محمد الهادي الجزيري
لا أنسب من هذه الهدنة مع العالم لقراءة كتاب أو استدراج قصيدة ، ولكنّي أميل الليلة إلى القراءة ، وها إنّي أردّد في سرّي عجز بيت المتنبي ” وخير أنيس في الأنام كتاب” ، وأتسللّ كالسارق إلى مكتبتي كي لا أوقظ العالم من جديد وتهجم عليّ الضجّة والمطالب والصداع ، يطالعني على أحد الرفوف عنوان رواية جديدة أهدانيها أحد الروائيين المشهود لهم بالإبداع والتميّز ، تمتدّ يدي وتقطف هذه الهديّة القيّمة ، ونفرّ أنا ويدي القابضة على الكتاب كمن فاز بصيد ثمين، إلى ركني حذو النافذة المغلقة ، تذكّرني وشوشة المطر أنّني كائن محظوظ ، فلي ربّ أمر الخلق بالنوم وفرّق شمل الرعاع ، ولي بيت ساكن وملائم لأديب مثلي ، ديدنه القراءة والكتابة ، ولي الليل كلّه قبل أن يتجدّد الكابوس.
كلّ شيء جاهز للسهر، وما عليّ سوى أن أستلقي وأحني عنق الفانوس قليلا ، وأتوغّل في أدغال الرواية وحقولها الملغّمة …، ألتهم ثلاث صفحات في تذوّق أوّل، وأطرد طلائع خيبة لا داعي لها ، صحيح أنّ فاتحة الرواية شبيهة بدرس عن مكارم الأخلاق ومحاسن العمل الطيّب ، فالشخصية الأولى التي رسمها الكاتب بإطناب حتّى كاد أن ينحتها على رهافة الأوراق ، كهل جرّب كلّ شيء ، واقتنع أخيرا بضرورة الندم على ما اقترفه في حقّ نفسه ومجتمعه ، واختلى بذاته ليطهّرها من الآثام ، وذلك بجرد كلّ ما في تراثنا من وقائع انتصر فيها الخير على الشرّ، صحيح أنّ الكاتب أفرط في الثرثرة ولكن لابأس ، سأتجاوز تجرّؤه على تلقيني قواعد الإقامة في هذا الكوكب الشبيه ببرتقالة متعفّنة …، لا بأس ، لعلّه تعمّد إزعاج القارئ في الصفحات الأولى ليفاجئه بجمله المكثّفة وأسلوبه الشيّق وحِيَلِه السردية المُحكمة ، فتكون متعته الأدبية مضاعفة إثر ” الكلام الفارغ ” الذي تجرّعه وساهم في تكدير حياته العربية .
ها إنّي ألعن الشيطان الرجيم ، وأكلّف عينيّ بالقراءة من جديد ، صفحة أخرى وصبرا آل ياسر، ثمّ أخرى ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله ، أتخطّى بعض الصفحات دفاعا عن أمل بسيط ما يزال عالقا بخلايا دماغي ، تستجيب عيناي لأمري من جديد ، ومن جديد أجد نفسي في حضرة مؤدّب متنكّر في زيّ روائيّ ، كان أولى به أن يكتب مقالة أو خطبة ، ويدافع فيها كما يحلو له عن صحّة أفكاره ومعتقداته ، أمّا أن يحشر هذا المتن المباشر الفجّ في جنس الرواية ، فتلك مصيبة أخرى تنضاف إلى كوارثنا الكثيرة …، ها إنّي جالس أما الكمبيوتر بعيدا عن ” الهديّة القيّمة ” لأكتب هذه الشكوى ، الحرام الحرام أن يتحوّل أدبنا إلى دروس مدرسية وخطب توجيهيّة وواجهة ناتئة لعرض ” الحقيقة ” ، الأدب شحذ للعقل ونثر للأسئلة الحارقة ، فرجاء لا يدخلنّ علينا كلّ ملاّك الحقيقة ، وأصحاب الأجوبة الجاهزة ، وذوي النصوص الآمنة المطمئنة ، دعونا نذهب بالنصّ إلى أقصى التخوم ونلقي به في الحيرة والدهشة والسؤال ، ويكفي القارئ العربي ما يعانيه من برمجة يوميّة لسلوكه وطريقة سيره وعلى أيّ جنب يغفو وأيّ أحلام يمكنه أن يرتادها ، تعبنا يا قوم من ” الرواية الحكاية ” والسرد الممنهج بأعصاب باردة وأرواح جامدة ، تعبنا من ملاقاة السيد النصّ المحترم الخارج من الإدارة والذاهب فورا إلى بيت الطاعة ، نريد إبداعا يخلخل الثوابت المنخورة أصلا ، يلتفت إلى تراثنا باحترام نعم، ولكن بعين الناقد الجريء، ويتقدّم باتجاه الغد بشجاعة المغامرين واندفاعة المستكشفين ، وليكن أنّ المزالق كثيرة ، وإمكانية السقوط واردة ، ولكنّ الحياة تدعونا إلى التوغّل في كلّ مجالاتها منذ كانت الحياة ، ولا إضافة ولا تطوّر دون الاستسلام لدهشة الكائن ودون تتبّع آثار حيرته ، هكذا اندلعت أجمل النصوص على وجه الأرض ، ولا سبيل للمبدع غير التيه ، أمّا الواضحة والمسطّرة دروبهم فلا أمل في خروجهم عن الدرس والتدريس ،… أشكوهم إلى التاريخ ، سيثأر لي منهم ، إن وجد لهم بعض الوقت طبعا.





