د.عبدالله باحجاج يكتب: الموانئ العمانية.. وتحدياتها الجيوسياسية الحديثة

د.عبدالله باحجاج يكتب: الموانئ العمانية.. وتحدياتها الجيوسياسية الحديثة
د.عبدالله باحجاج يكتب: الموانئ العمانية.. وتحدياتها الجيوسياسية الحديثة

أثير- د.عبدالله باحجاج

أثير- د.عبدالله باحجاج

عندما نفتح التاريخ البحري العماني ، ونغوص فيه ، سيظهر لنا حجم رهانات عمان التاريخية على البحر أكثر من اليابسة –هكذا سيظهر لنا منذ الوهلة الاولى – كما سيظهر دوره أي البحر في ازدهار الحضارة العمانية، وتحويل عمان التاريخية كأكبر قوة اقليمية على الإطلاق في المحيط الهندي والخليج بعربه وفرسه.

سيخرج من قراءته لهذا التاريخ ، دور الموانئ العمانية في التجارة العالمية ، وكيف أصبحت هذه الموانئ تشكل مصدر داخل اساسي لعمان التاريخية ، ثم سيتساءل ، كيف ، ولماذا لم تكن هذه الموانئ منذ عدة سنوات على الاقل لها الاهمية الاقتصادية التاريخية نفسها ؟ وهل يمكن لبلادنا الان أن تنجح في جعلها من بين مصادر الدخل الاساسية بعد ما تبنت رؤية 2040 قطاع اللوجستيات ضمن خمسة قطاعات بديلة للنفط؟

الدور التاريخي للموانئ العمانية

الدور التاريخي للموانئ العمانية

في كتابه ” أسياد البحار ” يؤكد الباحث حمود بن حمد جويد الغيلاني ، أن اهمية الدور العماني في التجارة العالمية لم يكن في امتلاك السفن ، وصناعتها ، ونقل التجارة ، بل كان كذلك عبر ممارسة التجارة شراء وبيعا ، وقد وصلوا الى الصين شرقا وافريقيا جنوبا والى حضارات بلاد الرافدين شمالا وحتى البحر الاحمر بالاتصال بالحضارة الفرعونية في مصر وبلاد الشام.

ويحدد الغيلاني عمق نشاط الملاحة التجارية العمانية من الالف الخامس قبل الميلاد الى منتصف العشرين الميلادي ، ويوضح لنا في كتابه ، كيف تحولت بعض الموانئ العمانية الى مراكز تجارية عالمية للتصدير والاستيراد ، فمثلا صور ، يقول عنها مستشهدا بمراجع تاريخية إنها أصبحت سوقا عالمية للتجارة الحرة ، ترد اليها السفن من مختلف بقاع الارض.

وكذلك صحار بوابة الصين وخزانة الشرق والغرب، بحيث كانت محطة ترانزيت أو اعادة التصدير للبضائع الصينية، وكذلك ميناء سمهرم بظفار ، فقد اصبح كذلك ، محطة رئيسية للسفن الصينية ، وقد بلغت كمية البخور الذي وصل من ظفار الى الصين 144طنا عام 1077م ، كما كانت تصدر البلاد ، النحاس والأخشاب والعطور والاقمشة والتمور والأسماك المجففة والملح .. إلخ.

الموانئ العمانية .. رهانات في خضم التحديات المعاصرة

الموانئ العمانية .. رهانات في خضم التحديات المعاصرة

تفتح تلك النافذة التاريخية عن دور الموانئ العمانية في التجارة البحرية ، وأثرها على علاقات بلادنا الدولية، ومردوها المالي على موازنة الدولة العمانية التاريخية ، مجموعة تساؤلات أوردناها سابقا ، وهي تستدعي نفسها الآن بقوة ، ومن خلالها يجعلنا نحلل الواقع من منظور تحدياته الجيوسياسية الراهنة ، لنرى الى مدى يتم الاستفادة من الموانئ العمانية حديثا ، استلهاما من تاريخها سالف الذكر.

أولا :منظومة الموانئ البحرية

تضم شبكة الموانئ العمانية سبعة موانئ موزعة على مختلف انحاء البلاد ، وكل واحدة لها ميزات تفضيلية ، وخطط لها أن تكون تكاملية ، ومنذ عام 2011 ، قررت الحكومة استثمار موانيها القريبة على مسارات الملاحة العالمية واشرافها على مضيق هرمز ووقوعها على بحر العرب في تنويع مصادر دخلها ، وكسر الاحتكار النفطي.

سنركز هنا على ميناءي الدقم وصلالة ، كونهما يقعان على خط المواجهة الجيوسياسية الجديدة ، فالدقم يحتل موقعاً استراتيجياً على بحر العرب والمحيط الهندي، وله ميزة جيوسياسية تجعل منه أهم وأكبر ميناء بمنطقة الشرق الأوسط في المستقبل القريب، حيث يبتعد عن منطقة الأزمات والصراعات المتعلقة بمضيق هرمز، ويرتبط مع خطوط الملاحة العالمية بما يوفر بيئة جاذبة للاستثمار ليس في الميناء فقط أو الحوض الجاف.

