غسق الورد… أفئدة الطين

غسق الورد… أفئدة الطين
غسق الورد… أفئدة الطين

 

الخزّاف الذي يدير طينه بين يديه

 

محمد الهادي الجزيري

 

شاعر وناقد في مثقّف واحد، تجربة مربكة ولا شكّ وشيّقة كذلك، تلك التي يخوضها سمير السحيمي منذ تسعينات القرن الماضي، كيف تتعايش السلطة النقديّة والجموح الشعريّ، خاصة لحظة الكتابة ومن يفرض طقسه على الآخر، بهذه الأسئلة وشبيهاتها ولجت المجموعة الشعريّة الجديدة ” غسق الورد … أفئدة الطين ” للدكتور السحيمي ، ومن قصيدة إلى أخرى تيقّنت من غلبة روح المغامرة على الكاتب الكامن فيه، ففي كلّ نصّ شعريّ مناخ جديد وتوق إلى الانفلات من القوالب الجاهزة والاستعارات المستهلكة، وهل الشعر إلاّ أن يحقّق الشاعر ذاته ويترك بصمته على الطاولة فلا يكون مثلا نسخة باهتة من غيره أو تكون تجربته صدى ممجوجا لتجارب قديمة أو معاصرة ، النبوغ والتحليق العالي مهمّان في الكتابة الإبداعيّة عموما، لكنّ الأهمّ حسب وجهة نظري المتواضعة أن تكون كلّ تجربة رافدا جديدا للمدوّنة العربيّة والعالميّة، صوتا خالصا من سلطان الأصوات ” المهيمنة “، نظرة فريدة وطرحا خاصا واستثنائيّا بصرف النظر عن قدرتها على استدراج الآخرين إلى عالمها ، وهذا ما يؤمن به سمير السحيمي الطافح بالمعرفة والمطّلع على تفاصيل اللعبة الشعريّة من ألواح الطين التي حفظت ملحمة جلجامش إلى نشيد الأنشاد وصولا إلى تمرّد نزار قباني الذي لم يفلت من عين الناقد الشاعر فقد لاحق الإيقاع في شعره عبر دراسة صدرت سنة 2011 وما يزال الفتى المحاصر بجمر النقد وفخاخ الشعر مندفعا خلف دهشته …

 

” يفيض المكان مواجع شتّى 

أراقب ذاكرتي

فتعود إلى عاشقي الأرض

إلى من تقاطرت الروح منهم 

شقاء….. وبوحا

وعضّا على شفة من ألمْ “

 

يعانق السحيمي في مجموعته الجديدة الأشكال الشعريّة الثلاثة ( التفعيلة والعمود والنثر ) دون أن يجد حرجا من حين إلى آخر في الخروج على قواعد كلّ شكل اختارته القصيدة لحظة الكتابة، فقد يرسل الوزن ( وهو المتمكّن منه أكاديميّا وإبداعيّا وعمليّا ) يرسله ببرودة دم عجيبة إلى الجحيم، وقد يؤثّث بعض قصائده النثريّة بسطر أو سطرين موزونيْن ، نحن في حضرة مثقّف مبدع يفرّق بين صفته العلميّة والطفل العابث فيه ، ذلك الطفل الذي لم يشف من حنينه اليوميّ إلى الأهل المتجذّرين في مدينة المتلوي والحوض المنجميّ، ولم ينج في جلّ قصائد المجموعة من حزنه القديم المتجدّد، حزنه ذي الأسماء المقدّسة : الأمّ والأرض والأب والعرق والوطن وحرائقه الظاهرة والخفيّة …

 

” نبضُ أمّي

وهي تنثر منسجها

فوق أرض شقيّةْ

تشابكُ بعضَ السَّدى

من حنين سويّْ

تعلّقه في سماء المسافةِ

تُطعمه اللُّحمة العاشقةْ

تنسجه نبضة نبضة 

همسة في سماء الصقيعْ “

 

ما يشدّني في تجربة سمير السحيمي التي أتابعها منذ صدور المجموعة الأولى ” نوافذ الشوق” عدم تورّط هذا الشاعر في محاكاة تجارب أخرى رغم تلبّسه المعرفيّ بالمدوّنة الشعريّة العربيّة قديمها وحديثها، إضافة إلى تقديسه لفعل الكتابة فالذهاب إلى اللغة ليس ترفا بالنسبة له ولا تهويما خاليا من كلّ دلالة أو طوافا مقرفا بأنا متضخّمة ، لا شيء من ذلك مطلقا، لاشيء غير التسبيح بأسماء الحبّ والانتصار للإنسان ومثله العليا دون السقوط طبعا في الخطابة والتقريريّة أو نسخ الواقع كما هو دون لمسات فنيّة ترتقي به إلى فنّ الشعر، ذاك العالي الذي تجرّأ عليه الغبار بأشكاله المتعدّدة..

