
تلقيت دعوة يوم الخميس الماضي للمشاركة في لقاء مع أحد المنظرين والمؤطرين البارزين لسياسية ترامب الخارجية، وهو شخصية أمريكية قدم لنا بمجموعة خلفيات عميقة ، وبتاريخ مثرٍ جدا ، ومثير جدا ، فقد كان لعدة لسنوات من المؤثرين في السياسية الخارجية البريطانية ، وهذه الخلفية تقربنا كثيرا لفهم سياسات مارجريت تاتشر وما بعدها التي كانت ترتمي وبصورة عمياء في أحضان السياسة الخارجية الامريكية في عهد الجمهوريين خاصة عند استخدام القوة العسكرية .
وهذا الخبير يعمل الآن في أحد مراكز دراسات السياسات الأمريكية، وقد اختاره ترامب لكي يكون مسؤولا عن توجيه سياساته الخارجية ، وهذا يعني أننا امام شخصية قريبة جدا من ترامب ، وعلى دراية تامة وكاملة بفكر ترامب وبمعتقداته وتوجهاته ، استمعنا لمحاضرته بتركيز ودقة كبيرين ، وتدخلنا معه بشفافية مطلقة من اية قيود أو محاذير ، ورغم ذلك لم نتمكن من استفزاز خلفياته ولا معلوماته السياسية ، فظل هادئا ومتمسكا بخطابه المبسط لقضايا معقدة جدا .
ورغم ذلك ، خرجنا برؤى واستنتاجات ستعيننا على فهم ما سيجري غدا لقضايا شائكة في المنطقة تحتمل أسوأ الاحتمالات ، كما خرجنا برؤية تكاد تصل الى الحقيقة المطلقة بمستقبل العلاقات العمانية الإيرانية في حقبة ترامب وفريقه الشخصي الملكف بالسياسة الخارجية الامريكية .
سنقسم هذا المقال الى جزأين الأول عن الاطار النظري الذي قدمه هذا الخبير الأمريكي ، هو موضوع مقال اليوم ، والثاني ، عن قراءاتنا لما جرى في هذا اللقاء من نقاشات صريحة وشفافة ، والاستنتاجات التي توصلنا اليها ، وهو سيكون في المقال الثاني .
• الإطار النظري للسياسة الخارجية الأمريكية .
قسم هذا الخبير الأمريكي محاضرته الى ثلاثة محاور أساسية ، الأول ، تحدث فيه عن السياسة الخارجية الامريكية بصورة عامة ، والثاني عن السياسة الخارجية الامريكية في الشرق الأوسط ، والثالث العلاقات العمانية الامريكية في عهد ترامب .
لن يسعفنا الوقت هنا في اتباع المنهجية التحليلية المتسلسلة لهذا الاطار النظري وفق ما قدمه الخبير الأمريكي في محاوره الثلاثة سالفة الذكر ، وذلك لدواعي الاختصار الذي يلح عليه القراء ، رغم أننا هنا عبر هذه النافذة نحاول ان نقدم تحليلا موضوعيا وعقلانية لقضايا كبرى بغية التوغل في جزئياتها وصولا للكليات ، كدراسة مصغرة للقضايا التي نثيرها كل أسبوع عبر صحيفة ” أثير ” لكننا سنحاول النزول عند رغبة بعض القراء دون الإخلال بالمنهجية التفكيرية للقضايا المعقدة التي نتناولها هنا.
• قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية في السياسة الخارجية الامريكية .
• قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية في السياسة الخارجية الامريكية .
أول ما حاول لفت الانتباه إليه هذا الخبير ، اختيار ترامب فريقا قويا للسياسة الخارجية الأمريكية والأمن القومي الأمريكي ، موضحا أن ترامب قد فوض الكثير من سياسته الخارجية لهذا الفريق الذي أصبح يقوده الآن رئيس الاستخبارات الأمريكية السابق ، مايك بومبيو .
وقد حدد هذا الخبير رؤية ترامب للعالم عندما وصفها بالواقعية المبنية على المبادئ ، ومدللا على انه لا يمكن للولايات المتحدة الامريكية ان تحل كل مشاكل العالم ، وان عليها أولا ان تحل مشاكلها عبر ما رفعه ترامب من شعار ” أمريكا أولا ” وحاول ان يصوب المعتقدات لهذا المفهوم ، قائلا بأنها لا تعني أن تتخلى أمريكا عن حلفائها ،وان هذه الأخيرة تدخل في قائمة ” أمريكا أولا ” .
المثير هنا الذي استوقفنا كثيرا ، توضيحاته الرؤية البراغماتية الأمريكية للشرق الأوسط ، وذلك عندما قال ان إدارة ترامب لن تقف ضد حكومات المنطقة لصالح شعوبها ، وبالتالي ، فإن قضايا الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان .. لن تركز عليها السياسة الخارجية الامريكية في علاقاتها مع أنظمة المنطقة .
• أهم القضايا التي ستواجه إدارة ترامب في المنطقة .
