أثير – تاريخ عمان
إعداد : نصر البوسعيدي
عُمان أرض مجان ومزون واللبان من قبل الميلاد كانت بحضارتها المتقدمة وتمدنها وقوة تأثيرها بين الحضارات المجاورة رمزًا للتعايش العالمي والسلام فسكنتها أمم كثيرة واستوطنت أرضها شعوب مختلفة، فكل بلد حضاري يملك أهم موانئ التجارة العالمية في العالم القديم تجده محط موطن الكثير كسمهرم وقلهات ومسقط وصحار ومسندم.
وفي التاريخ الإسلامي كانت البداية حينما وصل مبعوث نبينا المصطفى إلى ملوك عمان الأخوين عبد وجيفر أبناء الجلندى لدعوتهم إلى نور الله المبين والإسلام القويم، فاستقبل الأخوان وأهل عمان مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل حفاوة وكرم، ولبوا دعوة نبيهم للإسلام فدخلت عمان طواعية في طاعة الله والامتثال لسنة نبيه، وقد أعجب النبي كثيرا بأهل عمان وبموقفهم الذي يدل على طيبة معدنهم فآمنوا برسالته وهو بعيد عنهم بالوقت الذي حاربه وقاومه الكثير من قومه وأقرب الناس إليه في قريش فلا غرابة أن نجد بأن بعض المؤرخين يشيرون إلى أن أهل عمان أسلموا طواعية قبل فتح مكة.
وحينما نتحدث عن التاريخ الحديث فلا بد أن نشير إلى أن أئمة اليعاربة وسلاطين عمان كانوا أكثر انفتاحا وتسامحا وتقبلا للآخر عكس ما كان يحدث في المنطقة العربية التي أصيبت بداء التكفير والتعصب وتلك الفتنة السوداء التي ابتلت بها الأمة الإسلامية منذ مقتل سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه.
فقد تعامل اليعاربة مثلا مع الأسرى البرتغاليين بكل رفق ورحمة وعكسوا مبادئ الإسلام السمحة مثلما أوصاهم بها نبينا الكريم، رغم فداحة إجرام البرتغاليين ووحشيتهم ضد الأبرياء العزل من أهل عمان، والتاريخ يشهد كثيرا لأخلاق العمانيين في حروبهم، وهذا ما حدث للأسرى البرتغاليين حينما وقعوا بأيدي أبطال التحرير قادة الجيش العماني وأئمتهم، الذين طهروا الخليج بأكمله والمحيط الهندي والشرق الأفريقي من براثن الاستعمار البرتغالي.
كذلك كان أئمة اليعاربة لديهم علاقات ومراسلات واتفاقيات مع بعض دول أوروبا، فلهم مراسلات واتفاقيات مع الهولندين والفرنسين والإنجليز ولكم مثال في الرسالة التي بعثها الإمام سلطان بن سيف اليعربي للوكيل الهولندي هندريك فان ويك الذي بعث للإمام مبعوثا هولنديا يطلب منه التعاون التجاري مع عمان، فكان رد الإمام عليه كالتالي :
” وصلتنا رسالتك التي نعتبرها جوهرة لأهميتها، ولقد جاءنا مبعوثك معربا عن رغبتك للإقامة في مدينتنا التجارية وسوف نعمل مسرورين على إنشاء مقر لكم في مدينتا”.
وهناك العديد من الأمثلة الأخرى في ذلك لتعامل أئمة اليعاربة معهم لذا سنكتفي هنا بما كتبه المبعوث الهولندي الخاص واسمه باتدبرج الذي وصل إلى مسقط لمقابلة الإمام سلطان بن سيف اليعربي سنة 1672م حيث قال عن العمانيين وإمامهم :
” إنهم تبدو عليهم الخشونة ظاهريا، لكنهم في الداخل ذو أخلاق وتصرفات مصقولة، ويتحد الجميع في طريقة لباسهم، وعندما نصف الإمام الكبير فكأننا نصف أيضا جنديا عاديا”.