 

” مات قلبٌ

ولم تبق غير الحروف

مواجع للعاشقينْ

اشتعلْ فيكَ

لم تبق غير المجازات

مغرقة في الغيابْ “

 

تفضّل بتقديم مجموعة ” غسق الورد … أفئدة الطين ” الأستاذ الناقد عمر حفيّظ وممّا ورد في مقدّمته :

” السحيمي ساع في هذا الديوان إلى السير في غير الطرق المأنوسة وإلى البحث عن إيقاعه الذاتيّ ، وليس يعنينا كثيرا أن نقرّ أنّه عثر عليه أو لم يعثر، فقد يظلّ الشاعر باحثا عن إيقاعه طوال حياته كلّها، وإنّما يعنينا أنّه يكتب بخلفيّة الخزّاف الذي يدير طينه بين يديه…”

 

الخزّاف الذي يدير طينه بين يديه

 

محمد الهادي الجزيري

 

شاعر وناقد في مثقّف واحد، تجربة مربكة ولا شكّ وشيّقة كذلك، تلك التي يخوضها سمير السحيمي منذ تسعينات القرن الماضي، كيف تتعايش السلطة النقديّة والجموح الشعريّ، خاصة لحظة الكتابة ومن يفرض طقسه على الآخر، بهذه الأسئلة وشبيهاتها ولجت المجموعة الشعريّة الجديدة ” غسق الورد … أفئدة الطين ” للدكتور السحيمي ، ومن قصيدة إلى أخرى تيقّنت من غلبة روح المغامرة على الكاتب الكامن فيه، ففي كلّ نصّ شعريّ مناخ جديد وتوق إلى الانفلات من القوالب الجاهزة والاستعارات المستهلكة، وهل الشعر إلاّ أن يحقّق الشاعر ذاته ويترك بصمته على الطاولة فلا يكون مثلا نسخة باهتة من غيره أو تكون تجربته صدى ممجوجا لتجارب قديمة أو معاصرة ، النبوغ والتحليق العالي مهمّان في الكتابة الإبداعيّة عموما، لكنّ الأهمّ حسب وجهة نظري المتواضعة أن تكون كلّ تجربة رافدا جديدا للمدوّنة العربيّة والعالميّة، صوتا خالصا من سلطان الأصوات ” المهيمنة “، نظرة فريدة وطرحا خاصا واستثنائيّا بصرف النظر عن قدرتها على استدراج الآخرين إلى عالمها ، وهذا ما يؤمن به سمير السحيمي الطافح بالمعرفة والمطّلع على تفاصيل اللعبة الشعريّة من ألواح الطين التي حفظت ملحمة جلجامش إلى نشيد الأنشاد وصولا إلى تمرّد نزار قباني الذي لم يفلت من عين الناقد الشاعر فقد لاحق الإيقاع في شعره عبر دراسة صدرت سنة 2011 وما يزال الفتى المحاصر بجمر النقد وفخاخ الشعر مندفعا خلف دهشته …

 

” يفيض المكان مواجع شتّى 

أراقب ذاكرتي

فتعود إلى عاشقي الأرض

إلى من تقاطرت الروح منهم 

شقاء….. وبوحا

وعضّا على شفة من ألمْ “

 

يعانق السحيمي في مجموعته الجديدة الأشكال الشعريّة الثلاثة ( التفعيلة والعمود والنثر ) دون أن يجد حرجا من حين إلى آخر في الخروج على قواعد كلّ شكل اختارته القصيدة لحظة الكتابة، فقد يرسل الوزن ( وهو المتمكّن منه أكاديميّا وإبداعيّا وعمليّا ) يرسله ببرودة دم عجيبة إلى الجحيم، وقد يؤثّث بعض قصائده النثريّة بسطر أو سطرين موزونيْن ، نحن في حضرة مثقّف مبدع يفرّق بين صفته العلميّة والطفل العابث فيه ، ذلك الطفل الذي لم يشف من حنينه اليوميّ إلى الأهل المتجذّرين في مدينة المتلوي والحوض المنجميّ، ولم ينج في جلّ قصائد المجموعة من حزنه القديم المتجدّد، حزنه ذي الأسماء المقدّسة : الأمّ والأرض والأب والعرق والوطن وحرائقه الظاهرة والخفيّة …

