أثير- د.عبدالله عبدالرزاق باحجاج

يبدو لنا المشهد السياسي الخليجي الخليجي ، أن لاعبيه الأساسيين قد توصلوا إلى قناعة الآن بعدم تمكن كل دولة أو فريق في حسم الخلافات في الأزمات الطارئة في المنطقة لصالحه ، من بينها أزمة الاشقاء التي تفجرت في العاشر من رمضان المبارك.
بل إنها -أي الازمات ، بما فيها الازمات اليمينة والسورية والليبية – تتجه ضد مصالح كل دولة ، وتأتي بنتائج عكسية و تستنزف المقدرات المالية للشعوب ، وتكرس تشطير الشعب الخليجي الواحد ، وترسخ داخله عداوات دائمة ، وتعطي ملامح مخيفة لتغير قوة التوازنات الاقليمية بشكل يحول بوصلة القوة الاقليمية جيوسياسيا واقتصاديا .
فهل سنرى انفراج الازمات وتحديدا ازمة الاشقاء في القمة الخليجية المقبلة في الكويت ؟ وهل هذه القمة تتوفر لها مقومات الوعي الشمولي بما يجب أن تكون عليه المعالجات الخليجية لقضاياها التي قد تفرق جمعها ، وتعيد تشكل تحالفاتها من جديدة؟
الاهم الذي يشغلنا كثيرا ، طبيعة الدولة التي نريدها في الخليج بعد كل هذه الاحداث، والتساؤل لا يزال مطروحا منذ مقالنا الاخير المعنون باسم (الدولة التي نريدها في الخليج) والذي جاء ردا على التنظير الذي طرحه دبلوماسي خليجي رفيع في العاصمة الامريكية ، والذي زعم فيه عن توجه عدد من الدول الخليجية نحو تأسيس الدولة الخليجية على المفهوم العلماني خلال العشر سنوات المقبلة .
ففي المقال السابق ، اثبتنا بان الاولوية الخليجية تتمثل في تغيير دور الدولة اولا ، وهنا غلبنا خيار دولة المؤسسات والقانون ، التي تكون فيها السلطة مقيدة وليست مطلقة ، والسلطات مستقلة ، وتحكمها مرجعية دستورية ، وتتبنى نظام التشارك في تدبير الشأن العام بين الحكومة والمجتمع عبر ممثليه في المجالس التمثيلية ، واعتبرنا ذلك ، شرطا لازما تفرضه تحول الدولة الخليجية من دولة ريعية الى دولة جبائية ، وله الاولوية على اية تنظيرات فلسفية أو سياسية .
- ماذا بعد إقامة دولة المؤسسات والقانون “المقترحة ” ؟
رغم أهمية هذا الدولة ، لكنها لن تكون لوحدها كافية لضمانة اقامة علاقات خليجية خليجية مستقرة ، سواء عبر حل المشاكل والقضايا القديمة ، أو انها ستكون كفيلة بحل اية مستجدات على هذه العلاقات .
العبرة تكون دائما للتطبيق ، وفي مجال التطبيق ، يظهر أنه عندنا اشكالية كبيرة في السلوك السياسي للدولة الخليجية، قديما وحديثا ، ومستقبلا ، ومؤشرات هذا المستقبل ، تبرز لنا الان في صور كثيرة ، مثل الادعاءات بحقوق تاريخية ومعنوية تحت هاجس صناعة تاريخ عميق لكيان سياسي حديث ، وهي بذلك تنفق الاموال الطائلة عبر الحدود بصورة مثيرة ومستفزة لشعوب في دول المنطقة ، ومثل هذا السلوك قد يفجر ازمة جديدة في المنطقة ، فوق ازماتها الجديدة والقديمة ، مما يدخلنا في فصل جديد من التوترات والتأزمات اللامتناهية في المنطقة .
- تساؤل للتأمل :
س : هل مثل هذا السلوك السياسي للدولة الخليجية يصنع الاستقرار في المنطقة أم يعمق ويفجر التوترات فيها ؟
ومنها كذلك معطيات قديمة / جديدة ، وتظهر صورها هنا ، في مساعي فرض المذهبية ، وتكفير مذاهب ومدارس فكرية ، لأهداف ابتلاع الجغرافيات الاقليمية بعد توحيدها الفكري والذهني .
- تساؤل للتأمل فيه.
