أثير- إيمان الحوسنية
يعد تفسير الأحلام أحد الحقول المهمة التي اهتم بها الإنسان على مر التاريخ البشري بالاستقصاء والبحث والدراسة، وقد استخدم لذلك مناهج مختلفة محاولا سبر أغوارها كالفلسفة والدين والعلم.
“أثير” أجرت حوارًا مع الباحث والكاتب أحمد النوفلي، مؤلف كتاب ” أقانيم اللامعقول” والذي تطرق لهذا الموضوع باستفاضة في كتابه.
وفي سؤال عن أهمية دراسة الأحلام، أجاب النوفلي” الأحلام والرؤى شغلت بال البشرية منذ القدم، وخاضت تجارب من الدراسات الدينية والفكرية والتاريخية والنفسية وعلم الأعصاب، وهي تشكل تحديًا الآن أمام الواقع والعلم والفكر، بل حتى في عصرنا اشتغلت علوم برامج الهاتف عليها، ذلك لأن طبيعة العلم فيها تراكمي. من هنا أرى أن دراستها أمر ضروري، لأن تلك الدراسات لم تقل كلمتها الأخيرة حولها، خاصة أن الدجاجلة ما زالوا مستغلين أصحاب العقول الساذجة تحت اسم تفسير الأحلام، وبعض الأيدلوجيات ما زالت تبني معتقدتها على الأحلام والرؤى، ووفقها تمارس الحياة اتجاه الله، والإنسان والكون. لذا من الواجب علمياً دراسة الرؤى والأحلام وفق الدراسات العلمية الحديثة فتقديم العلم على الوهم والدجل واللامعقول أولى من خداع الناس والمجتمعات الضعيفة بقصد أو بدون قصد عبر كتب وبرامج تلفزيونية لتفسير الأحلام والترزق من ورائها.”
وعن كيفية تفسير الأحلام والمنهج الذي يستخدمه، أوضح” الدين هداية للناس نحو التي هي أقوم، ومن الناحية القرآنية فالقرآن تحدث عن رؤى حدثت في أزمنة معينة في سياق قراءة الناس لتلك الأحلام والرؤى واهتمامها بها، وهي مرحلة من عمر البشرية، وعلينا أن نستفيد منها، أما العلم، فهناك علم النفس وهناك ثلاث نظريات قدمت من قبلها وهي:نظرية مدرسة التحليل النفسي لمؤسسها فرويد، والذي ينطلق من أن الأحلام تحقيق رغبة، وذلك بالكشف عن مصدر نفسي منبه للحلم لم يتجه نحوه التفكير . لكن اعتبار أن الأحلام تحقيق رغبة هي ليست رؤية فرويد وحده، بل هناك من سبق فرويد في ذلك، فهي رؤية كانت حاضرة لدى أطباء وفلاسفة الإغريق من الطبيب بهيروفيلوس الذي عاش أيام بطليموس، والذي كان يعتقد أن بعض الأحلام تنشأ حين تتصور النفس ما فيه نفعها وما سوف يقع.
وأفلاطون في كتبه “الجمهورية” يرى أن الشهوات تثور في النوم حين يكون القسم العقلي الأليف الحاكم في النفس نائما، عندها تكون الشهوات النفسية مطلقة اليد خالية من كل شعور بالحياء أو التفكر. بل إن الحلم تحقيق رغبة ورد عن أسلاف المسلمين وتكرر ذلك لديهم قبل فرويد في كتبهم بعبارات مختلفة منها: (ليس للحالم إﻻ ما اشتهى). وفيما يبدو أن المسلمين وفرويد أخذوا الفكرة من أفلاطون والذي اختفت شخصيته في كتابه “الجمهورية” وراء فكر سقراط بطل مسرح الكتاب وهناك آراء أخرى لمدرسة فرويد متعلقة بالأحلام ذكرتها مع نقدها في كتابي “أقانيم اللامعقول في الرؤى والأحلام السؤال والتحليل والنقد”. ثانيا: رؤية الفرد آدلر مؤسس مدرسة علم النفس الفردي، والذي كان يرى أن الحلم ما هو إﻻ ناتج من نواتج أسلوب حياة الفرد ودائماً ما يتفق معها تمام اﻻتفاق. وهذا يعني أن الحلم هو بسبب المشاكل التي يواجهها الشخص في حياته فﻻ يجد لها حلا، فحينما تهدأ حياته ﻻ يكون هناك حلم أي الحلم كسر لهدوء النوم. ولكن ذلك ﻻ يمكن قبوله، لأن الحلم علمياً ﻻ يتوقف، لأنه متعلق بنشاط الدماغ. وهناك رؤية كارل يونغ مؤسس مدرسة علم النفس التحليلي، والذي نظر إلى الأحلام من وجه آخر وهو وجه الرموز وأغناها بالدﻻﻻت، حتى شملت الأساطير والأديان، فلم يحصرها كما فعل أستاذه وصديقه فرويد في الرغبة الجنسية، بل وسع ذلك لتدل على الطاقة النفسية. كما أني في كتابي “الأقانيم” توسعت في طرح رؤيته ونقدها.وفيما يبدو أن جميع تلك النظريات ينقصها العلم، أي علم أعصاب المخ.
