كتاب ” التبراع ” للعالية ماء العينين
انتزاع الدهشة من قبضة النسيان
محمد الهادي الجزيري
لم يكن ينقصني إلاّ ” التبراع ” لأعاين فداحة جهلي واتّساعه يوما إثر آخر، بفضل شغفي اللعين بالكتب التي تتطوّع دائما وبحماس غريب، لتؤكّد لي ضآلة نصيبي من المعرفة وعدم قدرتي على احتواء العالم، وإن طال عمري الوحيد وتمطّط من كهولة الجسد إلى شيخوخة الإدراك …، ثمّ كأنّ كلّ كاتب أحاوره في عزلتي الاختياريّة يتعمّد السخريّة منّي وإن بلباقة وحذلقة وكياسة فيها الكثير من سمات التحضّر ولا تخلو من ابتسامة مهذّبة ألمحها بين السطور المزدحمة بالعلم، الشاهدة على الجهد والمثابرة والتحصيل والعطاء..
المشكلة مع ” التبراع ” أنّ من أقدمتْ على اقتراف هذا الكتاب الطافح بالرهافة والمتشبّث بالطرح العميق لموضوعه المنتقى، ليست سوى العالية ماء العينين صديقتي الحميمة وحليفة الشاعر الكامن فيّ، وهي آخر كائن في الأرض وضواحيها يمكن أن أظنّ به الظنون ، كأن أعتبر أنّ زجّها بي في بحر معارفها طريقة مثلى لجلد الصديق والحليف وتحفيز قاس له على التوغّل أكثر في العالم والإنسان عبر المتون الأدبية والعلمية وغيرها ..، لا أنزّهها عن ذلك تماما، فمن الودّ ما قتل المقرّب والمبجّل وما أبهاها من قتلةٍ ترتقي بي درجة أخرى من درجات الضوء بعيدا عن قيعان كثيرة لا جدوى من ذكرها …
كتاب ” التبراع ” يمثّل جزءا من أطروحة دكتوراه قدّمتها العالية ماء العينين سنة 2009 ، بعد مكابدات علميّة ومحاورة نفسيّة وفنيّة طويلة للتبراع كشكل إبداعيّ خاص بالمرأة الحسانيّة وبعد نبش عسير لذاكرة المجتمع الصحراوي الذي يتوزّع جغرافيا من جنوب المغرب إلى موريتانيا إلى جزء من السينغال وصولا إلى مالي ، ولعلّ من أجمل ما باحت به مبدعة هذا البحث الأكاديميّ أنّ مؤامرة نسائيّة بديعة ساهمت في جمع المادّة الشعريّة التي يرتكز عليها ، بنات عمومة وأخوات وأمّهات ساهمن في تجميع أشتات الذاكرة المهدّدة بالتلاشي ككلّ خلق إبداعيّ مركون في الشفويّ الهشّ وغير محفوظ في قبضة المكتوب الصلبة …
” عندُ تبسيمَه // باني فيها بْليسْ خْوَيْمَه “
( لديه ابتسامة ، استقرّ فيها الشيطان وبنى خيمته هناك )
هذه قطرة من محيط عذب، سقْتُها من ظمئي للشعر الصافي المترقرق في صفحات هذا الكتاب الذي ألّفه عقل أكاديميّ صارم ونفس شغوفة بالشعر والإبداع ، فكان مصدرا للمعرفة والمتعة في الآن نفسه وهذه غاية الغايات لكلّ أديب وباحث ..، وقد ما ورد في مقدّمة الكتاب التي تفضّلت بها الدكتورة زهور كرام :
” لم أكن أمام كتاب أحاديّ الموضوع ، وإن بدا الأمر كذلك في العنوان، إنّما وجدت الكتاب ينفتح على مواضيع وقضايا كثيرة ، وهو يتقدّم باتّجاه شعر التبراع ، كأنّ العبور إلى هذا النوع من الشعر يستوجب سفرا ثقافيّا من أجل إدراك معرفيّ ـ ثقافيّ ـ تاريخيّ بموضوعه.”
تعميقا لما ذهبت إليه الناقدة زهور كرام، أشير إلى أنّ العالية ماء العينين لم تكتف بفتح بوّابات على البيئة التاريخيّة الاجتماعية الثقافيّة للمرأة الحسانيّة لتمهيد سبل الإدراك والاستمتاع كذلك للقارئ، بل اقتفت آثار الإبداع النسائيّ العربيّ من الخنساء إلى النساء الجواري إلى شريفات آل البيت …وصولا إلى الولاّدة بنت المستكفي ، ثمّ انتقلت بنا إلى حيّز من مخزون الشعر الدارج في المغرب، تحديدا إلى رباعيات نساء فاس ( العروبيات ) ، ولم تبخل علينا أيضا بجولة شيّقة في أشعار نساء البشتون أو ( اللندي ) أيّ المختصر الموجز، وكلّ هذا الكرم والجهد ليس سوى توطئة لتوريط القارئ كأجمل ما يكون التوريط، في الموضوع الرئيس، ألا وهو التبراع ، هذا النوع من الشعر الخاص بالنساء الحسانيات ، بوح سريّ لا يتخطّى عالم النساء لكنّه يعكس المكانة الاجتماعيّة المرموقة التي تحظى بها المرأة داخل هذا المجتمع المجتهد فقهيّا ، والمحتفي بالمرأة أمّا وأختا وزوجة وحبيبة، ومن أمثاله:
” النساء عمائم الأجواد // ونعال الأنذال “
حقيقة هذا القليل القليل من سحر كثير وعلم وفير، تحيّة مرتبكة ربّما لسيّدة فاضلة تكرّس حياتها للكدّ العلميّ وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تراثنا العظيم وتسليط الضوء على درر مركونة في غياهب الهامش، وفي خاتمة هذه التحيّة أعانق روح الشاعرة المجهولة التي قالت :
” ذي ماهِ مَنّي // سقْمُ فاتْ تمكّنْ مَنّي “
( ليس لي يد في ما حدث ، فقد تمكّن حبّه الشديد منّي )
صدقت الشاعرة وأجادت العالية وحنّ كاتب هذا النص إلى بهاء بعيد