كانت مسقط مثلا في ظل هذه الأفكار السامية جوهرة الخليج أهم ميناء عالمي في المنطقة للسياسة المتبعة بالتسامح مع الجميع، فتجد البانيان الهنود التجار يوجدون بكل حرية يمارسون طقوسهم الدينية دون أي إزعاج وكذلك الأوروبيون، مما جعل ميناء مسقط قبلتهم وقبلة التجارة العالمية، وفي العصر الحديث دعم سلاطين عمان بشكل أكبر هذا النهج وتم إبرام الاتفاقيات التجارية مع الأوروبيين والتساهل بشكل كبير مع حملاتهم التبشيرية المقرونة بتقديم الكثير من الخدمات الصحية والعلمية وغيرها، لعلمهم المسبق بمدى قوة تمسك المجتمع العماني بأصالة تعاليم الديانة الإسلامية.
إن منهج التسامح الذي سار به أئمة وسلاطين عمان كان له أكبر الأثر في استمرار هذا النهج الخالص ونشر الإسلام في أرجاء وحدود الإمبراطورية العمانية وخاصة في الشرق الأفريقي، فحينما قرر السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي مؤسس الإمبراطورية العمانية جعل زنجبار عاصمة ثانية لعمان لتكريم مكانتها ومكانة شعبها لديه، بدأ مباشرة بنصرة البسطاء لأنه كان المدافع الأول لحقوق المظلوم في ممتلكاته بروح سمحة بعيدا كل البعد عن التعصب الديني والعرقي ، بل كرس كل حياته في إرساء مبدأ التعايش والسلام، فقد كان يرى بأن اختلاف الثقافات والديانات والمذاهب والأفكار شيء يثري التكامل والتوازن بين أفراد المجتمع الواحد خاصة إن كانت العدالة هي الفاصل بينهم جميعا، لذا كان متفردا في عصره آنذاك بكل هذا النهج القويم وأصبح محبوبا لدى العرب والأفارقة على السواء باعتباره أب الجميع ليصنع من المجتمع الأفريقي المتعدد في كل شيء ذلك التجانس الديني والحضاري الذي كان دعامته الحقيقية العمانيون وسلاطينهم مما أثر كثيرا في الأفارقة الذين اعتنقوا الإسلام بجميع مذاهبه كل له حريته دون أن تفرض عليهم الدولة العمانية مذهب سلاطينها فقد كان الجميع مقدرا ومحترما، وجمع في إدارة بلاده جميع الطوائف والمذاهب من قضاة ومستشارين ورجال دولة، وقد عبر المؤرخ العماني الشيخ سعيد المغيري صاحب جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار عن كل ذلك بقوله :
” ومن جميل أخلاق سلاطين زنجبار عدم التعصب في الجنس أو الدين، فجميع الأجناس النازلة بزنجبار من غير العرب قد قابلهم سلطان زنجبار بغاية الاحترام والمواساة”.
كانت كل مجالس الحكم مثلما أشرنا تضم في حضرة سلاطين عمان كل الطوائف والمذاهب والديانات، وكان الجميع له الحق في إبداء الرأي ومناقشة المشكلات، فقد سن السيد سعيد هذه السنة الحسنة لجميع السلاطين من بعده فيجتمع بالعامة يومي الجمعة والإثنين من كل أسبوع صباحا في الساعة التاسعة والرابعة بعد الظهر حيث يحيط به هو وأبنائه عامة الناس للحديث سويا عن البلاد وكل ما يتعلق بحياة الأفراد.