فكل ما يحدث من حلم فهو بسبب فص الدماغ الأيمن والذي ينشط في النوم كما تثبت بذلك الدراسات العلمية، وذلك بأن مناطق معينة من المخ تنشط أثناء حركة العين السريعة عند النوم. فأصلا مصدر الحلم ليس النفس، وﻻ الشياطين، ﻻ الملائكة وﻻ غيرها من الأشياء، وإنما مقدرها حراك أعصاب المخ أثناء النوم. وأوضحت ذلك وشرحته باستفاضة في كتابي “الأقانيم”.
وأضاف ” أما المنهج الذي أتبعه في دراستي التحليلية والنقدية فهو أولاً: اﻻعتماد قبل كل شيء على النظر في القرآن الكريم، وذلك كما ذكرت سابقاً بأن القرآن كتاب لهداية ولهذا أهتدي به في دراستي بل في حياتي بأكملها، فأنا أحلل وأنقد روايات نسبت إلى النبي عليه السلام وذلك بعرضها على القرآن الحكيم. ثانياً: بعرض المعارف والنظريات والدراسات على سنن الكون والعلم، لأن الكون له قوانينه الثابتة، وما يعارض ذلك أرفضه، والعلم فيه اليقين، وعندي العلم يختلف عن المعرفة، فالمعلم يقين ثابت كقوانين الكون، وأما المعرفة فهي متحركة ومتحولة وذلك كالنظريات العلمية والنفسية والآراء الفكرية.
وأما عن الفرق بين الحلم والرؤيا، قال” طرحت كتب الأثر والدراسات النفسية والعلمية تعاريف للحلم والرؤيا، وهي من وجهة نظري تعاريف متقاربة، ومقلدة لبعضها بعضا، وإن كانت الرؤى العلمية ﻻ تتعامل مع الحلم والرؤيا على أنهما شيئان مختلفان، لكن مدوّنات الموروث المعرفي لدى المسلمين يفرق بينهما وفق ما رسخ في الأذهان بأن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، وهذا التعريف هو في حقيقته ليس بتعريف بقدر ما هو حديث عن مصدرهما، وحتى على أنهما مصدر الحلم رأي ﻻ يمكن التسليم له بالصحة، وذلك لأن علم الأعصاب يوضح بأن كل ما يحدث في مشاهد في المنام هي من نشاط فص الدماغ الأيمن، وبالتالي هذا التقسيم ﻻ علاقة له بالشيطان. أما من الله فكل شيء من الله، وليس هذا مربط الفرس، فمربط الفرس هو تعريف الحلم والرؤيا.
من وجهة نظري والتي أتفق فيها مع الباحث الأستاذ خميس العدوي بأن الحلم: هو الحدث المنامي نفسه، بكل أوضاعه: من التذكر والنيسان، والتدخل والأضغاث، والمتسلسل واللامتسلسل، والزمان واللازمان، والمكان واللامكان، والمعقول واللامعقول، قابل للتحليل وغير قابل للتأويل.
وأما الرؤيا: فهي العلم بالحلم، أي ما تبقى من الحلم في ذهن الحالم حال يقظته، حيث يُبنى معرفياً ومنطقياً بحسب معرفة الحالم ومنطقه، في حدود اﻻجتماع البشري الذي يعيشه وثقافته، وهي قابلة للتحليل والتأويل.
وختم النوفلي حديثه لـ “أثير” برأيه حول من يذهبون لمفسري الأحلام، قائلا: ” لست من المشجعين للذهاب إلى مفسري الأحلام لأنها وفق رؤيتي أصلاً ﻻ تفسر وﻻ تأول، ولكن ما يفسر ويأول هو الرؤيا والرؤيا ليست حلما، بل كل ما يتحدث به الناس يمكن تأويله وتفسيره سواء اعتبر مشهد منامياً أم كان واقعاً حقيقياً. ومفسرو الأحلام بما فيهم المختصون في علم النفس يمارسون دجلا وخداعاً على السذج من الناس، أما الإنسان العاقل والواعي ﻻ يذهب إليهم وﻻ يسعى إلى إيجاد من يفسر له حلمه أو رؤياه، بل من المهم ألا نلقي بالاً للمشاهد المنامية، لكونها أمر طبيعي يحدث لكل إنسان كبيراً كان أم صغيراً، بل حتى الحيوانات تحلم وفق الدراسات العلمية. وأقول لمن يذهب إلى مفسري الأحلام ﻻ تصدق هؤﻻء، بل صدق واقع حياتك واسع إلى بنائها ونقدها وإعادة صياغتها نحو الرقي والتألق والإصلاح.





