د.رجب العويسي يكتب: يوم المرأة العمانية والسلامة المرورية: تناغم بُعدي الاحتواء والوقاية في البناء الأمني لأجيال الوطن
د. رجب بن علي العويسي
احتفت السلطنة يوم أمس السابع عشر من أكتوبر بيوم المرأة العمانية تجسيدا للنهج السامي لجلالة السلطان حفظه الله في مشاركة المرأة العمانية في مسيرة النهضة المباركة، بما يحمله من استحقاقات مشهودة بالدور المحوري للمرأة كشريك للرجل في أداء الواجب الوطني المقدس، وإذ تحتفي السلطنة اليوم بيوم السلامة المرورية الذي يصادف الثامن عشر من أكتوبر ليشكلان في مجملهما محطتي تقييم ومراجعة وتوظيف أفضل الممارسات الوطنية، رسمهما النهج السامي وأنتجتهما جولاته الكريمة في ربوع عمان الغالية، بما يضمن إبراز الجهود الوطنية للمرأة العمانية والمنجز المروري، وما يشكله هذين التاريخين من فرصة للتكامل ومدخل للتناغم في تعزيز دور ابتكاري تقوم به المرأة جنبا إلى جنب مع الرجل في بناء ثقافة أمنية مرورية قادرة على التناغم مع معطيات الواقع وشغف الشباب واهتماماتهم، وتضع المعايير والأسس التي تضمن تحقيق مساحات احتواء لهم عبر إدراكهم لمخاطر الحوادث المرورية وتعزيزا لفرص الوقاية والسلامة والأمان لهم.
من هنا كان الاحتفاء بيوم المرأة تأصيلا للممارسة الشوروية الوطنية التي تضع المرأة عنصرا رئيسيا في معادلة التنمية والتطوير كالطائر الذي يطير بجناجيه ، فهل يقوى على فعل ذلك دون جناح آخر، تعبير دقيق يحمل أبعادا مختلفة في مسيرة العمل الوطني المشترك ومفهوم الاحتفاء بيوم المرأة لتسجل فيه المرأة بصمة إنجاز تترجمها في كل محاور العمل القادمة، وتمكين حضور مفاهيم الأمن والسلامة في ثقافة المرأة وآليات مشاركتها في صناعة تحول في هذا المجال الذي يشهد تحولات متسارعة تنعكس على ثقافة الأجيال ومواطنتهم، فعززت بذلك روح التكامل الوطني الذي ينطلق من الأسرة ويستمر لمؤسسات التعليم وفي كل مواقع العمل والمسؤولية نهجا قائما على الابتكارية والريادة وحسن التوجيه وفاعلية الممارسة الأبوية التي تصنع منها المرأة حياة جديدة للأجيال مؤصلة لسلوك الوعي قائمة على مبدأ الوقاية وتوجيه الأجيال نحو صناعة بدائل متجددة في حياتهم ترقى بهم وتمنحهم فرص القوة في التعامل مع معطيات الحياة اليومية وأبعادها على حياة الأجيال، لذلك كان حضورها ممارسة فعلية، ومبادرة ضامنة لفرص التغيير.
