الشيخ حمود بن سالم السيابي
تزخر كتب الأمس بأخبار رجال يتذوقون الطعام قبل أن يصل إلى أفواه الكبار. وتسرد الكتب حكايات عن أنْفُسٍ تموت لتناولها الأكل المسموم فداء للكبار.
ولم يعد في حاضرنا الزاهر من يتذوق الأكل ليحمي الكبار فالوطن باتساعه ارتقى مصاف الكبار. وأصبح لهذا الوطن الكبير من يضع سلامته من أوجب الواجبات وعلى رأس الأولويات.
وكما كان للكبار في التاريخ من يتذوق الطعام قبلهم، بات للوطن الكبير رجاله الذين يتسابقون لفدائه ولضمان سلامته، ولوأد المخاطر في مهادها.
وتحت هذا العنوان الإنساني النبيل جاء إنشاء الهيئة العامة لحماية المستهلك لتتذوق الطعام قبلنا وتتفحصه قبلنا وتتأكد من سلامته قبلنا، فانتقل دور متذوق الطعام من موقعه بالأمس كموظف يبيع حياته لأجل فرد، إلى فدائي قابض على الزناد لأجل وطن وأمة.
وبنفس اتساع حدقات عيون الساهرين على حدود الوطن والحامين لمنافذه والمدققين في تفاصيل التفاصيل، ينتشر رجال هيئة حماية المستهلك على كل شبر من الوطن ليحاربوا العدو نفسه وإن اختلفت الوجوه والأسلحة والساحات والخطط العسكرية ، ليبقى الوطن خاليا من المندسين والعابثين الذين تحركهم الأطماع ويدفعهم الجشع لبث سمومهم وفسادهم وشرورهم.
وانطلاقا من مبدأ “من غشنا فليس منا” تتحرك “كتائب” الهيئة العامة لحماية المستهلك لتشتبك مع محترفي الغش الذين تفننوا في إعطاء أعمار جديدة لبضائهم القديمة، أو خلطوا بين القديم منها والجديد، أو بدلوا في البيانات التصنيعية، أو لجأوا لاستنساخ القطع الأصلية بأخرى مقلدة ، أو استبدلوا الأشياء الغالية بأخرى رخيصة، أو عبثوا بالموازين أو استعانوا بمواد ضارة بالإنسان والبيئة، فاخترق رجال الهيئة كافة تحصيناتهم واستحكاماتهم في المخازن والبيوت والمزارع وألقوا عليهم القبض بالجرم المشهود وهم يدبرون أمورًا بليل ، فاقتادوهم إلى العدالة لتأخذ مجراها ، بعد أن وثقوا الجرم صوتا وصورة ، وحرزوا المضبوطات حتى لا تتسرب إلى المجتمع قبل أن ينفذ فيها رأي القانون.
ولم يقتصر عمل الهيئة على حماية المستهلك من الغش في المواد التي تؤكل وتشرب، بل امتد ليشمل ما يُلبس ويُقتنى من معدات وسيارات وعربات وأجهزة كهربائية واتصالات وغيرها.
واستطاعت الهيئة عبر سلسلة ضربات ناجحة أن تفرض هيبتها لتتهاوى خنادق وحصون الغشاشين، وتجعل كل من تسول له نفسه ممارسة الغش أن يحسب ألف حساب لأعين تراقبه دون أن يراها، وآذان خلف الحيطان تسترق السمع لمكائده فيتراجع عن صنيع سيكلفه الكثير بعد أن بات درب التربح السريع عبر الغش محفوفًا بالمخاطر في ظل يقظة رجال الهيئة العامة لحماية المستهلك.
وبالمقابل فإن الهيئة العامة لحماية المستهلك أشاعت أجواء الطمأنينة في نفوس المستهلكين؛ فتراجعت شكوكهم في نوعيات البضائع المباعة وسلامتها للاستخدام بعد أن أحسوا أن هناك من يفحص ويتحقق من تطابق هذه البضائع مع المواصفات العمانية والاشتراطات الصحية، ويدقق في المنشأ والمحتوى وزمن التصنيع.
وكما كان وعي المواطن هو الرديف لنجاحات الهيئة كي تقف على قدميها بثبات كونه البوصلة التي تستشعر الخطر وتؤشر إلى منابعه ، من خلال تواصله بالهيئة لتفسير ما لديه من هواجس، فتتحرك الهيئة بأجهزتها وخبرائها لقراءة هذه الهواجس دون أن تؤزم المشهد وتضر بالاستثمار بل تعمل عن بعد إلى أن تتوفر معطيات تتوافق وهذا الهواجس فتمسك بأول الخيط وتفرض الخناق قبل أن يفلت المجرم ويطمس معالم جريمته، فإن المواطن مطالب بأن يضاعف هذه المساندة للهيئة وأن يقودها بوعيه إلى المزيد من النجاحات والانتصارات.
ومع حلول الثامن والعشرين من فبراير ذكرى ولادة هذا الجهاز الوطني الهام نستذكر بالكثير من الإكبار أدوار هؤلاء الرجال الذين أعادوا من صفحات التاريخ دور المتذوق للطعام لضمان خلوه من السموم، إلا أنهم توسعوا في المهام لينتقلوا من دور الفرد الذي يضحي من أجل الفرد لقاء دراهم معدودة إلى أدوار رجال يخدمون الوطن باتساعه ويسترخصون الموت في سبيل حياة آمنة من المخاطر للإنسان فيه ، لتتحقق بهم مضامين الحديث النبوي الشريف “من غشنا فليس منا”.





