د.محمد المشيخي يكتب: النزاهة والمحاسبة في دولة المؤسسات

د.محمد المشيخي يكتب: النزاهة والمحاسبة في دولة المؤسسات
موسى الفرعي: مرور سريع على خطاب تاريخي بامتياز

د. محمد بن عوض المشيخي، أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري.

د.محمد المشيخي يكتب: النزاهة والمحاسبة في دولة المؤسسات
د.محمد المشيخي يكتب: النزاهة والمحاسبة في دولة المؤسسات

كان الحدث الأهم والأبرز الأسبوع الماضي هو الإطلالة المباركة لعاهل البلاد جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله – عبر شاشات التلفزيون العماني والعربي، إذ وجه خطابه التاريخي الثاني للشعب العماني والعالم قاطبة، رسم فيه السلطان الجديد خارطة طريق واضحة المعالم للمرحلة القادمة؛ فقد تمحور الخطاب حول أهم الملفات الساخنة التي تشغل الرأي العام؛ كتطبيق مبدأ المحاسبة و النزاهة، وإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة؛ خاصة الوزارات التي أصابها الترهل وتراجع أداؤها في خدمة المواطنين. كما تطرق الخطاب إلى الحاجة لوضع سياسات وطرق جديدة لتوظيف الكوادر العمانية، التي عانت الأمرين عبر السنين الماضية. والتأكيد على حرية الرأي و التعبير حسب ما ورد في النظام الأساسي للدولة.

وقد كانت كلمات الخطاب معبرة وملامسة بحق لتطلعات المواطن والمقيم؛ الذي عدّها وصفة موفقة، وطرحا حكيما للكثير من التحديات التي تواجه المجتمع العماني خاصة الشباب الذين يتطلعون إلى المشاركة في صنع القرار في المرحلة القادمة.
ومصطلح النزاهة الذي يعني في أصله اللغوي: ” البعد عن السوء وترك الشبهات “. بينما تشير الحوكمة ” إلى القوانين والنظم و القرارات التي تهدف إلى تحقيق الجودة و التميز في الأداء ؛ عن طريق اختيار الأساليب المناسبة و الفعالة لتحقيق خطط و أهداف المؤسسة ” .


فالحوكمة و النزاهة لا يمكن لهما أن يتحققا بأي حال من الأحوال بجرة قلم أو حسن النية بالمسؤولين وصناع القرار في أي بلد من بلدان العالم، بل نحتاج إلى تأسيس قواعد صلبة و منهجية واضحة ؛ تقوم بالدرجة الأولى على التدقيق في اختيار قيادات نزيهة وأمينة و تحمل ضميرا حيا ووازعا دينيا. و كذلك تتمتع بكفاءات علمية رفيعة، ونظرة ثاقبة في التخطيط، و التنفيذ السليم للخطط والمشاريع ، و التوظيف في المناصب و الإدارات في الوزارات والشركات الحكومية، التي استحدثت في معظمها للانتفاع الشخصي، فالبعد عن المحسوبية و العلاقات الشخصية التي كانت سائدة في بعض التعيينات الوزارية والإدارية خلال العقود الماضية؛ أصبح من الضروريات التي يجب الوقوف عليها والتخلص منها في المرحلة الجديدة.
أثبتت الأيام والتجارب في الشرق و الغرب؛ أن الهيئات الرقابية المكلفة بحماية المال العام، لا يمكن لها القيام بعملها الرقابي بمفردها دون مساندة من البرلمانات التي تعبر عن إرادة الشعب، والإعلام الحر المتزن الذي يعتمد على المصداقية و التوازن والموضوعية في رسالته، والسلطة القضائية التي لا تخاف في الحق لومة لائم.


