خاص- أثير
لم تكن الأودية في سلطنة عُمان يومًا مجرد مجارٍ موسمية للمياه، بل كانت جزءًا أصيلًا من الجغرافيا، وامتدادًا لذاكرة الإنسان العُماني في تعامله مع الأرض. غير أن هذه العلاقة، التي اتسمت تاريخيًا بالتكيّف والفهم، بدأت تتعرض لاختلال مع توسع المدن وتسارع النمو العمراني خلال العقود الماضية. ومع كل حالة جوية مصحوبة بأمطار غزيرة وجريان للأودية، كانت الأسئلة ذاتها تتكرر: هل المشكلة في الطبيعة؟ أم في المدن التي لم تُصمَّم لتستوعبها؟
لكن الوقائع تقول حكاية أخرى، إذ فُتح ملف الأودية في سلطنة عُمان على مصراعيه، ليس للتعامل معها كحالة مؤقتة مثل إزالة تداخلات أو تعديل خرائط، بل لتفكيك مشكلة تراكمت عبر سنوات، حيث التقت الأراضي السكنية والتجارية وغيرها بمسارات الأودية، وتحوّلت الطبيعة إلى خطر.
تقدم “أثير” عبر هذا الموضوع، قصة الأودية في سلطنة عُمان، وكيف تسعى سلطنة عمان في معالجة هذا الملف.
معالجة ملف الأودية
انطلقت معالجة ملف الأودية في سلطنة عُمان ضمن مسارين، كان أساسها معالجة “الجذور”، فركز مسار على المشروعات الجديدة، التي تدرس طبيعة الأرض وحالتها وكيفية التعامل مع كميات الأمطار المختلفة التي قد تتعرض لها، فتم بناء المشروعات الجديدة كالمدن المستقبلية ومشاريع مبادرة صروح وغيرها من المخططات التي استشرفت المشهد في المنطقة.
لكن المعالجة لا تتوقف عند المشروعات الجديدة، بل كان المسار الآخر يُركز على كيفية التعامل مع تحديات المشروعات القائمة التي تتداخل مع مسارات الأودية؟
تفكيك معقد
مع دخول “التخطيط العمراني” على الخط مع وزارة الإسكان عام 2020م، لتصبح وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، بدأت مبادرات وإجراءات عديدة، انطلقت من مرونة المحافظات في التعامل مع الأنواء المناخية وصولاً إلى الكفاءات التي تتعامل مع ذلك، ويمكن إيجاز أبرز الإجراءات التي تمت في هذا الملف، في الآتي:
- إعداد دراسة شاملة لقياس مرونة المحافظات في التعامل مع الأنواء المناخية، من حيث الجاهزية والاستجابة والتعافي.
- دراسة المجاري المائية بالتنسيق مع الجهات ذات الاختصاص، بهدف توحيد مساراتها وتنظيمها.
- حصر الأراضي المتداخلة كلياً أو جزئياً مع المجاري المائية.
- إلغاء جميع القطع الشاغرة الواقعة ضمن نطاق المجاري المائية.
- تنفيذ برامج تدريب وتأهيل لعدد كبير من المهندسين في مختلف المديريات والدوائر الإقليمية التابعة للوزارة بالمحافظات، لرفع كفاءتهم في التعامل مع المناسيب التعميرية، وتمكينهم من إدارة المناطق المنخفضة والمعرضة للفيضانات، سواء في المخططات الحالية أو المستقبلية، بما في ذلك التعامل مع منسوب الصفر المعماري
معالجة المشروعات القائمة المتداخلة مع مسارات الأودية
يُعد هذا المحور الأكثر تحديًا، فهناك تداخل واسع بين الأراضي الفضاء والمعمرة بأشكالها (حكومية/ سكنية/ سكنية تجارية) وبين الأودية، كما إن تطور الحالات الجوية وكثافة الأمطار، نتج عنها جريان أودية كانت قد توقفت لسنوات طويلة. تضمن هذا الملف عددًا من الإجراءات، ومنها:
- المبادرة الاستراتيجية “حلحلة مسارات الأودية”
- معالجة المباني المدرسية المتأثرة بمسارات الأودية
- دراسة تفصيلية للمعبيلة الجنوبية والأراضي المتداخلة مع مسارات الأودية
- تسريع التعامل مع ملف تعويضات منخفض المسرات
ومع استعراض تفاصيل الإجراءات التي تمت، يتضح أن تراكم الخبرة والدراسة والتجارب السابقة، أسفرت عن جهود جماعية في التفاعل مع ما نتج عن منخفض المسرات، فتم إتاحة التقديم على طلبات التعويض عن الأضرار، خلال فترة الحالة الجوية، وليس بعدها، وفي مكان واحد.
