خاص- أثير
يزيد عدد القلاع والحصون وأبراج المراقبة في سلطنة عُمان عن ألف قلعة وحصن وبرج، غير أن 11% منها هي ذات طابع سياحي. هذا الرقم يطرح سؤالًا مباشرًا:
هل نجحت سلطنة عُمان في تحويل هذا الإرث الضخم إلى صناعة سياحية واقتصادية؟ أم أن الجزء الأكبر منه لا يزال خارج دائرة الاستثمار؟
من الحماية إلى الاستثمار
لم تكن القلاع والحصون في سلطنة عُمان مجرد معالم تاريخية، بل أدوات دفاع واستقرار ومقر للحكم، شكّلت عبر قرون جزءًا من البنية السياسية والاجتماعية للدولة. لكن خلال السنوات الماضية، بدأ تحول تدريجي في طريقة التعامل معها:
من رمز تاريخي… إلى أصل اقتصادي قابل للاستثمار.
خصخصة جزئية: لكن هل نجحت؟
بحسب المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، فإن 11% من إجمالي القلاع والحصون في سلطنة عُمان هي ذات طابع سياحي في عام 2024م وبلغ عددها 61 قلعة وحصن.
هذه الفجوة الكبيرة تكشف عن معادلة غير متوازنة فهناك وفرة في الأصول مقابل محدودية في الاستثمار
ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل المشكلة في الجدوى الاقتصادية؟ أم في كلفة الترميم والإدارة؟ أم في غياب نموذج استثماري واضح؟
بحسب معلومات حصلت عليها “أثير” من وزارة التراث والسياحة، فإن هناك عدد من القلاع والحصون تحت إدارة شركات خاصة، ومن أبرزها:
- قلعة نزوى: تم التوقيع مع شركة بوادر العالمية في 4 نوفمبر 2017
- قلعة مطرح: تم توقيع العقد مع شركة قلعة مطرح في 31 ديسمبر 2021م
- حصن جبرين: تم توقيع العقد من شركة الثقة المتكاملة للاستثمار في 1 أغسطس 2021
- قلعة نخل: تم توقيع العقد مع شركة نخل الأهلية للاستثمار في 24 أغسطس 2022م
- قلعة بهلاء: تم توقيع العقد مع شركة مراسيم في 17 مايو 2023م
- قلعة الميراني: تم توقيع العقد مع شركة منتجعات وفنادق جبال الحجر في 18 سبتمبر 2023م
وتُدار قلعة صحار من قبل وزارة التراث والسياحة، كما إن حصن خصب تم افتتاحه أمام الزوار في عام 1991 ويُدار من قبل وزارة التراث والسياحة، إلا أنه مغلق حاليًا بسبب أعمال الترميم والصيانة.
أما قلعة الجلالي، فتم توقيع الاتفاقية مع شركة جبال الحجر في 1 مارس 2026م.
هذا النموذج المختلط بين الإدارة الحكومية والخاصة يطرح سؤالًا مهمًا:
هل هناك تقييم واضح لنتائج هذا التحول؟
وهل حققت القلاع التي يديرها القطاع الخاص أداءً أفضل من غيرها؟
زوار بمئات الآلاف
بينما كان عدد الزوار في عام 2009م حوالي 196 ألف زائر، ارتفع العدد في 2014 إلى 257 ألف زائر، وإلى 426 ألف زائر في 2019م، وعلى الرغم من هبوط أعداد الزوار في فترة انتشار فيروس كورونا كوفيد 19، إلا أنها عاودت الارتفاع مجددًا، لتصل إلى 670 ألف زائر عام 2024م -حسب آخر أرقام متوفرة- أي ما يعني أن نسبة ارتفاع الزوار بلغ 242% بين عامي 2009م و2024م.
بقراءة تفصيلية للأرقام التي نشرتها وزارة التراث والسياحة على موقع البيانات المفتوحة الحكومي، شكل الأجانب نحو 53% من الزوار (355 ألف) والعُمانيون 29% (197 ألف زائر) من زوار القلاع والحصون عام 2024م، وشهد هاتان الفئتان ارتفاعًا كبيرًا، إذ كان عدد الأجانب في عام 2009 حوالي 114 ألف زائر، مقابل 29 ألف عُماني فقط.