فالإعلام الوطني الحكومي الذي يتمتع بإمكانات وموازنات بعشرات الملايين، تخصص له سنويا من موازنة الدولة ، ويحتضن كوادر مدربة ذات تأهيل عال، لكنه ينظر بعين واحدة لمختلف القضايا والرؤى ؛ وهي عين الحكومة أو السلطة التنفيذية التي لا تريد أفكارًا وأرقاما وحقائق في وسائل الإعلام ؛ قد تخالفها و تعارضها في الرأي، و لا تتفق مع أطروحاتها ووجهات نظرها.
وأتذكر هنا مقولة لأحد رؤساء التحرير للصحف اليومية في السلطنة عندما كنت طالبًا في مرحلة دراسة الدكتوراه في التسعينات من القرن العشرين؛ إذ قمت بزيارته في مقر الجريدة لجمع المعلومات المتعلقة بالبحث، فيقول : ” هناك العديد من المشاريع العملاقة التي تنفذها الدولة في حواضر المدن العمانية تحت مسمى تطوير نزوى – صور – و عبري، وغيرها من المدن، لكن الإعلام كان دوره منقوصًا ؛ فالصحافة لا تعرف ما يدور خلف الكواليس، خاصة ما يتعلق بالمناقصات، وملكية الشركات التي تنفذ المشاريع، وعلاقة كبار المسؤولين في الدولة بهذه المشاريع العملاقة، بل دور الإعلام هنا يتركز في إبراز ما تم إنجازه من هذه المشاريع، و افتتاحها من قبل كبار المسؤولين “.


وتعد الرقابة الذاتية واحدة من أهم المعوقات التي تواجه الإعلام الحكومي والخاص على حد سواء، فالخوف من الوقوع في المحظور جعل القائمين على هذه الوسائل يترددون في نشر قضايا الفساد والمحسوبية إلا ما ندر. و في دراسته عن حرية التعبير في عمان؛ يقول أحد الأساتذة المرموقين في جامعة السلطان قابوس : ” إن و سائل الاتصال الجماهيري في عمان ، بما فيها الصحافة؛ تخضع لقيود قانونية وإجرائية ؛ الأمر الذي يحد كثيرًا من حركة الصحفيين وحريتهم في الحصول على المعلومات. كما أن الصحفي بمرور الوقت وزيادة القيود ؛ أصبح يمارس رقابة ذاتية سلبية على ما يريد نشره “.

وتكمن المشكلة هنا في التشريعات و القوانين التي لا تواكب هذه المرحلة؛ فالمرجع الأساسي لما تنشره وسائل الإعلام العمانية ؛ هو تفسير و ترجمة حرفية لقانون المطبوعات و النشر الذي يعود إلى عدة عقود مضت ؛ قبل ظهور ثورة الاتصال، وشبكة الإنترنت و ما حملتهما من فضاءات رحبة ومنابر جديدة كالإعلام الجديد،و وسائل التواصل الاجتماعي. و لا شك أن التقنيات التي أفرزتها الأجيال المتعاقبة في التكنولوجيا والثورة الرقمية؛ جعل من وظيفة الإعلام التقليدي في بلدنا وظيفة صعبة، و غير مقبولة للجمهور في الألفية الثالثة؛ فقد أسفر عن و جود عوائق و تعليمات وأوامر تحول دون التناول الجريء لكثير من قضايا المجتمع.

فالعالم من حولنا، مثلا يشهد انفتاحا إعلاميا، وحرية غير مسبوقة، و ليس ذلك بسبب وجود التشريعات الصحفية التي تحمي الصحفيين فقط، بل لوجود إرادة سياسية عليا نابعة من أعلى الهرم في القيادة، وثقة في المؤسسات الحكومية المنوط بها الإشراف المباشر على الإعلام، التي تؤمن بدور الصحافة والإعلام كسلطة رابعة ؛ تكرس كل إمكاناتها وأدواتها المهنية ؛ لمحاربة الفساد بلا هوادة، ومراقبة السلطات الثلاث؛ المتمثلة بالحكومة، والسلطة القضائية التي تحكم بين كل الناس بالعدل والمساوة بعيدا عن المحسوبية، والسلطة التشريعية التي تضع القوانين والأنظمة، لتكفل للمجتمع الحياة الكريمة.

