د.سالم الشكيلي يكتب: كل عام وأنتم على سنام المجد مولانا

مقال نُشر في 18 نوفمبر 2018، يقدّم رؤية احتفائية لمسيرة النهضة، ويرصد شمول التنمية ووحدة المجتمع، إلى جانب الحياد الإيجابي وعدم التدخل والالتزام بالسلام.

د.سالم الشكيلي يكتب: كل عام وأنتم على سنام المجد مولانا
د.سالم الشكيلي يكتب: كل عام وأنتم على سنام المجد مولانا

أثير- د.سالم الشكيلي

تتسابق الكلمات ، وتتزاحم العبارات ، وتتراقص مفردات لغة الضاد ، لترسم جميعها بانوراما حقيقية ، لمشاعر صادقة للعُمانيين والمقيمين على أرض عمان الماجدة ، والأحاسيس نبيلة وافرة جياشة ، تفيض بمفردات من مشاعر مختلطة من الرضا والاطمئنان والفرح والحب ، وهي مفردات متلازمة في سلسلة ذهبية يتقلدها كل مواطن وكل مقيم على أرض سلطنة عمان الحبيبة، يتقلدها ابتهاجًا بمناسبة يوم الثامن عشر من نوفمبر المجيد . يوم مولد سيد عمان ، وأملها وقائد نهضتها المعاصرة ، سليل المجد وأصيل الحسب والنسب ، ونصير الضعفاء وملاذ الفقراء والمساكين ، قوي الشكيمة ، ثاقب البصيرة ، حكيم العرب ورجل السلام ، جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه .

مولاي ، ونحن نحتفل بهذا اليوم السعيد ، ماذا بوسعنا أن نستدعي ، من خصالك التي لا تُعد ، وعطايا يمناك التي لا تُحصى ، وشمائل عفوك التي لا تنقطع ، وإخلاصك لعمان وشعبها الذي يزداد يومًا بعد يوم ، وسنين عمرك التي أفنيتها في خدمة وسعادة أمتك ، ماذا عسى لقلمي أن يسطّر ، ولعقلي أن يتذكّر ، فكلاهما عاجزٌ وكليل ، من أن يحيط بجانب واحد من جوانب الخير التي انهلّت على عمان وشعبها ، مع تلك الإطلالة البهيّة ، كيف لا وأنا أحد العُمانيين الشهود الذين عاصروا ورأوا بأمّ أعينهم صنائع المعروف في قيادتك الحكيمة ما يسرّ النظر ويُبهج النفس ، ويُريح البال والخاطر ، وما يؤكد لحاضر مشرق ومستقبل أكثر إشراقًا وتألقًا.

لقد وحدتم أمة بعدما مزقتها الفتن ، وصنعتم دولة بعد أن خاصمها الزمن ، وأعدتم مجدًا ضيعته الإحَن وبعض رجالات الوطن ، وأنرتم مشاعل النور والعلم ؛ لقهر ظلامات الجهل والمحن ، وهزمتم المرض وارتحل الفقر والحرمان ، وزرعتم الأمل والسعادة في قلوب العمانيين ، بعدما فقدوها طوال ما يقرب من قرن ، ليس كل هذا فحسب ، بل وشيّدْتم صروح دولة عصريّة بكل مفاهيم العصرنة التي تعرفها شعوب ودول العالم في كافة مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، فكانت نهضتكم بحق تتمايز عن باقي نهضات العالم من زوايا ثلاث :
* الأولى أنها نهضة شملت كل أرجاء الوطن حواضره وبواديه ، كما يمّمَت وثبتها لتنمية لم يكن لمقوماتها سابق وجود ، فتزاحمت الأوليات والأهداف في ظل موارد محدودة ، ومع ذلك حدد مقامكم أهداف وأوليات النهضة ببراعة فائقة وحكمة بالغة ، ولأنَ هندسة تلك الأهداف لبّت تطلعات المرحلة فقد آمن بها الشعب وأمِن لها واطمأن ، سواءً مَن في الداخل أو مَن في الخارج .
* والزاوية الثانية محل التمايز ، أنّ النهضة العمانية صنعت المستحيل ، وحققت ما لم تحققه النهضات الأخرى في زمن قياسي لا يحسب في حياة الأمم والدول ، وإنما يُقاس بما تحقق من آمال وما فتح من آفاق وما صنع من منجزات .
* أما ثالثة الزوايا ، فقد كانت النهضة العمانية نهضة قائد آمن بأن الوطن للجميع ، جميعهم شركاء في الهدف والمصير ، والوطن في قاموس القائد ليس مجرد مأوى يعيش على أرضه المرء ، بل هو قبل هذا انتماء وولاء ومحبة وفداء ، وعلاقة وجدان وروح بين المواطن والأرض الذي تحتضنه، دون تحزّب لأيّ من عناصر التحزب البغيضة ، التي تجتاح العالم الحالي ، بأسباب داخلية وخارجية ، الكل تقودهم سفينة الوطن ، ربّانها واحد ، تتوافر فيه كل صفات القيادة ، بل أثبتت السنون ، وخبرات السنين ، أنه أمهرهم وأجدرهم ، يحمي حماها ويحفظ أمنها وسيادتها ، وعليهم أن يقتدوا ويهتدوا بحكمته ، ويشاركوه البناء والتنمية .