ومن حيث المحافظات، تتصدر قلعة نزوى من حيث أعداد الزوار عام 2024م، فبلغ 240 ألف زائر، مقابل 193 ألف زائر في عام 2022م، أي أن عدد الزوار نما بـ 24%.
وبشكل عام، تشهد قلعة نزوى آلاف الزوار، فكان عدد زوارها عام 2017م حوالي 115 ألف زائر، وبلغ 143 ألف زائر في 2019م، وانخفض في فترة انتشار فيروس كورونا كوفيد 19، ليعاود الارتفاع مجددًا.
وحلت قلعة مطرح الثانية من حيث أعداد الزوار عام 2024م والأولى من حيث نسبة النمو، فأعداد زوارها عام 2024 كان أكثر من 143 ألف زائر، مقابل 37 ألف زائر في 2022م، لتقفز نسبة النمو إلى 287%.
ويظهر تأثير استلام القطاع الخاص لقلعة مطرح على أعداد زوارها، فعندما كانت تحت إدارة حكومية، كان أعداد زوارها يتراوح ما بين 18 ألف عام 2018م إلى 15 ألف عام 2020م، لكن مع دخول القطاع الخاص وتنظيم فعاليات عديدة وأنشطة، أصبحت القلعة تنافس القلاع الأقدم منها في استقطاب الزوار.
وثالثًا حلت قلعة بهلاء بـ 87 ألف زائر عام 2024م مقابل 28 ألف زائر في 2022، بنسبة نمو بلغت 211%. وكان المركز الرابع من نصيب حصن جبرين بـ 77 ألف زائر عام 2024م، وخامسًا قلعة نخل بـ 36 ألف زائر في عام 2024م مقابل صفر زوار في عام 2022م.
القلاع والحصون أدوات القوة الناعمة
في رسالة دكتوراه أجراها سلطان بن محمد البيماني بعنوان" التراث الثقافي كأداة فعّال لتعزيز القوة الناعمة للدول: دراسة حالة سلطنة عُمان" واطلعت عليها “أثير”، يؤكد بأن التراث الثقافي ظاهرة متعددة الأبعاد، مثل المعالم والمواقع التاريخية، في حين تمثل التقاليد واللغات والطقوس التراث غير المادي بوصفه الجانب الحي من الهوية الثقافية.
وتتمثل الفرضية الرئيسية لدراسة البيماني، في أن التراث الثقافي يشكل جزءًا لا يتجزأ من استراتيجيات القوة الناعمة، ويدعم هذا أن الأصول التراثية لسلطنة عُمان مثل مواقع التراث العالمي المدرجة ضمن قائمة اليونسكو والتقاليد غير المادية، أثبتت فعاليتها في جذب الجمهور الدولي، كما أسهمت السياحة التراثية والصناعات الإبداعية في دعم برامج التنويع الاقتصادي، بالإضافة إلى إسهام مبادرات مثل المعارض الدولية وبرامج التبادل التعليمي في تعزيز الدبلوماسية الثقافية.
ويؤكد البيماني بأن سلطنة عُمان، بما تمتلكه من إرث ثقافي غني يمتد من المواقع التاريخية إلى الفنون التقليدية، نجحت في توظيف هذا المورد بفاعلية لتقديم نفسها كدولة نابضة بالحياة ثقافيًا وذات أهمية تاريخية.
تضم سلطنة عُمان أكثر من ألف قلعة وحصن وبرج مراقبة، ولا يكمن التحدي في امتلاك الإرث.. بل القدرة على تحويله إلى صناعة. فبين نجاحات محدودة وتجارب متباينة، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تتحول القلاع في عُمان إلى قطاع اقتصادي متكامل… أم تظل مشاريع متفرقة داخل مشهد أكبر لم يكتمل بعد؟
المصادر
إصدارات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات
مصدر الصورة: حساب قلعة مطرح على منصة انستغرام