وإنما في المنطقة كلها التي يخطط لها أن تحتوي ديموغرافيا تعدادها (250) ألف نسمة ، يشكلون مجتمعًا متعددا ومتنوعا ، ومتعايشا في إطار عالمية المصالح ، أي اقامة منطقة متكاملة في الدقم، تشمل ميناء ومطاراً وصناعات لوجستية وخدمات، ومركزاً متكاملاً للخدمات اللوجستية متعدد الوسائط، يجذب المستثمرين المحليين والدوليين.

أما ميناء صلالة ، فيصنف بين أكبر موانئ إعادة الشحن في العالم ، ويمتلك الميناء قدرات محطات عالمية المستوى لمناولة شحنات المواد السائلة والمعادن. وبفضل أرصفته الستة المخصصة للحاويات وقنواته التي يبلغ عمقها 18 متراً، يمكن للميناء أن يستوعب أكبر سفن حاويات في العالم.

كما أن القدرة التشغيلية للميناء تمكنه من مناولة أكثر من 5 ملايين حاوية (TEU’s) في العام الواحد وذلك في ظل تزايد معدل مرور الحاويات بالميناء إلى سبعة أضعاف بين عامي 1999 و2013.

والأهم هنا، الموقع الإستراتيجي لهذا الميناء على غرار ميناء الدقم ، فهو كذلك يطل على بحر العرب عبر ممرات التجارة الرئيسية بين آسيا-أوروبا، وشبه القارة الهندية-أوروبا، والشرق الأوسط-أوروبا، يقدّمان أوقاتاً للعبور أفضل من حيث السرعة والأمن مقارنة بالموانئ المنافسة الأخرى في الخليج أو المحيط الهندي.

ويشكل قرب ميناء صلالة من تلك الممرات التجارية الرئيسية إلى جانب النمو السريع في أسواق شرق أفريقيا والهند مصدراً ذا أهميّة للشركات التي تبحث عن الاستفادة من السوقين من موقع واحد فعّال وآمن ، لكنه يظل متخصصا في إعادة التصدير.

ثانيا: تصدع التوازنات الجيوسياسية على المحيط الهندي

أكبر التحديات التي تواجه موانينا الآن ، تكمن في تصدع التوازنات الجيوسياسية ، ومحاولات السياسة الاقليمية التأثير على هذه التوازنات ، وقد نجحت فعلا ، وبالتالي ، إلى اي مدى ستؤثر هذه المتغيرات على مستقبل التجارة البحرية عبر الموانئ العمانية ؟ وهناك تساؤل آخر يطرح نفسه في ضوء التحديات الجيوسياسية نفسها ، ومرحلة فرض ضريبة القيمة المضافة ، وهو هل ستتجه موانينا إلى استيراد سلة غذائنا مباشرة أم سنظل تابعين لطرف ثانٍ؟

هذا المحور سنتناوله من خلال فقرتين رئيستين، هما:

هذا المحور سنتناوله من خلال فقرتين رئيستين، هما:

التحديات الجيوسياسية للموانئ العمانية على المحيط الهندي:

من الأهمية بمكان معرفة الاهمية الجيوسياسية – والاستراتيجية ، للمحيط الهندي ، ولو بصورة مختصرة ، حتى يتضح لنا ، اهميته للعالمين ، الجديد المتمثل في الصين والهند ، والقديم الذي يمثله هنا الغرب في عمومه ، والولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا في خصوصه ، فالمتتبع للتحولات في المحيط الهندي ، سيخرج منها بنتيجة يقول عنها بيتر هاريس استاذ العلوم السياسية في جامعة كولو رادو الامريكية ان العلاقات الجيوسياسية في العالم ، ستبدأ من المحيط الهندي ، والأحادية القطبية ، سيحل محلها التعددية.

وفعلا ، فالراصد لمسار التعددية في المحيط الهندي ، سيتبين له صحة تلك الرؤية ، فبعدما كانت بريطانيا تهيمن على المحيط الهندي حتى منتصف القرن الماضي ، حلت محلها أمريكا ، وبعد مجيء ترامب اصبح المحيط الهندي محط اهتمام العالمين القديم والجديد ، وكذلك قوى خليجية ، مثيرة للجدل ، مما يدلل على خيار التعددية بديلا عن الاحادية.

فمثلا الهند أقامت قاعدة عسكرية لها في جزيرة سيشل بالقرب من الساحل الشرقي لأفريقيا ، تطل على الممر التجاري المهم الممتد من قناة موزمبيق الى بحر العرب ، وكذلك الصين التي أقامت قاعدة عسكرية في جيبوتي ، اضافة الى الوجود العسكري الامريكي القوي في هذا المحيط ، ومساعي بريطانيا وفرنسا الى تقوية وجودها في المنطقة.