مولاي : إنّ احتفال عمان وشعبها بهذا اليوم الخالد ، إنما هو تعبير عن فرح تغشاه سحائب ومزون من الفرح ، وسعادة يغشاها سعادة أكثر وأعظم ، ذلكم أنكم أخرجتم عمان وشعبها من بحر الظلمات ، في مسافة زمنية أقصر من أن تطاول حجم الإنجاز الذي تحقق ولا يزال يتحقق ، بفضل قيادتكم المستنيرة ورعايتكم الواثقة المستمرة ، وحرصكم الشديد المسبق على تجاوز كل مسافات الزمن ، وتجاوز كل صعوبات ومعوقات الحياة مهما بلغت ضخامتها ، وتعددت ألوانها وظروفها ، فيقينكم بالله وتوفيقه كان حاضرًا منذ اليوم الأول لانطلاقة نهضتكم المباركة ، صاحَبَ ذلك اليقين والإيمان بتوفيق الله ، قوة تدفع العزائم والهمم نحو عمل خلاّق منتج ، هدفه وغايته الإنسان العماني القاطن في أي شبر من أرض عمان الغالية ، حتى ولو كان يقيم في كهف توارى عن الأنظار وبعدت مشقة الوصول إليه ، طالما بقيت سماء عمان تُظله ، وأرضها تحتضنه ، فالإنسان عندكم هو الإنسان أينما حلّ أو ارتحل ، فقد كرّمه رب العزة من فوق سبع سموات ، ” ولقد كرّمنا بني آدم … ” .

جلالة السلطان المعظم : على مدى ثمانية وأربعين عامًا من نهضتكم المباركة ، عاش شعبكم الوفي مع مقامكم قصص وروائع الإبداع في كافة الميادين ، يشاركون جلالتكم معاني الوفاء للوطن ، وشاركوكم الجهد والعمل ، وبذلوا معكم العطاء لعمان الغالية لأنكم كنتم قدوتهم ؛ فبادلتموهم الحب الخالص ، النابع من قلب مفعم بحب الوطن والمواطن ، فما كان منهم إلّا أن يردّوا الجميل بالولاء والطاعة لكم ولقيادتكم الفذة ، فالعماني على مدى التاريخ لم يُعرَف عنه نكران الجميل ، وكلما تقدموا إليكم خطوة حتى تقدمتم إليهم خطوات حبا منكم وكرما من لدنكم ضاربين بذلك أروع المثل وأجلّ التضحيات ، ولم تعد العلاقة بين المحب ومن يحبهم ويحبونه ، مجرد علاقة حاكم بمحكوميه ، ولا مجرد علاقة سلطان ورئيس دولة برعاياه ، حتى سَمَتْ هذه العلاقة إلى أعلى مراتب السمو ، وأرفع مفردات العرفان ، فتلاشت كل الحواجز المعهودة بين الحاكم والمحكومين في مثل هذا الزمان الذي كثرت فيه الحواجز بين الحكام وشعوبهم ، وبات نطقكم السامي الذي ينقله عنكم بعض المسؤولين « العماني ما يهون » يصرخ في آذان شعبكم وكأنه طلسم يزيد من وهج العلاقة والتعلق بكم ، فأي علاقة وثقى هذه ! وأي ارتباط هذا ! إنها حقّا معجزة السماء ومباركة الإله للقائد وللشعب .