المبادرة الإستراتيجية “حلحلة مسارات الأودية”
تُعد “حلحلة مسارات الأودية” مبادرة استراتيجية وطنية قادتها وزارة الإسكان والتخطيط العمراني ، بهدف حماية الأرواح والممتلكات وتعزيز كفاءة التخطيط العمراني وضمان الاستعمال الآمن والمستدام للأراضي. وركزت المبادرة من انطلاقها على وضع منهجية وأسلوب عمل يضمن الوصول لأفضل المخرجات، والتي استهدفت:
- تحديد مسارات الـودية
- حصر الأراضي المتداخلة مع مسارات الأودية في كافة المحافظات الإقليمية ومعالجتها
- توفير بدائل للأراضي المتداخلة والتي لا يمكن معالجتها
ما النتيجة؟
إلغاء جميع الأراضي الشاغرة المتأثرة بمسارات الأودية بنسبة 100%، ومعالجة (17,608) حالة على مستوى جميع المحافظات، شملت:
- معالجة هندسية لـ 562 حالة بنسبة 3%
- معالجة تخطيطية لـ 17,046 حالة بنسبة 97%
- اعتماد كشوفات التعويض للأراضي الفضاء، من خلال تخصيص أراضي بديلة لـ 772 حالة بنسبة 100% مع إرفاق الرسومات المساحية المعتمدة.
- حصر المواقع القائمة المتأثرة البالغ عددها 186 موقعًا، يغلب عليها الاستعمال السكني والزراعي وبكلفة تقديرية تصل لـ 30 مليون ر.ع
- إصدار 73 رسمًا مساحيًا معتمدًا لمسارات الأودية.
الأهمية الحقيقية لهذه الأرقام لا تكمن في حجمها فقط، بل في طبيعة الحلول التي طُبقت. فغالبية المعالجات كانت تخطيطية، وهو ما يشير إلى تحول في النهج، من الاعتماد على الحلول الهندسية المكلفة إلى إعادة تنظيم استخدامات الأرض. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن إدارة المخاطر لا تبدأ بالبنية التحتية، بل بالتخطيط نفسه.
معالجة المباني المدرسية المتأثرة بمسارات الأودية
كان للمباني المدرسية المتأثرة بمسارات الأودية ملف خاص، أثارته منخفض المطير الذي أثّر على عدد من المحافظات منها محافظة شمال الشرقية في أبريل 2024م. وبدأ العمل من خلال منهجية متدرجة، بدأت برصد الحالات المتداخلة، ومسارات الأودية وتقييم مستوى الخطورة لكل موقع. نتيجة لذلك، تم إصدار قرار بتشكيل فريق فني مشترك بين وزارة التربية والتعليم آنذاك -وزارة التعليم حاليًا- ووزارة الإسكان والتخطيط العمراني، ليتولى حصر الأراضي المدرسية المتأثرة كليا أو جزئيا، بالاعتماد على الزيارات الميدانية وتحليل الخرائط المكانية والبيانات الطبوغرافية. كما جرى توجيه مديريات الإسكان والتخطيط العمراني في المحافظات للتنسيق المباشر مع نظرائهم في المديريات العامة للتربية والتعليم لاستكمال عمليات الحصر ودراسة البدائل المناسبة لكل حالة.
وأسفرت هذه الجهود التشاركية عن معالجة 162 موقعًا مدرسيًا ضمن حزمتين، تشمل 108 مدارس قائمة و 54 موقعًا لمدارس الفضاء، بما يسهم في تعزيز سلامة البيئة التعليمية وضمان استدامة الخدمات المدرسية في مختلف المحافظات. وقد تمت معالجة المواقع المتأثرة إما من خلال إيجاد بديل للقطعة المتأثرة، أو معالجات تخطيطية مناسبة، أو عبر حلول هندسية مثل تغيير مسار الوادي أو إنشاء جدار حماية وفق ما تقتضيه طبيعة كل موقع.
