بدر العبري-كاتب عماني
بعد الافتتاح بالبسملة بدأ سبحانه الافتتاح بالحمد، وجعل (الحمد) مرفوعا على قول الجمهور ليكون قاعدة وأصلا، ومن جهة ثانية جعل (الحمد) معرفا بأل ليستغرق جميع المحامد.
وقد درج المفسرون في تأويلهم للآية الحديث حول الحمد والمدح والشّكر، والفرق بينهما وأيهما أعمّ، وهل بينهما عموم وخصوص، وبطبيعة الحال ليس هذا محلّ حديثنا.
الّذي يهمنا هنا الجانب الإنسانيّ من هذه الآية المباركة، فقد خصص الله تعالى الحمد له وحده سبحانه، وفي الوقت نفسه وصف نفسَه بأنّه ربّ العالمين.
فهنا المفتتح لكتاب الله تعالى يستشعر عالمين: عالم الإخلاص والأحدية، وعالم التّنوع والجنس الكونيّ.
فالإنسان وهو يسبح في عالم الفضاء، ويدرك ما في الوجود من مخلوقات وآيات عظيمة، تجري في نظام دقيق، ووفق سنن كونيّة منظمة، ثمّ سخرها لهذا الإنسان، فهذه الشّمس تسقط ضوءها على بعد معين، وجعل الله في الأرض من طبقة تحمي المخلوقات والإنسان من الأشعة الضّارة، وجعل في الفضاء ما يحفظ هذه الكواكب والنّجوم ومنها الأرض من السّقوط، وكلّ في فلك محدد يسبحون.
ثمّ لينظر إلى الطّبيعة، وما أوجد الله فيها من آيات متعددة، ومخلوقات متنوعة، بين الجماد والأحياء، ولينظر إلى نفسه، وما أودع الله تعالى في الذّات البشريّة من أسرار وآيات؛ هنا يدرك الإنسان الله تعالى المتجلي في كلّ شيء.
والله كما يتجلى في القرآن المسطور؛ في الوقت نفسه يتجلى في القرآن المنظور، وكلّ شيء يدلّ على نعم الله تعالى، وأنّ نعم الله تعمّ جميع ما في الوجود، فالجماد وإن كان جمادا بالنّسبة لإدراكنا، إلا أنّه لا يعدّ جمادا بالنسبة لله تعالى، فهو من المخلوقات الحيّة الّتي تتناسق مع الإنسان في الوجود.
لذا أول الحمد الاعتراف بالله وعظمته في الذّات والوجود، وهذا قمّة المدح والثّناء، يتبعه الشّكر لله سبحانه وتعالى والخضوع له.
ولهذا جعل سبحانه الحمد مخصصا بالله في لفظة: (لله) في جزئه الأول، وجعل الذّات الإلهيّة مربوطة وصفا للعالمين جميعا.
والعالم جمع لا واحد له من لفظه كقولنا الجيش مثلا، وسواء قلنا العالم مشتق من العلامة ليدل على الخالق الصّانع الموجد، أو من العلم ليعلم به، إلا أنّ الغاية واحدة، وهي عموم جنس العالم ليشمل ما في الوجود من ذوات وجماد وكائنات وكواكب ومجرات ونبات وفضاء فهي علامة لهذا الخالق، وعلمها يتوصل به إلى الله لأنّها من آياته في الوجود.
لذا كان البحث في الإنسان والطّبيعة والفضاء من العبادات لله سبحانه، واكتشاف سنن الوجود، وتسخيرها في خدمة البشريّة شكرا لله سبحانه، وحمدا له جلّ جلاله.
فالبحث في الإنسان والطّبيعة والفضاء يوصلنا إلى معرفة وجود الله؛ لأنّ لله المثل الأعلى، فمعرفة الله في آياته وليس في الصّراع حول قضايا غيبيّة لا تدرك إلا بالأدلة القطعيّة.
ولهذا كانت دائرة الغيب مغلقة، وهي دائرة صغيرة جدا، بينما دائرة الوجود مفتوحة للعقل والنّظر والبحث والتّأمل والتّدبر والاختراع والسّير، فترك النّاس الدّائرة المفتوحة وانشغلوا بالدّائرة المغلقة وحاولوا اقتحامها فوقعوا في الخلاف والاضطراب والتّشتت والنّزاع.
فبدلا أن يبحثوا عن صفات الله في الوجود ليدركوا الصّانع المتقن في صنعه، العظيم في خلقه، الجليل في سنن الحياة، بدلا من هذا تصارعوا في عدد صفاته، وهل له يد أو عين أو رجل، وهل يمشي ويهرول، وهل صفاته عين ذاته أم غير ذاته!!
ولو انشغلوا بالوجود لكان لهم شأن آخر اليوم، ولأدركوا أنّ الطّبيعة وكشفها هي أقرب ما يتوصل به إلى الله، ولانكبوا على علم الحياة وتدارسها لأنّها من آيات الله الّتي أمرنا بالسّير والبحث فيها، وتسخيرها لخدمة الإنسان.
و(الحمد) الثّناء على نعم الله، وهذا يدرك بكلّ ما في الوجود، فلولا دقة الصّانع لاختل الكون في ساعة، ولهذا أتى بحرف الجر اللّام المفيد للتّخصيص، فيكون الله مخصوصا بالحمد وحده، فلا يلجأ الإنسان إلى المخلوقات ولو كانوا أنبياء أو ملائكة أو قديسين، طلبا للشّفاعة، أو جلب منفعة، أو رفع ضر، وإنّما يلجأون إلى الخالق وحده سبحانه وتعالى لا شريك الله.
ولما خصص الحمد له وحده وصف نفسه بالرّبوبيّة، وهي من الملك أو السّيد أو التّدبير أو التّربيّة، فالله هو المالك السّيد للوجود، وفي الوقت ذاته هو المدبر له، وهذا من عظيم تربيته وربوبيته، ولهذا أضاف الرّب إلى العالمين جميعا.
ومن تربيته سبحانه أنّه خلق النّاس مختلفين في ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم وشرائعهم وطرق حياتهم، كاختلاف العالم أجمع، ليدلّ المتعدد على الواحد الأحد.
لهذا احترام الإنسان لذاته تعظيم لهذا الخالق جلّ جلاله، فيترك العباد لخالقهم، ولا يجوز إيذاء أحد لأيّ خلاف عقائديّ أو شرائعيّ، وترك الحكم الأخرويّ لله سبحانه.
والله هو الّذي خلق العباد، وهو أعلم بهم، لهذا كرر مرة أخرى الرّحمن الرّحيم، فهذا الخالق العلاقة بينه وبين مخلوقاته – كما أسلفنا – في الأصل علاقة رحمة، وهو خبير بعباده عالم بهم جلّ جلاله.