والمثير هنا ، قيام بعض الدول الخليجية بإقامة قواعد عسكرية في اليمن وجيبوتي واريتريا ، للغرض نفسه ، لكن ، لماذا ؟ هل بالإنابة عن قوى دولية تقليدية التي لم تعد ظروفها المالية تسمح لها بالحفاظ على تمددها العسكري أو توسيعه أم حماية لمصالحها الجيواقتصادية أو كلاهما؟

وقد اصبح من الملموس المثير للشك والريبة ، رؤية وجود عسكري خليجي دائم على باب المندب على بحر العرب ، ووجود مماثل داخل القرن الافريقي ، وتحديدا دول مثل الصومال واريتريا واثيوبيا ، فهل ندرك اهمية بحر العرب الجيواستراتيجي وتأثيره على مصالحنا الجيوسياسية والاقتصادية؟

من المعروف أن بحر العرب جزء من المحيط الهندي ، ويقع بين سواحل شبه الجزيرة العربية ، وشبه الجزيرة الهندية ، وتحده من الشمال إيران وباكستان ، ومن الشرق الجزيرة العربية والقرن الافريقي ، ومن أشهر الجبال التي تطل عليه ، سلسلة جبال ظفار في السلطنة، وجبال غات الهندية، وله ذراعان ممتدان، هما خليج عمان وخليج عدن، ومن أصبح الفاعل الجديد المسيطر على خليج عدن ؟ ولماذا الآن؟

كما تبرز أهمية منطقة القرن الافريقي في ضوء إطلالتها الجغرافية على القارة الافريقية من الجزء الشرقي منها، والبحر الاحمر من الجنوب ، وخليج عدن شمالا ، والمحيط الهندي شرقا ، ويفصله عن شبه الجزيرة العربية بابا المندم.

موانئنا.. والمواجهة الآمنة:

سنتناول هذه الفقرة من رؤيتين مختلفتين وباختصار شديد ، هما :

الدور الاستيرادي للموانئ العمانية:

الدور الاستيرادي للموانئ العمانية:

فقد كانت أحداث يونيو 2017 الخليجية الخليجية ، تحتم اعادة حساباتنا في دور موانئنا لخدمة امننا الغذائي على وجه الخصوص ، وكانت تعطينا الحق في تبني استراتيجيات جديدة، مثل ما فعلت الدوحة ، والتي آخر تحولاتها ، تدشين خط بحري جديد ومباشر مع كوريا الجنوبية ، وكل ما تفعله قطر منذ يونيو الماضي وحتى الان ، يشير الى أن القيادة القطرية قد حسمت رؤيتها الاستراتيجية ، ولن ترجع الى الاوضاع التي كانت سائدة قبل يونيو الماضي.

وهنا نجد تساؤلنا السابق ، يعيد طرح نفسه ، وبقوة ، وهو لماذا نستمر في الاستيراد عن طريق طرف ثان، وليس مباشرة ؟ هل تواجهنا صعوبة في إقناع المشغل الأجنبي لموانئنا في فتح هذا النوع من الاستيراد أم ان هناك حجم مصالح مالية واقتصادية ضخمة ينتفع منها البعض ، وتجعل رهاناتنا الوطنية قائمة على الطرف الثاني؟

استمرار اعتمادنا على طرف ثانٍ ، يجعل المناطق الحدودية المجاورة ، وكذلك نحو (50%) من حجم فاتورة غذائنا ، تحس بارتفاع أسعار في هذا الطرف منذ البداية رغم تأجيل تطبيق ضريبة القيمة المضافة في بلادنا الى 2019.

والثاني ، الدقم .. ومواجهة التعددية القطبية للمحيط الهندي

والثاني ، الدقم .. ومواجهة التعددية القطبية للمحيط الهندي

ولو تأملنا في حجم الاستثمارات في الدقم مثلا ، سنجد انها تتناغم مع التحديات الجيوسياسية ، وتدير بوع استشراف التحولات الدولية والاقليمية في المحيط الهندي ، خاصة تحوله من الاحادية الى التعددية القطبية.

فالاستثمارات في الدقم ، تنتمي إلى (16) جنسية تتوزع على مختلف انحاء العالم ، ويؤسس فيها ، مجتمع متجانس متنوع الثقافات بتعدد تلكم الجنسيات ، وهذا يعني أن التعددية في المحيط ستكون مصالحه ممثلة هنا في الدقم ، وهذا في حد ذاته من بين أكبر ضمانات ديمومة وأمنية المصالح الدولية رغم خلافات وتوترات دولها ، لكن هل هي كافية لتأمين التجارة البحرية عبر الموانئ العمانية؟

شارك هذا الخبر