س : كيف يمكن أن تقبل بعض دول الست بعضها في اطار سياسة الإقصاء المذهبي ، وتتعايش ايجابا مع سياسة التكفير ؟
ثم هل نتوقع سيادة الاستقرار في العلاقات الخليجية الخليجية ، ونحلم بالوحدة الخليجية ؟
- أين الخلل ؟
قد يكون كله أو معظمه ، في السلوك السياسي للدولة الخليجية, بشهادة الماضي والحاضر ، وهذا الأخير كما قلنا يجعل مستقبل العلاقات الخليجية الخليجية رهينة له ، ولن تغادره الدولة الخليجية ، ما لم يضبط السلوك السياسي الخليجي داخل حدوده الجغرافية السياسية حتى لا يؤثر على الابعاد الجغرافية الاقليمية .
إذًا ، كيف يمكن الاستفادة من الأزمات الخليجية الخليجية في تأسيس مرحلة تاريخية جديدة تأخذ بعين الاعتبار المخفي والمعلن في أزمة الاشقاء ؟؟ وما هى الدولة التي نريدها في الخليج ؟ بصرف النظر عن خياراتها السياسية ؟
المتأمل في المسار الجديد للعلاقات الخليجية الخليجية ، سيرصد مفارقة عجيبة ، وهى أن العلاقات الخليجية الخليجية قد أصبحت تنحى في مسار المواجهة غير المسبوقة ، بدأت بفصل من التأزم الشديد بين الرياض وابوظبي والمنامة ضد الدوحة ، نجم عنها سحب الثلاث دول سفرائها من الدوحة ، وانتهت بحلول مؤقتة وسطحية ، ثم تجددت بصورة مذهلة ، تجلت في الحصار والتهديد بالقوة ، واطلاق جماح الاعلام الخليجي دون قيد حتى وصل به الى الدخول في المحظورات .
ويتكرر الان النهج القديم نفسه ، وهو التركيز على الازمة المستجدة ، دون التعمق في جذور الخلافات الخليجية الخليجية ، المؤلدة للازمات أو الدافعة للتأزمات ، فمسارات الازمات المستجدة والمتصاعدة ، تحتم حلا جذريا ، وليست مسكنات ولا مهديات ، والا ستنفجر مرة أخرى ، وبأقوى من السابق ، والدليل ، تطور قضية سحب السفراء ، الى وصلت الى فرض الحصار ،وما اعقبها من تداعيات عدائية تستمد جذورها من تاريخ خلافاتها العميقة وليست المستجدة لوحدها ، بتوقيع السلوك السياسي الذي تطغي عليه حسابات الاقصاء والابتلاع وجنون الجغرافيا الجديد .
ولو تكررت أزمة الاشقاء مجددا ، فالسيكولوجية الخليجية مهيأة لأية حالة انفجارية جديدة ، ومستعدة للذهاب مع الممكن واللاممكن الى اليمين او اليسار ، لذلك لابد على الباحثين عن حل أن لا يغرقوا في ظرفيات الازمة من منظور المطالب التي تم اختزالها الى ستة مطالب فقط من مجموع ثلاثة عشر مطلبا ، وانما جعل هذه الازمة جسر عبور لحل مجموع المشاكل والقضايا الخليجية ، كيف ذلك ؟
- مبادرة تاريخية .. كمبادرة 1981.
يظل الواقع السياسي الخليجي الراهن ، اسير حمولات سياسية ثقيلة وعميقة جدا، لن تدفع بمساعي حل ازمة الاشقاء في الخليج الى التوصل الى حل نهائي لها ، ومنها نجد أن منطقتنا الخليجية في أمس الحاجة اليوم الى تفكير شبيه بالتفكير الذي أنتج لنا في مايو 1981 المنظومة الخليجية .
والا ، فإين التساؤل حول الى اين نحن سائرون ؟ يفتح مجموعة اشكاليات كبرى تفتت التحالفات الخليجية الخليجية التي انتجها تفكير 1981، وتفتح للجغرافيا تحالفات اقليمية جديدة ، بااكراهات وتحديات أكبر من تلك التي تعيشها الدول الست داخل منظومتها الخليجية .
وما ازمة الاشقاء سوى انفجار ، قد يتبعه أو يصاحبه انفجارات أخرى ، في ضوء ما اشرنا اليه سابقا ، والناجمة عن السلوك السياسي المثير والمستفز ، والناجم كذلك عن توظيف المذهبية لأهداف سياسية .