 

” نبضُ أمّي

وهي تنثر منسجها

فوق أرض شقيّةْ

تشابكُ بعضَ السَّدى

من حنين سويّْ

تعلّقه في سماء المسافةِ

تُطعمه اللُّحمة العاشقةْ

تنسجه نبضة نبضة 

همسة في سماء الصقيعْ “

 

ما يشدّني في تجربة سمير السحيمي التي أتابعها منذ صدور المجموعة الأولى ” نوافذ الشوق” عدم تورّط هذا الشاعر في محاكاة تجارب أخرى رغم تلبّسه المعرفيّ بالمدوّنة الشعريّة العربيّة قديمها وحديثها، إضافة إلى تقديسه لفعل الكتابة فالذهاب إلى اللغة ليس ترفا بالنسبة له ولا تهويما خاليا من كلّ دلالة أو طوافا مقرفا بأنا متضخّمة ، لا شيء من ذلك مطلقا، لاشيء غير التسبيح بأسماء الحبّ والانتصار للإنسان ومثله العليا دون السقوط طبعا في الخطابة والتقريريّة أو نسخ الواقع كما هو دون لمسات فنيّة ترتقي به إلى فنّ الشعر، ذاك العالي الذي تجرّأ عليه الغبار بأشكاله المتعدّدة..

 

” مات قلبٌ

ولم تبق غير الحروف

مواجع للعاشقينْ

اشتعلْ فيكَ

لم تبق غير المجازات

مغرقة في الغيابْ “

 

تفضّل بتقديم مجموعة ” غسق الورد … أفئدة الطين ” الأستاذ الناقد عمر حفيّظ وممّا ورد في مقدّمته :

” السحيمي ساع في هذا الديوان إلى السير في غير الطرق المأنوسة وإلى البحث عن إيقاعه الذاتيّ ، وليس يعنينا كثيرا أن نقرّ أنّه عثر عليه أو لم يعثر، فقد يظلّ الشاعر باحثا عن إيقاعه طوال حياته كلّها، وإنّما يعنينا أنّه يكتب بخلفيّة الخزّاف الذي يدير طينه بين يديه…”

 

الخزّاف الذي يدير طينه بين يديه

 

محمد الهادي الجزيري

 

شاعر وناقد في مثقّف واحد، تجربة مربكة ولا شكّ وشيّقة كذلك، تلك التي يخوضها سمير السحيمي منذ تسعينات القرن الماضي، كيف تتعايش السلطة النقديّة والجموح الشعريّ، خاصة لحظة الكتابة ومن يفرض طقسه على الآخر، بهذه الأسئلة وشبيهاتها ولجت المجموعة الشعريّة الجديدة ” غسق الورد … أفئدة الطين ” للدكتور السحيمي ، ومن قصيدة إلى أخرى تيقّنت من غلبة روح المغامرة على الكاتب الكامن فيه، ففي كلّ نصّ شعريّ مناخ جديد وتوق إلى الانفلات من القوالب الجاهزة والاستعارات المستهلكة، وهل الشعر إلاّ أن يحقّق الشاعر ذاته ويترك بصمته على الطاولة فلا يكون مثلا نسخة باهتة من غيره أو تكون تجربته صدى ممجوجا لتجارب قديمة أو معاصرة ، النبوغ والتحليق العالي مهمّان في الكتابة الإبداعيّة عموما، لكنّ الأهمّ حسب وجهة نظري المتواضعة أن تكون كلّ تجربة رافدا جديدا للمدوّنة العربيّة والعالميّة، صوتا خالصا من سلطان الأصوات ” المهيمنة “، نظرة فريدة وطرحا خاصا واستثنائيّا بصرف النظر عن قدرتها على استدراج الآخرين إلى عالمها ، وهذا ما يؤمن به سمير السحيمي الطافح بالمعرفة والمطّلع على تفاصيل اللعبة الشعريّة من ألواح الطين التي حفظت ملحمة جلجامش إلى نشيد الأنشاد وصولا إلى تمرّد نزار قباني الذي لم يفلت من عين الناقد الشاعر فقد لاحق الإيقاع في شعره عبر دراسة صدرت سنة 2011 وما يزال الفتى المحاصر بجمر النقد وفخاخ الشعر مندفعا خلف دهشته …

 

