نداء الغياب

نداء الغياب
نداء الغياب

سيف الرحبي

كان الوالد قد بلغ في القرن الماضي أواخره، لقد تَقدم به العمر لكن بصحة جيدة لا يشكو من تلك الأمراض التي عادة ما تطيح بصاحبها في مثل هذا العمر، وتقذفه إلى الضعف المتناهي والعجز.. في خضمّ التسعينيّات من العمر غالباً ما تتوافد الأمراض وتتنامى وتتراكم حتى انهيار الجسد الذي لابد شهد أطواراً قاسية من عمره المديد في هذه البلاد على رغم الهدوء والوداعة التي تظهرهما للزائر على الخصوص، وهي مسترخية بين جبالها وكهوفها الملتحفة بأسرار عصيّة..

لم يبلغ الوالد منطقة الوهن والتداعي التي تجبر المرء في الاعتماد على الغير، الاعتماد الجزئي أو الكليّ. ومن هنا اخترعوا ملاجئ العجزة في البلاد المتقدمة التي تشمل كل أسباب الرعاية والعناية لمن بلغوا عتيّ الشيخوخة والعجز… ظلَّ الوالد معتمداً على نفسه في معظم الأشياء على جاري حياته اليوميّة التي ترسّخت مع تقدمه في الزمن وانقضاء الكثير من أبناء جيله إما برحيلهم الأبدي أو بعزلتهم في منازل الأولاد والأحفاد. ظل الوالد على نمط حياته مع ميل واضح إلى الصمت والمكوث الطويل في المسجد مع اصطحاب بعض أحفاده حين ترهقه الوحدة والذكريات. وحين كان الأولاد موزعين على أكثر من منزل ومنطقة في العاصمة، قرّر أن ينتقل نهائياً إلى القرية (سرور).. وكأنما نداء الحياة وأطيافها الذي يتلاشى وينسحب تدريجياً من مخيلته المكتضة بالسنين والأحداث، يدفعه إلى التوّحد والحلول في تراب قريته الولاديّة. المسجد الصغير الذي بناه بجانب السبلة على حافة فلج (بوجدي)، بنخيله وأشجاره التي زرعها في الأزمان الخوالي، يتوّحد بها ملاذاً لما تبقى من حياة صار يلحّ عليها بكثرة نداءُ الغياب..

في المسار نفسه مضى خالي أحمد فيما بعد، حين كف عن رحلاته الكثيرة التي اقتصرت أخيراً إلى الحج والعمرة وأنهى الحركة خارج المكان الأول، مكان الخطوة الأولى المكثّف في ضاحية (النطالة)، وفي البيت الذي بناه حجراً حجَراً، بامكانية مادية تكاد تكون معدومة لكن باندفاع الحياة وإرادتها..

وعلى اثر الحادث الذي تعرض له في طريق مطرح/ سرور الذي أفنى شبابا وشيباً في حرب حوادثه الغريبة، اعتزل بشكل نهائي..

رحل الوالد والخال، وربما لسان حالهما كان يقول «الموت صنو الحياة وإبحار لا متناهٍ نحو الله»..

* المقطع الأخير.. من كتابه الجديد  (شجرة الفرصاد- من سيرة المكان والطفولة) الذي صدرعن  دار الجمل وسيشارك بمعرض مسقط الدولي للكتاب2016

شارك هذا الخبر