حاول الخبير الأمريكي أن يركز على العدد الورقي لإستراتيجية ترامب ، وذلك عندما قال إنها تبلغ ( 70 ) صفحة مقارنة بإستراتيجية سلفه أوباما ، ففيها ذكر أهم القضايا التي ستواجه إدارة ترامب في المنطقة ، وهي :
سوريا وهزيمة داعش ومنع انتشار الإرهاب الى الأردن ولبنان وتركيا والعراق ، وردع الأسلحة الكيماوية ، واستعادة أمريكا علاقاتها مع أنقرة ومنع الكيان الصهيوني من الدخول في حرب في سوريا .
اما بالنسبة للعراق ، فإن إدارة ترامب ستعمل على الحفاظ على وحدة العراق وكذلك التأكد من عدم عودة داعش وبقية التنظيمات الإرهابية اليه ، وضمانة وصول حكومة مستقرة وفعالة في بغداد ، ومساعدتها في إعادة علاقاتها الجيدة مع دول المنطقة .
وبخصوص الأزمة الخليجية الخليجية ، فواشنطن وفق مرئيات هذا الخبير الأمريكي ستحاول ان تكون وسيطا شريفا – على حد تسميته – ويرى انه من مصلحتها إنهاء هذا النزاع ، لكنها لا يمكن أن تكون مع طرف ضد آخر ، وأن إدارة ترامب لا تملك عصا سحرية للحل ، ويرى أنه أي الحل ينبغي أن يأتي من المنطقة وليس من خارجها .
• ماذا بعد 12مايو الحالي ؟
التساؤل الذي يطرح الان ، هل ستخرج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي مع إيران ؟ رغم تسليم هذا الخبير بكل الاحتمالات السلبية ، إلا أنه يعتقد ان ترامب سيعلن البقاء لفترة مؤقتة في الاتفاق لإعطاء فريقه السياسي الجديد بقيادة بومبيو فرصته الأخيرة ، ورغم هذا الرأي الا أن كوفي استخدم مرات كثيرة عبارة ” لا نعرف ماذا سيكون بعد ذلك ” ؟ ربما لعدم استبعاد عنصر المفاجأة التي قد يفجرها ترامب في اية لحظة ، ورغم ذلك ، لا يرى هذا الخبير الأمريكي أن الاتفاق النووي مع ايران سيستمر على المدى الطويل .
• نقل السفارة الأمريكية الى القدس المحتلة.
يُعد هذا الخبير الإعلان عن نقل هذه السفارة الى القدس المحتلة، سيئا جدا ، لكن ورغم ذلك ، فقد اعتبره ضرورة لترامب للوفاء بوعده الانتخابي ، ولتطلعاته في إعادة انتخابه مرة ثانية ، موضحا هنا ، انه لا يمكن أن يكون هناك سلامٌ دون حل الدولتين ، بثنائية عاصمتهما القدس الشرقية للفلسطينيين ، والغربية للكيان الصهيوني .
• العلاقات العمانية الأمريكية في عهد ترامب .
في هذا الملف كان الخبير صريحا وشفافا على غير عادته في الحوارات معنا ، فقد اعترف ان السلطنة لا تحصل الآن على تركيز كبير في واشنطن ، وموضحا كذلك ان علاقات مسقط بطهران يُساء فهمها عند إدارة ترامب ، ومعترفا كذلك بتأثير السياسة الحمائية لترامب على صادرات السلطنة من الحديد والصلب .
وقد غلف رسالته سالفة الذكر ، بخطاب ناعم عن دور مسقط في مساعدة واشنطن في الكثير من القضايا السابقة ، واعتبار السلطنة مثالا لدول المنطقة التي لم يتورط أبناؤها في الجماعات الإرهابية .
وأخيرا ، نتساءل :
لماذا في الملف العماني كان الخبير الأمريكي صريحا وشفافا ، وربما يكون قد مرر سرًا من أسرار السياسة الخارجية الأمريكية ؟ هل كوسيلة ضغط ؟ وهل جاء لمسقط للترويج والتلويح بها ؟ فمستوى الحضور الذي دعي لمناقشته كان تمثيلا نوعيا لمؤسسات تعنى أو تهتم بملف السياسة الخارجية الامريكية في المنطقة ، وتتطلع لمعرفة مواقف ترامب وادارته المقربة منه من قضايا إقليمية شائكة ومقعدة ، قد تفجر المنطقة مجددا في حقبة ترامب .. والجزء الثاني من هذا المقال سنخصصه لقراءاتنا لهذا الاطار النظري لمحاضرة هذا الخبير الأمريكي الذي يسهم الآن في صناعة سياسة ترامب الخارجية – كما أسلفنا الى ذلك في مقدمة المقال – ؟ وكيف نربطها بنقاشاتنا معه ؟ وكذلك رؤيتنا للسياسة الخارجية الامريكية في حقبة ترامب ، وتولي رئاسة السياسة الخارجية لترامب شخصية موالية له انتقلت من الاستخبارات الى السياسة ، ولها مواقف عدائية وحادة جدا من قضايا إقليمية ساخنة ، كما سنحاول الإجابة عن تساؤل مهم جدا ، وهو كيف لم تحظَ مسقط بتركيز من إدارة ترامب كما يقول الخبير الأمريكي ؟ وكما يقال إذا عرف السبب بطل العجب ، وقد عرفنا بالسبب في النقاشات ، وطرحناه بقوة المنطق والحجة على الخبير ، وسنكشفه في المقال المقبل .