” يفيض المكان مواجع شتّى 

أراقب ذاكرتي

فتعود إلى عاشقي الأرض

إلى من تقاطرت الروح منهم 

شقاء….. وبوحا

وعضّا على شفة من ألمْ “

 

يعانق السحيمي في مجموعته الجديدة الأشكال الشعريّة الثلاثة ( التفعيلة والعمود والنثر ) دون أن يجد حرجا من حين إلى آخر في الخروج على قواعد كلّ شكل اختارته القصيدة لحظة الكتابة، فقد يرسل الوزن ( وهو المتمكّن منه أكاديميّا وإبداعيّا وعمليّا ) يرسله ببرودة دم عجيبة إلى الجحيم، وقد يؤثّث بعض قصائده النثريّة بسطر أو سطرين موزونيْن ، نحن في حضرة مثقّف مبدع يفرّق بين صفته العلميّة والطفل العابث فيه ، ذلك الطفل الذي لم يشف من حنينه اليوميّ إلى الأهل المتجذّرين في مدينة المتلوي والحوض المنجميّ، ولم ينج في جلّ قصائد المجموعة من حزنه القديم المتجدّد، حزنه ذي الأسماء المقدّسة : الأمّ والأرض والأب والعرق والوطن وحرائقه الظاهرة والخفيّة …

 

” نبضُ أمّي

وهي تنثر منسجها

فوق أرض شقيّةْ

تشابكُ بعضَ السَّدى

من حنين سويّْ

تعلّقه في سماء المسافةِ

تُطعمه اللُّحمة العاشقةْ

تنسجه نبضة نبضة 

همسة في سماء الصقيعْ “

 

ما يشدّني في تجربة سمير السحيمي التي أتابعها منذ صدور المجموعة الأولى ” نوافذ الشوق” عدم تورّط هذا الشاعر في محاكاة تجارب أخرى رغم تلبّسه المعرفيّ بالمدوّنة الشعريّة العربيّة قديمها وحديثها، إضافة إلى تقديسه لفعل الكتابة فالذهاب إلى اللغة ليس ترفا بالنسبة له ولا تهويما خاليا من كلّ دلالة أو طوافا مقرفا بأنا متضخّمة ، لا شيء من ذلك مطلقا، لاشيء غير التسبيح بأسماء الحبّ والانتصار للإنسان ومثله العليا دون السقوط طبعا في الخطابة والتقريريّة أو نسخ الواقع كما هو دون لمسات فنيّة ترتقي به إلى فنّ الشعر، ذاك العالي الذي تجرّأ عليه الغبار بأشكاله المتعدّدة..

 

” مات قلبٌ

ولم تبق غير الحروف

مواجع للعاشقينْ

اشتعلْ فيكَ

لم تبق غير المجازات

مغرقة في الغيابْ “

 

تفضّل بتقديم مجموعة ” غسق الورد … أفئدة الطين ” الأستاذ الناقد عمر حفيّظ وممّا ورد في مقدّمته :

” السحيمي ساع في هذا الديوان إلى السير في غير الطرق المأنوسة وإلى البحث عن إيقاعه الذاتيّ ، وليس يعنينا كثيرا أن نقرّ أنّه عثر عليه أو لم يعثر، فقد يظلّ الشاعر باحثا عن إيقاعه طوال حياته كلّها، وإنّما يعنينا أنّه يكتب بخلفيّة الخزّاف الذي يدير طينه بين يديه…”

 

الخزّاف الذي يدير طينه بين يديه

 

محمد الهادي الجزيري

 