وبمثل ما تزهو عمان بمكتسبات النهضة التي تحققت في الداخل ، فإنها تزهو وتفخر بما تحظى به من مكانة وسمعة دولية ، لم تأتِ بسبب كثرة مواردها وسكانها ، ولكن بما مثلته السياسة العمانية من حصافة في الرأي ، وتوازن في العلاقة مع جميع الدول ؛ فتوسعت دائرة الأصدقاء وتلاشت وانعدمت دائرة الأعداء ، وكان لسياسة الحياد الإيجابي والنأي بالنفس وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، مفاتيح سر هذه المكانة الدولية والاحترام والتقدير والثقة العالمية بالمواقف والثوابت العمانية ، حتى أصبحت عمان بمثابة بيت خبرة لكافة الدول لحل الكثير من المعضلات الإقليمية والدولية .

إن إيمان جلالتكم بالسلام كخيار استراتيجي لعموم العالم ، انطلاقًا من حكمة وبصيرة مقامكم السامي في أن تعيش الشعوب – ومن حقها – بسلام ومحبة واطمئنان ، بعيدًا عن ويلات الحروب وما تخلفه من دمار وتخلف في التنمية ، وانتهاك لثروات الأمم .

لقد شهد العالم لكم بأنكم أهلٌ وملاذٌ ورجلٌ للسلام ، في وقت كثر فيه المطبلون وزبائن الحروب ، وزاد عدد تجار وسماسرة السلاح ، حتى بات بيعها في بازار يشبه سوق النخاسة أيام الجاهلية . إن هذا النهج الذي اتبعتموه جلالتكم هو ميراث حضاري لا يعرف مركب الاستعلاء على الآخر ، ولا يقيم لاختلاف الأعراق والديانات عنصرًا للتعالي على الشعوب والأمم ؛ بل هو سرٌ أودعه الله في المجتمع . وهكذا وبفضل هذا التوجه كله أصبحت عمان قطب ومركز الدائرة ، ومقصدًا يقصدها من أراد أن يجد حلًا لمشاكل استعصى فكُّ عُقَدها ، ولمن تاقت نفسه إلى سماع نصائح جلالتكم التي تحل ولا تربط وتقرّب ولا تبعد .

مولاي : في عيد ميلادك الميمون ، تتعاظم الأمنيات وتلهج الألسن ، وتهفو الأفئدة ، وترتفع الأيادي بالدعاء إلى الخالق عز وجل ، أن يلبسك لباس الصحة والعافية ، وأن يدخل إلى قلبكم فرحًا وسرورًا وسعادة بمقدار كل خطوة خطاها جلالتكم ، وبحجم ما ينزل من السماء من غيث مدرار ، وبعدد ما وجد على الأرض من شجر أخضر ، ونبات أينع وزهر تفتح وأبدع ، وأن يؤيدكم المولى بتوفيق من عنده ، ويهبكم نصرًا مؤزرًا، دمتم ودام عزكم ، وعلا سنام مجدكم بعلو السماء عن الأرض .

قسمًا برب الأرض والسماء إننا على العهد باقون ، وعلى خطى جلالتكم سائرون ، وعلى طاعتكم ووعدنا لكم باقون ، لن ننكث عهدًا ، ولن نخلف وعدًا ، ولن نعصي أمرًا ، أرواحنا فداكم ؛ صغيرنا قبل كبيرنا ، سرْ على الدرب ونحن خلفك تكلؤك عناية الله ، وترعاك مشيئته ، وتحرسك عينه التي لا تنام ، وكل عام ، جلالتكم بألف خير .

شارك هذا الخبر