علي نسر
استطاعت الكاتبة (عائشة عجينة) أن تجعل من كتابها الإشكالي (الوحي) الصادر عن منشورات الجمل، خرزةً في عقد منضود وسلسلة من الكتب التي عالجت الموضوع نفسه سابقا وحاليا.. فكان هذا المؤلَّفُ شبيهًا بعصارة مؤلّفات تركت بصماتِها واضحة فوق صفحات من النقاشات المتعلّقة بموضوع نزول الوحي والعوامل التي ساعدت في تقبّله، والشروط الاجتماعية التي استدعته، بالإضافة إلى حركة الزمن وتقلّبات الواقع التي أسهمت في تحوّلاته أيضًا كما ترى الكاتبة ومن سبقها ممن استعانت بمراجعهم، وقد عرفت كيف تدبّ شيئا من روحها النقدية في بعض محطّات الكتاب وإن تجنّبتها في محطّات أخرى تاركة للمراجع السابقة المجال في الحكم من دون التدخّل وكأنّ في هذا تبنّيا واضحا لآرائهم. فبصورة اختزالية ومكثّفة لافتة، تمكّنت الباحثة أن تضعنا أمام مشهد الواقع العربي ما قبل الدعوة المحمّدية وخلالها وما بعدها، راسمة أفقا من التحليلات والاستنتاجات التي تخدم آراءها ورؤاها السّاعية إلى إطلاقها.. فوجدت أنّ المجتمع العربي آنذاك لم يكن بمنأى عن الوحي كحدث جديد عليهم بفعله الذي رفضوه أولا، لكنه ما كان غريبا بتطلعاته نظرا إلى ترويض المخيلة الإنسانية على استيعاب هذا الحدث واستعجاله أيضا مستعينة بالعديد من الآيات القرآنية التي تشير إلى معرفة الجاهليين بالكثير من المصطلحات التي استخدمها القرآن، بالإضافة إلى اعتمادها على ما قاله العديد من الشعراء في أكثر قصائدهم شهرة مما يشير إلى عدم الغربة بينهم وبين ذلك الحدث وما فيه من اتصال بين البشر وغيرهم من ملائكة وشياطين وجان، أو عدم استغرابهم فكرة الاتصال بين السماء والأرض عبر الرسل، لما اختزنته عقولهم مما تبقّى من ملامح دين إبراهيم الحنيف، بالإضافة إلى وجود الديانات التوحيدية الأخرى التي أسهمت في إبقاء فكرة الوحي وبعث النبي رغم انغماس الناس في عبادة الأوثان والأصنام.
وتستغل الكاتبة الغوص في مثل هذا الموضوع، لتعلن عما تعاني منه المجتمعات الدينية اليوم لما تحمله من وزر الميراث الديني بخطاباته التي انحرفت عمّا جاءت من أجله، حاملة على من يعمل على تحجير الفكر بحجة الدفاع عنه ومحاولة إعادته إلى صفاء النبع زمن النزول، بدلا من محاولة تغيير الثوابت التي أصبح تغييرها ضروريا في ظل التحولات والتبدلات التي يعيش الإنسان في خضمّها، متسلّحة بالتحولات التي فرضت نفسها على النبي نفسه والتعديلات التي طرأت على بعض الآيات القرآنية حيث مراعاة الظروف المتغيرة على مدى العشرين سنة التي استغرقها نزول الوحي، حيث إن آياتٍ نسخت آياتٍ أخرى بين مرحلتي الدعوة في مكة والمدينة، نظرا إلى التحوّلات التي فرضتها الحياة اجتماعيًّا وفكريًّا وسياسيًّا…هذا بالإضافة إلى تشديدها على ضرورة عدم اهمال العقل الإنساني والقيمة الانسانية كغاية الغايات.
وبرغم إحصائها الكثير من الأدلة والأدلاء لإثبات فكرة عدم استهجان الوحي، من خلال ذكر الله والبحث عن إله عبر الأصنام والتعايش مع معنى الملاك ومعرفة خصائصه عبر الأخبار والقصائد، إلا أنّ الكاتبة يفوتها موضوع التعامل مع كلمة الوحي نفسها، وهي عنوان البحث، من قبل الشعراء الجاهليين وإن أشارت إلى اعتقاد الشعراء بأنّ قوّة خفية تؤدي دورا في كتابتهم الشعر عبر وادي عبقر، لكنّ بعض الشعراء استخدم كلمة الوحي نفسها وبما تحمله من معنى لغة واصطلاحا، ككلام مشفّر بين طرفين لا يفهمه الثالث إلا إذا أعلن عن مضمونه، من دون تعمّق الكاتبة في ذلك. فقد وصف (علقمة) ذكَر النعام وهو يطمئن على فراخه من أنثاه بعد عاصفة بأنّ ما بينهما كان شيئا من اللغز الكلامي لا يفهمه السامع من دون شرحه إذ يقول:
يوحي إليها بإنقاضٍ ونقنقةٍ/ كما تراطن في أفدانها الرومُ
وكذلك فعل (لبيد) في وصف مشهد عبر صورة فيها من معاني الوحي الكثير حين قال:
فمدافع الريّان عُرّي رسمها/ خلقًا كما ضمن الوُحِيَّ سِلامُها
وما يلفت أيضا، غزارة الهنات اللغوية التي تتعب القارئ في استنباط المعنى، ما يجعلنا نتساءل: هل يجوز لكاتبة استطاعت أن تقارن بين آيات قرآنية عظيمة من حيث اللغة والبلاغة، أن تسقط في كمائن النحو، إذ لم تخلُ صفحات عديدة من أخطاء؟ أم أنّ هذه المقارنات الجميلة لم تكن من صنعها؟؟





