أثير- د. محمد بن حمد العريمي
قبل حوالي 103 أعوام من الآن اجتاح العالم وباءٌ خطير انتشر بين حوالي نصف مليار نسمة، وتسبب في وفاة أكثر من خمسين مليون نسمة كأحد أكثر الأوبئة فتكًا بالبشرية، وكان أكثر ضحاياه من فئة الشباب ومتوسطي العمر، وقد بدأت موجة الفيروس تضرب في نصف الكرة الشمالي بموجةٍ خفيفة في ربيع عام 1918، وأعقبتها موجةٌ فتّاكة في الخريف التالي، ثم موجة انتقامية في الأشهر الأولى من عام 1919.
“أثير” تستعرض لكم في هذا التقرير المجمّع بعض العناوين المتعلقة بهذا الوباء من حيث مكان ظهوره، وأسباب تسميته، وأبرز أعراضه، وآثاره التي خلفها، مع مقارنة بينه وبين وباء (كورونا) الحالي، وذلك من خلال الاستفادة من عدّة تقارير صحفية تناولت الوباء وتم نشرها في مواقع إلكترونيّة عدّة أشار إليها التقرير.

مكان ظهور الوباء
ظهر وباء الإنفلونزا الإسبانية في 1917-1918 ، حيث كانت أول حالةٍ مُسجلة في مارس/آذار عام 1918 وآخر حالةٍ مُسجّلة في مارس/آذار عام 1920 ومع أنه لا يوجد إجماع على مكان انطلاق المرض إلا أن هناك بعض الآراء حول ذلك نستعرض بعضًا منها من خلال عدة تقارير صحفية تناولت المرض.
فقد أشار تقرير نشره موقع (سكاي نيوز) الإلكتروني بتاريخ 20 مارس 2020 إلى نظرية نشرتها مجلة “ناشونال جيوغرافيك” العلمية في عام 2014، مفادها أن الفيروس ظهر أولا في الصين.
وبحسب التقرير نقلت المجلة حينها عن المؤرخ الكندي، مارك همفريز، قوله إن سجلات قديمة كشف النقاب عنها حديثا تشير إلى أنه جرى نقل 96 ألف عامل صيني للعمل خلف خطوط القوات الفرنسية والبريطانية في الجبهة الغربية.
ورجح هذا الباحث أن يكون هؤلاء هم السبب وراء انتشار الفيروس، وقال إن نحو 3 آلاف من هؤلاء أمضوا وقتا في الحجر الصحي بكندا، وبسبب النظرة العنصرية الطاغية في ذاك الزمان، اعتبر الكنديون أن هؤلاء مصابين بمرض “الكسل الصين” وأضاف أن بعضا من هؤلاء أصيبوا أو ماتوا بعدما أكملوا رحلتهم إلى فرنسا في أوائل عام 1918.

ويشير تقرير لموقع عربي بوست نشر في 12 فبراير 2020 إلى خنادق الحرب العالمية الأولى – حيث ساد سوء التطهير والأمراض- بوصفها مُتّهما رئيسيا، ولا شك أن الأوضاع القذرة التي انتشرت فيها الفئران أثّرت على أجهزة مناعة الجنود، ما جعلهم أكثر عُرضةً للمرض، ويُعتَقدُ أن أول الحالات المُسجلة كانت داخل أحد الحصون العسكرية للولايات المتحدة، قبل أن ينتشر المرض بمُعدلات مُقلقة في أوروبا. ولكن الوباء حصل على اسم “الإنفلونزا الإسبانية” بسبب الحرب.
ويضيف تقرير الموقع إلى أن أولى الحالات سُجِّلت رسميا في مارس/آذار عام 1918 داخل معسكر فنستون في ولاية كانساس. وفي غضون ستة أسابيع، كان المرض قد وصل إلى خنادق الجبهة الغربية في فرنسا، لكن المرض لم يتفشّ في إسبانيا حتى حلول شهر مايو.