وفي أعقاب هذا النطق السامي لجلالة السلطان هيثم الذي تناول فيه المحاسبة والنزاهة؛ تتجه الأنظار إلى مجلس شورى العماني لتطبيق وتنفيذ اختصاصاته التي نص عليها النظام الأساسي للدولة في مجالي التشريع والاستجواب للوزراء أعضاء الحكومة عند وجود شكوك في أداء وأمانة هؤلاء المسؤولين تجاه الوطن والمواطن أو المقيم. وعلى الرغم من جهود الأعضاء الحثيثة لاستخدام الأدوات الرقابية التي منحها السلطان الراحل – طيب الله ثراه – للمجلس عام2011م إلا أن السلطة التنفيذية المتمثلة في مجلس الوزراء؛ تحاول جاهدة طوال هذا العقد الذي شارف على الانتهاء؛ الحد من سلطات هذا المجلس الذي يمثل الشعب في كثير من الأحيان، كذلك هناك من يعتقد أن مجلس الدولة المعين من الحكومة، والذي يوازي أعضاؤه المجلس المنتخب؛ يميل لتوجهات السلطة التنفيذية عند التصويت على القوانين والتشريعات المثيرة للجدل. من هنا أصبح تأسيس محكمة دستورية؛ لتنظر في القضايا المتعلقة بتضارب الاختصاصات والصلاحيات بين الحكومة و مجلس الشورى بشكل خاص، و في مجال حل النزاعات المتعلقة بدستورية القوانين، والتشريعات والأحكام القضائية في البلاد بشكل عام؛ مطلبا ملحا في هذه المرحلة؛ وذلك لتحقيق النزاهة والحوكمة في دولة المؤسسات والقانون التي نريد.

وإذا كنا قد أسهبنا في الحديث عن حقوق المواطن، وكشفنا الطرق والأساليب المختلفة لمحاسبة الحكومة؛ فيجب تذكير هذا المواطن الذي حظى بالرعاية من لدن السلطان قابوس – رحمه الله – في ذلك العهد الذي استمر لنصف قرن، فإن قدرة الله وعنايته قد ساقت له سلطانا جديدا يتمتع بكل مواصفات القيادة الحكيمة، ومفاتيح النجاح التي تؤهله للإبحار بهذا الوطن إلى بر الأمان.

ولأن المواطن شريك أساسي في النزاهة والمحاسبة؛ فعليه تقع مسؤوليات كبيرة في محاربة الفساد؛ ففساد المواطن العادي لا يقل خطورة عن فساد الوزير، الذي كان بالأمس في مرتبة وظيفية أقل مما هو عليه الآن، والموظف الذي يقتضي عمله إنهاء إجراءات المراجعين ويماطل أو يغيب عن عمله، ويتهاون في القيام بواجبه المقدس، والتاجر الذي يغش الناس في البضائع؛ يجب أن يتم إخضاع هؤلاء لمبدأ المحاسبة والنزاهة؛ مثلهم كمثل المسؤول المقصر بالواجب الوطني.
وأختم مقالي بهذه الكلمات المعبرة التي قالها السلطان هيثم في خطابه الأخير؛ وقد اخترقت بالفعل قلوب العمانيين وعقولهم “…إننا إذ نعاهد الله عز وجل على أن نكرس حياتنا من أجل عمان و أبناء عمان كي تستمر مسيرتها الظافرة ونهضتها المباركة فإننا ندعوكم أن تعاهدوا الله على ذلك”. وفي هذا المقام نقول لجلالتكم إننا على العهد ماضون لنكتب معا فصلا جديدا من النهضة العمانية المتجددة.


شارك هذا الخبر