إن الاحتفاء بيوم المرأة علامة فارقة في تحضر المجتمعات وتأسيس ثقافة المشاركة في الحياة العامة والخاصة ومنطلق لفتح مساحات الحوار والتواصل التي بها تقوى رابطة الوطن وتنضج خلالها نواتج العطاء، فإن يوم السلامة المرورية يمثل أحد محاور هذا العمل وأحد الترجمات التي على المرأة أن تثبت خلاله كفاءة هذه الممارسة وشواهد الإنجاز، وتستلهم منه التحول في مفهوم البناء الأمني للأجيال، على أن الوعي بمفهوم السلامة المرورية يحمل في ذاته مفاهيم أعمق للأمن والسلامة تتجاوز الجانب المروري المجرد لتتفاعل مع أبعاد أخرى تتعلق بالأمن والسلامة الفكرية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية ، لما يتطلبه تحقيق الوعي المروري ومبدأ السلامة على الطريق من تكامل هذه الأبعاد وتفاعلها واندماجها في تشكيل سلوك مروري واع وثقافة مرورية رصينة قادرة على التأثير في ذات الفرد وممارساته على الطريق، إنها تعبير عن مفهوم الواجبات والمسؤوليات والحقوق في سبيل تحقيق بيئة مرورية سليمه خالية من المعيقات، تحترم خصوصية الانسان، وتعمل على توفير الأمن والحماية له، وتساعد مستخدم الطريق على تغيير القناعات السلبية والمفاهيم الخاطئة لديه نحو المركبة والطريق ودوره كسائق، وبالتالي بناء أطر تصحيحية لتعزيز العادات المرورية السليمة والحد من الممارسات المرورية التي تؤثر على حياته وتسبب الضرر له وللآخرين، واستنطاق القيم الدينية التي اهتمت بأمن الإنسان وحقه في الحياة والعيش ومنع كل أشكال القتل أو الانتحار الناتج عن الحوادث المرورية أو الحاق أي ضرر بنفسه وماله وعقله.
وعليه فإن التناغم بين المضامين الوطنية والإنسانية التي يحملها هذين اليومين الوطنيين يأتي تأكيدا لروح العطاء المتجددة للمرأة، في قدرتها على نقل احتفائها بهذا اليوم نحو تلمس دورها في تعزيز نُهج الأمن والسلامة في سلوك الأجيال، في ظل مرحلة بات تشكل فيها مفاهيم الأمن والسلامة هاجسا كبيرا تضع لها الحكومات السياسات والخطط والتوجهات والاستراتيجيات عبر تفعيل خطوط التأثير التعليمية والإعلامية الوقائية والعلاجية، وأنّ تعميق دور المرأة كشريك فاعل في استراتيجيات التطوير والتنفيذ، يأتي بالبحث في كل المتغيرات التي باتت تتدخل في منظومة الأمن والسلامة في ظل تحديات الأمن الاجتماعي والشباب والطفولة والقيم والهوية، والتي تفرض على السياسات الحكومية تمكين المرأة وتوفير كل السبل الداعمة لها في التعامل متطلبات الأمن والسلامة، لما تمتلكه من خبرة وتجربة حياتية في العمل الإنساني الواعي، وحضور قوي في التربية وترقية فكر الأجيال وأنماط التأثير والاحتواء التي تمتلكها كحالة فطرية وفسيولوجية أو مكتسبة أحيانا في بناء مسارات الحياة الآمنة المطمئنة، وتكوين الشعور الإيجابي لديهم بقيمة الانضباط والاعتدال في الحياة، وبات البحث في تحقيق تكامل في هذا الدور مع الرجل تؤكده أجندة التنمية الوطنية في مجتمع يقترب فيه الذكور والإناث في حجم التعداد العام للسكان، حيث تشير احصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن المرأة العمانية تقترب من 50% من نسبة عدد السكان العمانيين ، وأن النساء العمانيات العاملات يمثلن 38.7% من إجمالي عدد النساء العاملات في السلطنة في وحدات الخدمة المدنية والقطاع الخاص في نهاية عام 2015، في حين تشكل النساء العمانيات العاملات في وحدات الخدمة المدنية ما نسبته 47.5% من إجمالي الموظفين بنهاية عام 2015 ، وهو ما يعني أن دور المرأة في تحقيق الأمن والسلامة عامة والسلامة المرورية بشكل خاص، يمثل رقما مهما في المساهمة في التعامل مع هذا الملف والمشاركة مع الرجل في رسم سياسات أسرية قادرة على تحقيق الشراكة الأمنية الوقائية والعلاجية، وتكوين أسرة قادرة على إدارة التحول في سلوكها وفق أطر مقننة واستراتيجيات مؤطرة ، تنطلق من المرتكزات الوطنية وقيم المجتمع ومبادئه التي تضع المرأة في موقع التأثير والاحتواء، فيما تمتلكه من تأثير إيجابي فاعل في التعامل مع شخصية الأجيال واحتوائهم وتوجيههم وتثقيفهم حفاظا على الأبناء وتفعيلا لدورهم في خدمة أنفسهم ومجتمعهم.
