أثير- الركابي حسن يعقوب
ردة فعل الرئيس ترامب تجاه الرد الإيراني على الورقة الأمريكية واللهجة الغاضبة التي استخدمها تعبيرًا عن رفضه لمقترحات إيران، تشير إلى أن الرئيس ترامب فوجئ بهذا الرد وأنه لم يكن يتوقع أن يكون على هذه الشاكلة، لذلك وصف الرد الايراني بأنه ”غير مقبول بالكامل“ ولا يعجبه وأشار إلى المسؤولين الإيرانيين بتعبير ”ما يسمى بممثلي إيران “ وهو تعبير يحمل قدرًا كبيرا من السخرية والاستهزاء مما يعكس شعورا بالصدمة لدى ترامب نتيجة لفحوى رد إيران.
في اعتقادي، أن الرئيس ترامب كان يتوقع ردًا أكثر مرونة يستطيع أن يتكئ عليه في مواجهة الداخل الأمريكي ويوفر له فرصة أوسع للخروج من مأزق الحرب دون أن يبدو عليه الانكسار أمام الخصم الإيراني، ولكن الرد الإيراني كان بعيدًا كل البعد عما كان ينتظره ترامب، والراجح أن إيران قد تعمدت تضمين هذه الرسالة القاسية في ردها بغرض تحقيق هدفين إثنين، الأول هو هز صورة الرئيس ترامب داخليا وتضييق الخيارات أمامه في الوقت الذي يرزح فيه تحت وطأة ضغوط الرافضين للحرب ، والهدف الثاني هو إهدار الوقت وعدم تمكين ترامب من اتخاذ خطوة أساسية تجاه الأزمة حتى حلول موعد زيارة ترامب إلى الصين المقرر لها الأربعاء، والغرض من ذلك هو أن تكون قضية الحرب في صلب المباحثات الصينية الأمريكية وورقة ضغط في يد الجانب الصيني، وهي منصة من وجهة نظر إيران أفضل وأكثر فاعلية من منصة الوساطة و يتعدى دورها إلى أبعد من مجرد نقل المراسلات وتقريب وجهات النظر وتهيئة الأجواء.
فالصين وإن لم ترقى علاقتها بإيران لمستوى الحليف بالمعنى الشامل، إلا أنها في الواقع تعتبر أحد أبرز الشركاء التجاريين لإيران وتجمعهما علاقات ومصالح جيوسياسية واستراتيجية قديمة ،وفوق هذا وذاك وكما قال الشاعر احمد شوقي فإن ”المصائب يجمعن المصابينا“، كلا من الصين وإيران كان لهما حظ وافر من السياسات الاقتصادية التي انتهجها ترامب منذ بداية توليه الرئاسة، فيما عرف بقانون القوى الاقتصادية الدولية الطارئة وفرضه للرسوم الجمركية العالية على الواردات إلى الولايات المتحدة.
إذن طهران تريد أن تضع واشنطن تحت الضغط الصيني المباشر ليس بالوكالة بل بالأصالة، حيث أن الصين متضررة بشكل كبير من أزمة مضيق هرمز الذي تسببت فيها الحرب الأمريكية على إيران وتفاقمها بالحصار الذي فرضته أمريكا على الموانئ الإيرانية ، فالصين تستورد ما نسبته 52% من وارداتها النفطية من المنطقة، 40% من دول الخليج عبر مضيق هرمز، و 12% من إيران، وبسبب إغلاق المضيق وتعطل حركة السفن اتجهت الصين مضطرة إلى أسواق أخرى لتأمين استمرار وارداتها النفطية بأسعار أعلى كما تضررت تجارتها وصادراتها مع دول المنطقة بما ينذر بأزمة تطال الاقتصاد الصيني لذلك فهي معنية بقدر كبير بإعادة فتح المضيق عبر اتفاق مرضي لكل الأطراف ولن تفوت بكين فرصة المباحثات رفيعة المستوى المرتقبة بينها وواشنطن لمناقشة الأمر مع الجانب الأمريكي، والوصول إلى تفاهمات فيه، يكون لطهران نصيب منه بطبيعة الحال.
والحقيقة أن ترامب ما كان يريد أن يذهب إلى الصين قبل حسم الأزمة مع إيران تفاديا لهذا ”المطب“ الذي ينتظره ولا مفر منه. وكذلك إسرائيل تشعر بالاستياء إزاء هذا الواقع، لذلك شرع نتنياهو في التحريض ضد الصين خلال مقابلة له مع برنامج 60 دقيقة على شبكة CBS حيث قال إن الصين تقدم ”دعما معينا ومكونات محددة“ لبرنامج تصنيع الصواريخ الإيراني، وتساءل ما إذا كانت بكين ترغب في رؤية إيران تسيطر على الممرات المائية التي تعتمد عليها الصين في امدادات الطاقة و ”نصح“ بكين بإعادة تقييم مصالحها.
ويتوقع أن يكون نتنياهو الحاضر الغائب في الوفد الأمريكي إلى المباحثات بين الصين والولايات المتحدة، من أجل هندسة المحادثات لتكون موافقة لما تريده إسرائيل فهو الذي قاد ترامب نحو خيار الحرب على إيران وما انفك يقودها بشكل أو بآخر وفقا لأهدافه.
لكن السؤال المهم في هذا السياق هو من سيكسب الرهان، هل ستفلح مساعي نتنياهو في تفخيخ أو قل تخريب محادثات بكين وواشنطن فيما يلي الحرب الأمريكية على إيران؟
أم أن طهران ستنجح في تمرير خطتها بشكل ناعم من بين ثنايا أوراق شريكتها بكين ؟