سبب التسمية
بحسب كتاب “الإنفلونزا الإسبانية” للمؤلف هنري ديفيز الذي أشار إليه تقرير موقع (سكاي نيوز) الإلكتروني، فقد بدأ الأمر ببرقية إخبارية وصلت إلى وكالة “رويترز” في ربيع 1918، بشأن تفشي مرض غريب ذي طابع وبائي في مدريد، وكانت إسبانيا من أول الدول التي تم فيها تسجيل وفيات بالفيروس.
لكن – وبحسب التقرير – فإن هناك مؤرخين يعدون أن الأمر يعود إلى الرقابة العسكرية المفروضة في البلدان الأخرى، وأشاروا إلى أن مدريد كانت محايدة أثناء الحرب ولم تفرض رقابة على صحافتها، لذا ساد الاعتقاد بأنها “الانفلونزا الإسبانية”.
وبالتالي جرى نقل تقارير عن أول حالات الإصابة الإسبانية في الصُحف، لأن الملك ألفونسو الثالث عشر ورئيس الوزراء والعديد من وزرائه كانوا من بين أوائل تلك الحالات، لذا كانت محنة البلاد واضحةً للغاية.
وأشار تقرير موقع (عربي بوست) الإلكتروني إلى “أنّ الإسبان تضرّروا بشدةٍ من هذا الافتراء: إذ كانوا يعلمون أنّهم لم يتسبّبوا في نشر المرض، واشتبهوا بشدة في أن يكون الفرنسيون هم من أرسلوا الإنفلونزا عبر الحدود، لكنّهم لم يستطيعوا التأكُّد، وبحثوا طويلا عن اسمٍ آخر للمرض، فوجدوا الإلهام في أوبريت عُرِضَ داخل مسرح زارزولا بالعاصمة -والذي كان بمثابة إعادة صياغة شهيرة لأسطورة دُنجوان مع لحنٍ جذّاب يُدعى “جندي نابولي The Soldier of Naples”. وبات المرض المُعدي يُعرف في إسبانيا باسم جندي نابولي”.

كيف تفشى المرض!
أشار تقرير موقع (سكاي نيوز) الإلكتروني إلى أنه في غضون أسبوعين أصيب أكثر من 100 ألف شخص، مما يعني أنها أقوى من فيروس كورونا الذي استغرق شهرين ونصف الشهر حتى وصل إلى هذا الرقم، وانهارت الخدمات الطبية في البلاد، ودول مجاورة بعدما عجز المستشفيات عن مواكبة العدد المتزايد من المرضى.
وفي صيف 1918، كانت الإنفلونزا الإسبانية قد اجتاحت العديد من الدول في القارة الأوروبية، مثل بريطانيا وفرنسا وهنغاريا وألمانيا والنمسا، وفي أغسطس من العام ذاته، أصبح الوباء جائحة، ووصل إلى السويد وكندا والولايات المتحدة وجنوب إفريقيا، ووجهت نصائح حينها من أجل تلافي الإصابة مثل الامتناع عن المصافحة وملازم المنازل وارتداء الأقنعة، في سيناريو تكرر بعد 100 عام في فيروس كورونا حاليا.
وكانت أبرز أعراض الإنفلونزا الإسبانية – بحسب ما ذكر التقرير – على النحو التالي: في اليوم الأول، صداع رهيب في الرأس، وإعياء في الجسد، ثم سعال جاف وفقدان الشهية، وآلام في المعدة، وفي اليوم الثاني، يغرق المصاب بالعرق الذي يفرزه جسده، وتطورت بعض الحالات إلى التهاب رئوي حاد وفشل في الجهاز التنفسي، ويعد مؤرخون أن هذين الأمرين المسببين للوفاة.

بحسب تقرير موقع (الجزيرة) الإلكتروني المشار إليه في تقريرنا، فإنه من الأشياء الغريبة بشأن الإنفلونزا الإسبانية أن أغلبية الوفيات بسببها كانت لدى الشباب، فمثلا في الولايات المتحدة فإن 99% من وفيات الإنفلونزا كانت لأشخاص دون سن الـ65، مع أنه نظريًا فإنه من المتوقع أن يتأثر المسنون أكثر، كما أن من الأمور الغريبة أن أشد حالات الوباء حدثت في الصيف والخريف وليس في فصل الشتاء.
وكمحاولة لتفسير سبب ارتفاع الوفيات بين الشباب تم اقتراح ما تسمى عاصفة سيتوكين (cytokine storm) التي تحول نظام المناعة في الجسم ضده، وأن الإنفلونزا الإسبانية كانت تحفزها.

ضحايا الهند
أشار تقرير موقع عربي بوست إلى أن “الهند كانت أكثر الدول التي تجلت العواقب الوخيمة لهذا المرض فيها أكثر من غيرها إذ تبنّى مُستعمروها البريطانيون لفترةٍ طويلة وجهة النظر القائلة إن الهند غير صحيةٍ بطبيعتها، لذا لم يستثمروا كثيرًا في الرعاية الصحية للسكان الأصليين، وبالتالي مات قرابة 18 مليون هندي بسبب الوباء، وهو أكبر عدد ضحايا تكبّدته أيّ دولةٍ في العالم”.
وباء من صنع الشيطان
كما هي العادة في البحث عن أسباب معنوية أو خرافية أو دينية لمسسبات الأوبئة، فقد أشار تقرير موقع عربي بوست السابق إلى أن “المناطق الريفية في الصين مثلا كان الكثير من سكانها يعتقدون أنّ المرض أرسلته الشياطين والتنانين، لذا انطلقوا في مسيرات حاملين مجسمات ملوك التنانين بالشوارع أملا في استرضاء الأرواح الغاضبة، وتحدّث طبيبٌ تبشيري عن تنقُّله من منزلٍ لآخر في مقاطعة شانشي أوائل عام 1919 ليجد المقصات على عتبات أبوابهم، لدرء الشياطين أو محاولة قصهم إلى نصفين”.
تقديرات الضحايا
اختلفت التقديرات للعدد الدقيق لوفيات الانفلونزا الإسبانية، فبحسب تقرير موقع (سكاي نيوز) يعتقد بعض المؤرخين أنها قتلت نحو 50 مليون إنسان على الأقل، أي ما يعادل 10 في المئة من إجمالي الذين أصيبوا بها، مما جعلها الوباء الأكثر فتكًا في التاريخ المعاصر.
بينما يشير تقرير موقع (الجزيرة) إلى أنه “أصيب بالإنفلونزا الإسبانية حوالي ثلث سكان العالم، وتوفي ما يقدر بـ10% إلى 20% من المصابين، وتشير التقديرات الحالية إلى أن ما بين خمسين مليونا ومئة مليون شخص قد فقدوا حياتهم في جميع أنحاء العالم بسبب الإنفلونزا الإسبانية، وهذا يعني حوالي 3 إلى 6% من سكان العالم”.