كما أن الحضور الاجتماعي الرسمي للمرأة عبر مواقع العمل والمسؤولية ودورها الفاعل في مؤسسات المجتمع المدني وجمعيات المرأة العمانية، سوف يعزز من دورها في ترسيخ ثقافة مهنية لدى الأمهات والموظفات في التعريف بهذه التحديات التي تواجه الأجيال فيما يتعلق بتفعيل استراتيجية السلامة على الطريق، وتوجيه الأجيال نحو سلوك الايجابية في استعمال المركبة ، وتقييد الممارسات الخاطئة كالتفحيط والتجاوزات والسرعة وضوابط القيادة السليمة، والتزام قانون المرور والاستخدام الأمثل للمركبة واحترام أدواتها وصيانتها الدورية، وربط حزام الأمان، وتوجيههم نحو مبادئ المرور وقيمه كالقيادة بدون هاتف ، والتعاون مع عناصر الشرطة والجهود المقدرة لشرطة عمان السلطانية الساعية نحو أمن المواطن وسلامته وغيرها، بما يعزز من بناء شراكات أعمق وأطر أكثر فاعلية، يصنع من الاحتفاء بيوم المرأة قيمة مضافة في حياة الأسرة والأجيال ؛ فإن يوم السلامة المرورية بما يحمله من مبادئ واستراتيجيات للعمل الوطني المشترك تضع المرأة، أمام محطات عطاء مستمرة تنطلق من ترسيخ البعد الأمني في حياة الأجيال كاستراتيجية أداء تمارسها المرأة العمانية في ظل وضوح آليات العمل، وفاعلية أدوات المشاركة وأنماط التفاعل وفق القدرات والامكانيات والفرص وطبيعة المسؤولية الاجتماعية، والدفع بمفهوم الالتزام ليكون ممارسة يومية راقية تبرز في طرق التعامل مع الأجيال، وأساليب التوجيه والارشاد، ونمط الخطاب الأبوي، على أن الانخفاض الحاصل في مؤشرات الحوادث المرورية في السنوات الأخيرة ، وما أبرزته احصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات والمستندة إلى بيانات أولية من شرطة عمان السلطانية بنهاية مايو 2018، وأن الانخفاض شكل ما نسبته 39.5% ليصل إلى ألف و14 حادثا مقارنة بـألف و676 حادثا خلال نفس الفترة من عام 2017، وأفادت الإحصائيات الصادرة انه خلال شهر مايو وقع ما نسبته 30% من الحوادث في محافظة مسقط و14.7% بمحافظة شمال الباطنة و13.8 بمحافظة الداخلية والنسبة نفسها بمحافظة ظفار واستحوذت باقي المحافظات على 27.7% من الحوادث، يعكس المسار التكاملي الذي اتجهت إليه استراتيجيات العمل المروري وتفعيل دور المواطن كشريك فاعل في الحد من الحوادث المرورية، وميزة التأثير والاحتواء التي تحققها المرأة في معادلة الضبط الأسري المروري.
إنّ المرأة العمانية وفي ظل فرص التعليم والتدريب والتأهيل وبرامج الرعاية التي تحققت لها في ظل نهضة عمان المباركة والوعي الحقوقي والقانوني الذي اكتسبته من واقع الخبرة والتجربة والتعلم وموقعها في منظومة العمل الاجتماعي والمؤسسي، قادرة على منح هذه المفردات قيمتها في سلوك الأجيال، ثقافة يومية، وعادة حياتية متزنة يمارسونها بكل مهنية، ودور المرأة في إثراء المنجز المروري والمشاركة فيه، استمرارا لنهجها في تعريفه بالمفردات الجمالية والإنسانية للمسألة المرورية وتقريب مفاهيم السلامة على طريق لهم في ظل نماذج حياتية وممارسة أصيلة مدمجة في مجتمع الأسرة والعائلة.