شاعر وناقد في مثقّف واحد، تجربة مربكة ولا شكّ وشيّقة كذلك، تلك التي يخوضها سمير السحيمي منذ تسعينات القرن الماضي، كيف تتعايش السلطة النقديّة والجموح الشعريّ، خاصة لحظة الكتابة ومن يفرض طقسه على الآخر، بهذه الأسئلة وشبيهاتها ولجت المجموعة الشعريّة الجديدة ” غسق الورد … أفئدة الطين ” للدكتور السحيمي ، ومن قصيدة إلى أخرى تيقّنت من غلبة روح المغامرة على الكاتب الكامن فيه، ففي كلّ نصّ شعريّ مناخ جديد وتوق إلى الانفلات من القوالب الجاهزة والاستعارات المستهلكة، وهل الشعر إلاّ أن يحقّق الشاعر ذاته ويترك بصمته على الطاولة فلا يكون مثلا نسخة باهتة من غيره أو تكون تجربته صدى ممجوجا لتجارب قديمة أو معاصرة ، النبوغ والتحليق العالي مهمّان في الكتابة الإبداعيّة عموما، لكنّ الأهمّ حسب وجهة نظري المتواضعة أن تكون كلّ تجربة رافدا جديدا للمدوّنة العربيّة والعالميّة، صوتا خالصا من سلطان الأصوات ” المهيمنة “، نظرة فريدة وطرحا خاصا واستثنائيّا بصرف النظر عن قدرتها على استدراج الآخرين إلى عالمها ، وهذا ما يؤمن به سمير السحيمي الطافح بالمعرفة والمطّلع على تفاصيل اللعبة الشعريّة من ألواح الطين التي حفظت ملحمة جلجامش إلى نشيد الأنشاد وصولا إلى تمرّد نزار قباني الذي لم يفلت من عين الناقد الشاعر فقد لاحق الإيقاع في شعره عبر دراسة صدرت سنة 2011 وما يزال الفتى المحاصر بجمر النقد وفخاخ الشعر مندفعا خلف دهشته …

 

” يفيض المكان مواجع شتّى 

أراقب ذاكرتي

فتعود إلى عاشقي الأرض

إلى من تقاطرت الروح منهم 

شقاء….. وبوحا

وعضّا على شفة من ألمْ “

 

يعانق السحيمي في مجموعته الجديدة الأشكال الشعريّة الثلاثة ( التفعيلة والعمود والنثر ) دون أن يجد حرجا من حين إلى آخر في الخروج على قواعد كلّ شكل اختارته القصيدة لحظة الكتابة، فقد يرسل الوزن ( وهو المتمكّن منه أكاديميّا وإبداعيّا وعمليّا ) يرسله ببرودة دم عجيبة إلى الجحيم، وقد يؤثّث بعض قصائده النثريّة بسطر أو سطرين موزونيْن ، نحن في حضرة مثقّف مبدع يفرّق بين صفته العلميّة والطفل العابث فيه ، ذلك الطفل الذي لم يشف من حنينه اليوميّ إلى الأهل المتجذّرين في مدينة المتلوي والحوض المنجميّ، ولم ينج في جلّ قصائد المجموعة من حزنه القديم المتجدّد، حزنه ذي الأسماء المقدّسة : الأمّ والأرض والأب والعرق والوطن وحرائقه الظاهرة والخفيّة …

 

” نبضُ أمّي

وهي تنثر منسجها

فوق أرض شقيّةْ

تشابكُ بعضَ السَّدى

من حنين سويّْ

تعلّقه في سماء المسافةِ

تُطعمه اللُّحمة العاشقةْ

تنسجه نبضة نبضة 

همسة في سماء الصقيعْ “

 

ما يشدّني في تجربة سمير السحيمي التي أتابعها منذ صدور المجموعة الأولى ” نوافذ الشوق” عدم تورّط هذا الشاعر في محاكاة تجارب أخرى رغم تلبّسه المعرفيّ بالمدوّنة الشعريّة العربيّة قديمها وحديثها، إضافة إلى تقديسه لفعل الكتابة فالذهاب إلى اللغة ليس ترفا بالنسبة له ولا تهويما خاليا من كلّ دلالة أو طوافا مقرفا بأنا متضخّمة ، لا شيء من ذلك مطلقا، لاشيء غير التسبيح بأسماء الحبّ والانتصار للإنسان ومثله العليا دون السقوط طبعا في الخطابة والتقريريّة أو نسخ الواقع كما هو دون لمسات فنيّة ترتقي به إلى فنّ الشعر، ذاك العالي الذي تجرّأ عليه الغبار بأشكاله المتعدّدة..

 

” مات قلبٌ

ولم تبق غير الحروف

مواجع للعاشقينْ

اشتعلْ فيكَ

لم تبق غير المجازات

مغرقة في الغيابْ “

 

تفضّل بتقديم مجموعة ” غسق الورد … أفئدة الطين ” الأستاذ الناقد عمر حفيّظ وممّا ورد في مقدّمته :

” السحيمي ساع في هذا الديوان إلى السير في غير الطرق المأنوسة وإلى البحث عن إيقاعه الذاتيّ ، وليس يعنينا كثيرا أن نقرّ أنّه عثر عليه أو لم يعثر، فقد يظلّ الشاعر باحثا عن إيقاعه طوال حياته كلّها، وإنّما يعنينا أنّه يكتب بخلفيّة الخزّاف الذي يدير طينه بين يديه…”

شارك هذا الخبر