وأشار تقرير للصحفية أليان مارون ظاهر نشره موقع (الديار) اللبناني الإلكتروني بتاريخ 29 أكتوبر 2018 إلى أن الوباء حصد حوالي 5% من مجموع سكان الهند آنذاك وقد قدر الرقم بنحو 17 مليون شخص ، وفي اليابان أحصيت أكثر من 23 مليون حالة إصابة نتج عنها حوالي 390 ألف حالة وفاة ، وأصيب حوالي 28% من السكان في الولايات المتحدة بالمرض وحصد أرواح ما بين 500 و 675 ألف شخص ، وفي بريطانيا رصدت أكثر من 250 ألف ضحية وفي فرنسا بلغ العدد 400 ألف وسقط في كندا حوالي 50 ألف مريض.

انتشار الوباء في شبه الجزيرة العربية
لم تكن الجزيرة العربية بمنأى عن تلك الجائحة؛ فقد انتشر فيها المرض، وفي تقرير لموقع (الخليج أونلاين) الإلكتروني المنشور بتاريخ 19 مارس 2020، فقد أطلق على هذا العام في نجد مثلًا بـعام الرحمة ،و”عام الصخونة”، وفسر باحثون سبب التسمية لكثرة الترحم على الموتى، ولأن هذا الوباء القاتل كان يصاحبه ارتفاع كبير في درجة حرارة المصاب.
ويمضي التقرير ليشير إلى أنه بحسب ما تناقله الآباء عن الأجداد، فإن أعداد الموتى قدرت بالآلاف، وأباد مدنا بأكملها، قيل إن النعوش تكسرت من كثرة الموتى، حتى وصل بهم الحال إلى الاستعانة بأبواب المنازل والبسط في نقل الموتى إلى المقابر.
أما عن سبل مكافحة “الإنفلونزا الإسبانية” “فقيل إن الناس في نجد مثلاً لجأوا إلى عزل المرضى في بيوت وأماكن في أطراف البلدة أو خارج أسوارها؛ تجنبا لاختلاطهم بالأصحاء”، وهذه الطريقة استخدمت في كثير من مدن الخليج العربي.
كما قيل أيضا إنهم أخذوا من صديد المرضى وقاموا بتطعيم بقية الناس بطرق بدائية للحيلولة دون انتشار الوباء، إلى جانب التداوي بالأعشاب والتركيبات الدوائية لمكافحة المرض.

المراجع
- إليان مارون ضاهر. “الإنفلونزا الإسبانية… أعظم هولوكوست طبّي في التاريخ!”،موقع جريدة الديار الالكتروني، 29 أكتوبر 2018، addiyarcomcarloscharlesnet.com/article/1619307
- “الإنفلونزا الإسبانية.. الوباء الأكثر فتكا في تاريخ البشرية”، موقع “سكاي نيوز” الالكتروني، 20 مارس 2020، 6skynewsarabia.com/technology/132971
- “الإنفلونزا الإسبانية وباء قتل ملايين البشر”، موقع الجزيرة الالكتروني، 12 مارس 2018، aljazeera.net/news/healthmedicine/2018/3/12/
- “الإنفلونزا الإسبانية الوباء الذي قتل أكثر من ضحايا الحربين العالميتين”، موقع عربي بوست، 12 فبراير 2020، https://arabicpost.net/
- سامي خليفة. “كورونا 2020 والإنفلونزا الإسبانية 1918: تطور العلم وديمومة الرعب”، جريدة المدن الالكترونية، 12 مارس 2020، https://www.almodon.com/society/2020/3/12
- “قضت على قرى وعولجت بالعزل.. أمراض وأوبئة داهمت الخليج تاريخياً”، موقع الخليج أونلاين، 19 مارس 2020، https://alkhaleejonline.net/
- الصور من شبكة المعلومات العالمية