دراسة تفصيلية لـ “المعبيلة الجنوبية”
شملت الجهود الخاصة بالمعبيلة الجنوبية بولاية السيب، حصر الأراضي المتداخلة مع مسارات الأودية، حيث بلغ عددها الإجمالي 221 قطعة أرض، منها 121 قطعة فضاء و 100 قطعة قائمة. وتنوعت الاستعمالات في القطع القائمة لتشمل:
- 6 قطع ذات استعمال حكومي
- 5 قطع ذات استعمال سكني تجاري، وبلغت القيمة التقديرية لهذه الإشغالات نحو 2.25 مليون ر.ع
- 89 قطعة ذات استعمال سكني، وبلغت القيمة التقديرية لهذه الإشغالات نحو 12.4 مليون ر.ع.
إثر ذلك، تم اتخاذ عدد من الإجراءات لمعالجة 221 قطعة:
- معالجة 17 قطعة
- رفع التأثير عن 34 قطعة
- تنفيذ مشروع القنوات لمعالجة 164 قطعة
- 6 قطع تحتاج إلى معالجة مستقبلية.
اختبار جديد: منخفض المسرات
برزت أهمية تلك المعالجات في التعامل مع التأثيرات الناتجة عن منخفض المسرات، الذي أثر على العديد من المحافظات خلال شهر مارس 2026م، ونتج عنه أمطار غزيرة وجريان للأودية، وتأثر المساكن والممتلكات. فكانت الاستجابة سريعة، وتحدث عنها سعيد بن عامر الحراصي رئيس قسم متابعة البرامج الإسكانية والشراكة المجتمعية بوزارة الإسكان والتخطيط العمراني في وقت سابق، وتمثلت في:
- إعداد دليل استرشادي للتعامل مع مثل هذه الحالات الطارئة، ومراجعته مع عدة جهات ذات العلاقة، وتم اعتماده من قبل المسؤولين في الوزارة، ويتضمن تحديدًا واضحًا للأدوار والمسؤوليات في مختلف الجهات، وآلية التعامل مع مثل هذه الحالات منذ بدء حدوث الأنواء المناخية والحالات الطارئة لغاية انتهائها.
- إطلاق رابط إلكتروني يتبع وزارة الإسكان والتخطيط العمراني يتيح للمواطنين المتأثرين تقديم طلباتهم بشكل مباشر، لتسهيل الوصول إلى جميع الحالات المتضررة بسرعة عاجلة، ويتم استكمال البيانات المطلوبة وإرفاق المستندات الداعمة، مما يسهل الوصول لهذه الحالات وتسهيل حصرها ودراستها بشكل أسرع. وتم الإعلان عن تحديد 5 أيام كحد أقصى لتقديم الطلب يهدف لتسريع حصر هذه الحالات والبدء في معالجتها بشكل أسرع، مع مراعاة الظروف الاستثنائية التي تواجه بعض المواطنين.
- تعتمد دراسة الحالات المتضررة على تقارير ميدانية تنفذ من خلال الفرق الفنية من المهندسين والفنيين المتواجدين في كافة المحافظات للتحقق الميداني واستكمال الإجراءات والتقييم من قبل الفرق المختصة، ويتم حصر وتقييم الأضرار وفق معايير فنية دقيقة تشمل درجة الضرر سواء كان كليًا أو جزئيًا ومدى صلاحية المسكن المتأثر، وكذلك مستوى التأثير الإنشائي، مع ضرورة أن يكون المسكن مشغولًا بالسكن وغير مهجور. كما إن الفرق الميدانية ستحصر حتى الحالات المتواجدة في نفس المنطقة لضمان عدم استبعاد أي حالة مستحقة.
المشروعات المستقبلية
تم الاستفادة من التجارب المتراكمة والتاريخ الطويل للتعامل مع الأودية في سلطنة عُمان، وذلك في المشروعات الجديدة لتكون أكثر استدامة ومرونة، فلم يعد التوجه “تجنب الأودية”؛ بل دمجها في التخطيط العمراني، لينتج عنها حدائق ومساحات مفتوحة ومواردًا يُعزز من المدن.
المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى
تتضمن الرؤية التخطيطية للمشروع في هذا الجانب عدة ركائز أساسية، ومنها منظومة الحماية من الكوارث الطبيعية، إذ يُقر المخطط إنشاء أكثر من 16 سداً جديداً للحماية، بالإضافة إلى شق وتطوير 250 كيلومتراً من قنوات تصريف المياه السطحية لاحتواء التدفقات المائية العالية وحماية الأحياء السكنية والمرافق. واستراتيجية “حدائق الأودية”، إذ عوضاً عن التعامل مع الأودية كعائق تخطيطي، يتبنى المخطط دمجها في النسيج العمراني كمتنفسات طبيعية. ويتضمن ذلك إنشاء 4 “حدائق أودية” رئيسية ضمن استراتيجية المساحات المفتوحة، مما يساهم في زيادة الرقعة الخضراء وإدارة مياه الفيضانات بطريقة بيئية وهندسية ذكية. بالإضافة إلى إعادة توجيه التطوير العقاري، إذ يُعالج المخطط التعديات السابقة على مسارات الأودية ومجاريها الطبيعية، والتي فاقمت من تأثيرات الأعاصير والأنواء المناخية الماضية، عبر اعتماد خرائط دقيقة لمخاطر الفيضانات، تُحدد الأماكن الآمنة للتوسع العمراني وتمنع البناء في بطون الأودية ومناطق التجمعات المائية.
مخططات الأحياء السكنية ضمن مبادرة “صروح”
تسهم مخططات الأحياء السكنية ضمن مبادرة “صروح” في تعزيز جاهزية الأحياء السكنية لمواجهة مخاطر الأودية والأنواء المناخية، من خلال تبنّي نهج تخطيطي متكامل يراعي خصائص الموقع الطبيعية منذ المراحل الأولى للتصميم. وتشمل هذه الجهود إنشاء شبكات تصريف مياه الأمطار وفق معايير هندسية متقدمة، والحفاظ على مسارات الأودية الطبيعية ضمن المخططات، إلى جانب توجيه الانحدارات الأرضية بشكل مدروس يحد من تجمع المياه داخل الأحياء، بما يساهم في تقليل المخاطر وتعزيز استدامة البنية الأساسية.
أثبتت هذه المنهجية فاعليتها في عدد من المشاريع المنفذة، مثل “حي النسيم” في ولاية بركاء، الذي أظهر كفاءة عالية في تصريف مياه الأمطار دون تسجيل تجمعات مائية، الأمر الذي يعكس جودة التخطيط والتنفيذ. ويجري حاليًا تطبيق هذا النموذج في أكثر من 20 مشروعًا في الإنشاء، إضافة إلى خطط لإطلاق ما لا يقل عن10 مشروعًا جديدًا خلال العام الجاري، بما يعزز من جاهزية الاحياء السكنية لمواجهة التحديات المناخية المستقبلية.
مدينة السلطان هيثم
تعتمد المدينة استراتيجية هندسية متكاملة، تحاكي مدن المستقبل وتصادق البيئة، إذ تعتمد على استيعاب مياه الأمطار وتوجيهها بسلاسة من خلال بنية تحتية مرنة وتصاميم ذكية للمدن. فتتمتع المدينة بشبكة قادرة على استيعاب أمطار غزيرة تصل إلى 250 ملم في اليوم الواحد، وتُطبق مواصفات هندسية صارمة، حيث اعتمدت دراسات حركة المياه على إعصار “جونو” كأساس للتصميم.
تنتشر في الأحياء حلول طبيعية مثل الحدائق المطرية والأسطح الخضراء والأرصفة المسامية تمتص مياه الأمطار لتخفف من الجريان السطحي العنيف، وتغذي الأرض لتبقى وجهة دائمة الخضرة، والأودية تتألق كمنتزهات مزروعة بالنباتات المحلية في الأيام المعتدلة وتتحول تلقائيًا وقت العواصف إلى قنوات تصريف آمنة بعمق 4 أمتار.
ما حدث في ملف الأودية في سلطنة عُمان يعكس تحولًا أعمق من مجرد تطوير في الأدوات، إذ يشير إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والبيئة في التخطيط العمراني، فبدلًا من السعي للسيطرة على الطبيعة، يتجه النهج الجديد إلى فهمها، والتكيف معها، وتوظيفها ضمن منظومة عمرانية أكثر مرونة واستدامة.
ولأن حكاية سلطنة عُمان مع الأودية لا تتوقف، فإن المعالجات ستظل عملية مستمرة، تتطور مع تغير المناخ واتساع نطاق الحالات الجوية وعودة مسارات مائية كانت قد غابت لسنوات.
فالتحدي لا يكمن في الأودية… بل في قدرة المدن على التعلّم منها.