لقد كان السيد سعيد سريع الغضب اتجاه أي عربي يتجاوز حدوده مع أفريقي، لذا كان هو الأقرب دائما لقلوب شعبه سيدا أو عبدا الجميع في حضرة عدالة السلطان متساوون، وكان دائم الزيارة للأفارقة حتى في بيوتهم ويمازحهم ويعدهم بمنزلة أبنائه فكان صديقا للجميع، وقد قال عنه وليم شبرو الذي زار مسقط سنة 1856م :
” يقابلك بلطف، وكان حازما ورقيق المشاعر وأمين القصد، يمزح بترحاب حقيقي وعناق حار، يشعرك حقا بأنك فزت بمنزلة التقدير لديه، وقد أصبحت شجاعته وسحره الشخصي مثلا عربيا يجري في أنحاء العالم الإسلامي”.
لذا فالكثير من الأفارقة تأثروا بسيرة وطيبة السيد سعيد بن سلطان ودخل جلهم للإسلام، فلم يكن امتداد الإمبراطورية العمانية حتى الحدود البحرينية وموانئ ايران وأجزاء كبيرة من بلوشستان والشرق الأفريقي وخاصة في عهد السيد سعيد إلا امتداد خير وسلام وأمان وتسامح ونبذ للتعصب الديني الذي ابتلت به بعض الأمم الخليجية، بالإضافة إلى تعامله المميز مع كافة رعايا الدول الأوروبية بانفتاح أنيق ومسالم، ووقع العديد من المعاهدات التجارية معهم، وأرسل كذلك سفيره أحمد بن النعمان الكعبي إلى نيويورك لمد يد الصداقة والمحبة للأمريكان أصحاب تلك الدولة الناشئة آنذاك.
فعمان في ماضيها وحاضرها، شعاع تعايش وتسامح وهما ركنان أساسيان من مكونات شعبها وسياسة أئمتها وسلاطينها، فحمل اليوم جلالة السلطان قابوس راية الأجداد وأضاف إليها الكثير من الحكمة والذكاء ليحمي عمان وأهلها من تلك الصراعات السياسية والدينية الملتهبة في المنطقة التي هلكت الحرث والنسل، فجعل الجميع في إدارة دولته منذ البداية بالإعلان عن عهد جديد بعدما حدثت الفتنة في عمان ما قبل عام 1970م، فبدأ مباشرة بالإفراج عن السجناء السياسيين المحتجزين خاصة في قلعتي الجلالي والميراني، وأعلن عن عفو عام لكل من عارض أبيه في حرب ظفار وضم بعضهم في مناصب مهمة بالحكومة لبناء عمان سويا وكذا الحاصل مع جميع المعارضين السابقين والمتعصبين لنظام الإمامة، الجميع انضم لهذا السلطان الشاب الذي لم يتوان لحظة لخدمة عمان وإرساء عظيم سياستها وحنكتها لخدمة السلام العالمي والإنسانية، فانكسرت شوكة الطامعين، وتبعثرت أوراق الحاقدين، وفشلت محاولات العبث بعمان واستقرارها، لنصل اليوم إلى دولة متحضرة ومتمدنة لها صلاة صداقة عميقه مع كل دول العالم، متعايشة مع الجميع بانفتاح مميز بعيدة كل البعد عن الحروب والنزاعات التي تورطت بها دول المنطقة.
ويقول روبرت كابلان كبير المحللين الجيوسياسين في سترايفور – وهي مؤسسة معلومات استخباراتية عن السلطان قابوس:
” هو القائد الأكثر اطلاعا والأكثر تفكرا وقراءة والأفصح بيانا في اللغتين العربية والإنجليزية في الشرق الأوسط، وهو الوحيد الذي يمكن أن تصفه بأنه بحق رجل النهضة”.
المراجع :
1 – العلاقات الخارجية لدولة اليعاربة في عمان 1624 -1747، نغم طالب عبدالله، الطبعة الثانية 2018م، دار مكتبة عدنان للطباعة والنشر والتوزيع.
2 – الدولة في الفكر الأباضي، محمد صابر عرب، الطبعة الثانية 2013م، دار الشروق.
3 – عمان فجر جديد، المواءمة بين الأصالة والحداثة، ليندا باباس فانشن ترجمة ناصر بن سعيد الكندي، الناشر مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية، سلطنة عمان.





