدبّ فيه الهرم ، كلّ شيء هنا حيّ ونابض وخارق للعادة، حتّى الحذاء يمسي منبعا للشعر ومرتعا للصور المدهشة :
” لفّقتُ حذاء من عيدان
يابسة من شجرة لوزْ
كنت أحسّ بأوراق
يانعة تنبت بين أصابع
قدميّ ويقضمها دود القزّ “
” حفيد الجنّ ” إفراط في تسريد الشعر وإدمان له ، وهل الشعر إلآّ تطرّف في استنطاق الفكرة وإدمان لتكثيفها وإخلاص ثوريّ لمشروع كتابيّ ما ، ينفصل راشد عيسى في هذا الكتاب عن اللحظة الانفعاليّة المتفشيّة في جلّ ما يكتبه شعراء اليوم ويطرح علينا غنائيّة هادئة في ظاهرها ، متلاطمة الإيقاعات والصور في عمقها، غنائيّة لا تصدر عن انفعال الشاعر في لحظة الكتابة الأولى على غرار العديد من المبدعين العرب، بل تنزّ من نسيج القصيدة وحبكة الفنّان الخبير، الفنّان الذي يبقى متشبّثا بحقّه في تصدّر الصورة والمعنى لكن عبر احتفائه بالأشياء والآخرين، يصبح الفنّان هو الأشياء والآخرين ومركز العالم برمّته ، تتلبّس الأنا بكلّ شيء وبكلّ ميت وحيّ وتفتكّ النبض والضوء وجدارة الحضور منهم جميعا دون أن يعترض القارئ أو يحتجّ على تضخّم الأنا الشاعرة، وهل ثمّة من هو أشدّ إقناعا ومخاتلة مثل الشاعر الماهر؟ :
” … كنّا نراه على أوّل السرب
يخطو كقيصرْ
هو الآن خلف القطيع يحفّزهُ
الكلب للسير وراعيه ينخرهُ
بالعصا
هو الآن يدفن قرنيه بين الحصى
لئلا يرى غيره حاملا للجرسْ “
نعرف الشاعر من جملة أولى أو ربّما جملتين ، نبصر توهّجه الاستثنائي في المنبر وفي الحبر ، شخصيّا حظيت بسماع راشد عيسى في إحدى دورات مهرجان المربد الشعريّ بالعراق في منتصف التسعينات ، ولم تمض دقائق حتّى أضفت اسمه إلى قائمتي الخاصة المخبّئة في غيهب ذاكرتي، قائمة القارئ الكامن فيّ ، يضمّ إليها كلّ شاعر مجيد ويغلقها من جديد في انتظار نبع صاف آخر…، ما يشدّني إلى تجربة راشد عيسى وعيه الحادّ بماهيته، يدرك تماما أنّه شاعر ومن واجباته المقدّسة حماية القصيدة والذود عن شروطها الجماليّة بكلّ ما أوتي من موهبة وما ادّخر من معرفة ، يدافع عنها بإبداعه ولا يتّخذ القصيدة حمارا قصيرا كما يفعل الكثيرون ، نراه في ” حفيد الجنّ ” متمسّكا بمعتقداته الشعريّة : لا خطابيّة
” ثوريّة ” ممجوجة ولا نصوص مباشرة متّكئة على نضاليّة ما ، إذ يعي أنّه ليس خطيبا في جامع ولا سياسيّ لبق يشحن القطيع ، هو الشاعر في انتصاراته وانكساراته ، يحاول جاهدا تحرير ذاته والآخرين من كلّ قيد والحفر عميقا في النفس واللغة بعيدا عن جعجعة محرّري الأرض وكاسري العدوّ في أعراس المجد الطافحة بالتصفيق والغثيان:
” حين وضعناها في التابوتْ
رفرف طير خرج من التابوتِ
وحام على أوجهنا
وبكى معنا
فعرفنا أنّ الجدّة ميسا وطنٌ
والأوطان كما نعرفها ليس تموتْ “
أعتقد جازما أنّ راشد عيسى يفلح بنصّه الشعريّ الرهيف في إدانة البشاعة بمختلف أشكالها، ويمجّد الحياة والإنسان والحريّة كأروع ما يكون التمجيد ، فقصائده المنتصرة للشعر الصافي خير ردّ على ما يعتمل في هذا المستنقع المسمّى العالم الحديث…
” غريبون عنّا وعن زمن
لم يعد كافيا للحياةِ
محبّون حتّى إلى كارهينا
ونخجل عند دخول اللصوص
منازلنا
فلا يجدون الذي يسرقونْ
فنبكي عليهم
كأنّ اللصوص علينا ضيوف “