وبصراحة ، يمكن القول ان هذا السلوك السياسي ، يفجر الان جنون الذاتية الضيقة على حساب الذاتية الجماعية ، حتى قبل اندلاع ازمة الاشقاء في العاشر من رمضان المبارك الاخير، ويستمر الى الان .
* ومن نتائجه ؟؟
اندلاع معركة كسب ولاءات القوى والنخب الاقليمية المؤثرة ، واعادة تدويرها بعد نجاح محاولات بسط نفوذ الذاتية في اطار جيوسياسي اقليمي بالغ الاهمية ، وكذلك مساعي تزوير التاريخي السياسي الإقليمي ، من هنا بدأ لنا هذا السلوك السياسي في تطبيقاته الاقليمية من بين كبرى التحديات الانية التي تواجه الست دول مجتمعة .
وهو أخطر من أزمة الأشقاء، وتداعياتها ، لأنه يحاول تغيير الابعاد الجغرافية السياسية للمنطقة بأكملها ، وتعزيز كيانه المعنوي بادعاءات تاريخية ، وهى في تصاعد ، وهذا خطر أحمر يتم تجاوزه ، وبالتالي ، على اي أسس ومعايير يتم حل ازمة الاشقاء ، هل من منظور المطالب بعد تفكيك ما هو تعجيزي فيها وبقاء جنون الجغرافيا والمذهبية تفجر لنا أزمات مقبلة أو من منظور شامل برؤية مستقبلة ؟
- قمة خليجية للتصالح مع الذات الجماعية.
بعد تشخيصنا السريع للواقع السياسي الخليجي ، فإن آمال الشعوب الخليجية تتجه فعلا للقمة الخليجية المقبلة في الكويت ، الى التعاطي مع قضايا ومشاكل الخليج ، من البعد الشمولي على خلفية حل ازمة الاشقاء ، وذلك من منظورين عاجلين ، الاول ، تصالح الدولة الخليجية مع ذاتها الداخلية في اطار تأسيس دولة المؤسسات والقانون للبعض ، وتعزيز واستكمال مقومات هذه الدولة للبعض الاخر ،وحتمياتها قد اشرنا اليها في مقالنا السابق .
والثاني : التصالح مع ذاتها الخليجية ، عبر إصدار وثيقة تكبح جماح المذهبيات الاقليمية عبر توطينها داخل حدودها السياسية ، وجعل الدين الاسلامي لا المذهب دين الدولة – كالحالة العمانية – وهذه نقلة لمفهوم الدولة الخليجية من المفهوم المذهبي الاحادي والملزم ، الى الاعتراف بحق التعدد داخل هذه الديانة ، عوضا عن تجريد مفهوم الدولة الخليجية من بعده الثيولوجي (الديني).
وكذلك احترام الحقوق المادية والمعنوية للدول التاريخية ، واعتبار المساس بها ، بمثابة المساس بجوهر الاستقرار في المنطقة ، وأخيرا ، تطوير منظومة مجلس التعاون الخليجي من منظور ان كل دولة من الدول الست تشكل تكاملا امنيا وعسكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، جماعيا ، بمعنى أن اية دولة لن تتمكن لوحدها تشكيل هذا التكامل ، ولو في جزئية منه .
من هنا ، ستختفي الأطماع الجيوسياسية ، وستظهر الجغرافيات الجيوسياسية الخليجية كمنظومة واحدة ، تستفيد جميعها من منافذها البحرية الواقعة على البحار المفتوحة البعيدة عن مناطق النزاع والتوترات ، والتي هى الان أحد الأسباب التي ستفجر صراعات إقليمية جديدة.
- هل نحلم بالدولة الخليجية القانعة بحدودها وتراثها ؟ لو فكرنا في ظروف ولادة المنظومة الخليجية عام 1981، فسنجد أن حلمنا في الدولة الخليجية القانعة بحدودها السياسية الراهنة، والمتصالحة مع ذاتها الداخلية والخليجية ، ليس مستحيلا ، وإن ظهرت بعض المعرقلات ، وهى شخصية ، بل شخصانية ، فردية ، لكنها وقتية ، الاهم أن تنطلق المبادرة من عقلاء الخليج الان ، لكي تباركها الشعوب ، لربما يضع الله فيها الأثر ، وهذا ليس ببعيد ،ولا مستحيل .





