خالصة العوفية
كثيرٌ منا ينتابه القلق لأسباب عدة، فينغص حياته ويجعله مضطربا، قلقا ، يملأه الخوف، وهو يفوق ما يمكن اعتباره رد فعل طبيعيًا على حالة معينة أو حدث زائل، الأمر الذي يفقده الشعور بالأمان، قال تعالى :”إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعا” لأنه فُطر على حب ذاته، تزداد حياته بؤسا عندما يدركه الخوف، يتخبط هنا وهناك، فكره عاجز عن التفكير، إلا من تحلى بالإيمان وغُرس في قلبه الصبر والسلوان.
جائحة اجتاحت العالم فبينت المعادن، دول عاجية سرعان ما عُرف جوهرها، وأبراج كرتونية هشة آلت للسقوط، الخوف والجزع عمّ أرجاء البسيطة فانتشرت الفوضى، التي لم تقتصر على التشريعات والأنظمة الدنيوية فحسب، وإنما نالت القيم والمبادئ الإنسانية، أظهرت هذه الجائحة كيف أن الإنسان يحب ذاته، وكيف أن الأهداف الدنيوية المبنية على المصالح والاستغلال، زائلة بالمقارنة مع القيم التي أنزلتها الرسالات السماوية .
كيف أن الاتجاهات المبنية على تلك القيم التي أوجدتها الأنا النرجسية قد أصبحت هي الموجهة والمسيرة لحياة الأفراد والمجتمعات .
في البداية لم أكن أتصور حجم ما قد تؤول إليه هذه الجائحة، أدركت معنى القلق عندما أتابع الأخبار العالمية، ليس من أعداد المصابين، ولا من أعداد المفقودين من هذه الدنيا الزائلة، ولا من التشاؤم الذي يسود أولئك الذين يؤمنون باستراتيجيات مبنية على المصلحة، إنما أدركت القلق من انحطاط القيم الزائفة، واستبدال التشريعات البراقة بشريعة الغاب، الأخبار تقول بسرقة معدات طبية قادمة من الدولة الفلانية لدولة أخرى، وأخبار أخرى بنقض اتفاق توريد أدوات طبية بين دولة وأخرى لصالح أخرى، أب يُترك ليموت وأبناؤه لا يريدون رؤيته، تحديد سنوات معينة لتقديم الرعاية الصحية لهم وغير ذلك تترك لتموت، يتبرأ أفراد الأسر بعضهم عن بعض، كلٌّ يقول نفسي نفسي، رعايا دول معلقون في بلدان أخرى بل إن بلدانهم تتبرأ منهم، هوسٌ في الشراء، سرقات وجرائم، خوف من المستقبل، هكذا هي الأخبار!
قامت الدول على نظم ورؤى مختلفة، تلك النظم بُنيت من أجل مصلحة الدولة، وبالتالي فإن النظم الاقتصادية هي أساس تلك المصلحة، ولذا فقد أصبحت الأفكار الطاغية في القرن الماضي المبنية على البراغماتية التي تعد نجاح العمل هو المعيار الوحيد للحقيقة، حيث إنّها تشدد على أولوية العمل على المعتقدات، والخبرة على المبادئ الثابتة، وتؤكد أن الأفكار تأخذ معانيها وحقائقها من نتائجها والتحقق منها، ولذا فإن نتاج العمل هو المقياس الملموس بغض النظر عن الكيفية، وهكذا قامت الدول الرأسمالية بتطبيق هذه الأفكار في جميع النواحي خصوصا في الجانب الاقتصادي، مما أفقد ذلك قيمة الإنسان، وحدا به أن يكون كالآلة، وقس على ذلك تأثيرها على الجانب الاجتماعي.
كنت أتخيل كيف يمكن إدارة أزمات طارئة قد تحدث؟ هناك الكثير من الدراسات حول ذلك، بل هناك علم خاص معني بإدارة الأزمات، هل التخطيط هو أساس كل شيء؟ هل فعلا نحتاج لتحليل البيئة الداخلية والخارجية لإدارة الأزمة؟ بعد أن رأيت تجارب دول كثيرة في إدارة الأزمات أدركت أن التجارب والخبرات هي المكسب المهم الذي استطاعت به تجاوزها، لكن هل التجربة هي المحك الحقيقي؟
مرّت على السلطنة أزمات ليست ببعيدة كالأنواء المناخية المتعددة، وأظهر القطاع الحكومي والخاص كفاءته في إدارة تلك الأزمات رغم الإمكانات والخبرات المحدودة في حينها، وكنت أتساءل كغيري ماذا سيحدث عندما يختار الله سبحانه وتعالى السلطان الراحل طيب الله ثراه؟ شعرت بالقلق لمجرد التفكير في ذلك، لكن ها هو الانتقال السلس قد بدد قلقنا بمن اختاره رحمة الله عليه ليقود نهضة متجددة، متمسكة بالقيم والمبادئ التي أساسها التقيّد بتعاليم الدين، العدل والمساواة، الخلق والمعاملة الحسنة، الإيمان بالقدر خيره وشره، العمل والإخلاص، الُلحمة الوطنية ونبذ الفرقة والشقاق.
أدركت لاحقاً أن الرابط المشترك في مجابهة هذه الأزمات ليس فقط في التخطيط السليم ولا في التحليل الدقيق ولا حتى في المعرفة والخبرة، وإنما في القيم الإنسانية، فمن أرسى وغرس على فطرة الإنسان القيم والمبادئ الصحيحة يستطيع أن يجابه كل عارض، والتي غالباً ما تأتي باستراتيجيات قام بها كيان الدولة، تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل، وتطبقه الشعوب لا شعورياً، وبذا فعند الشدائد يبرز الأمان المنشود.
الأمان، ليس مصطلحا ملموسا، وإنما شعور داخلي ينتاب المرء، وهو نتيجة حتمية بناءً على مقياسٍ تراكمي للتجارب والإيمان الراسخ في الذهن الذي يبدد أي قلق، فبالرغم من أن هذه الجائحة لم تبقِ على دولة من دول العالم المتقدمة والمتخلفة سيان، إلا أن وقع الضرر بالسلطنة كان أهون من خلال التخطيط السليم والاحترازات المتبعة والإمكانات المتوفرة، من رعاية صحية مناسبة سواءً كانت للمواطن أو المقيم، وشفافية في التعامل مع أحداث الجائحة، وضبط أمني وصحي في السيطرة والتحكم على الإجراءات المتخذة للحجر والعزل الصحي، بالإضافة للتأمين الاقتصادي الذي اتخذ لمواجهة أزمة الاقتصاد العالمي، من خلال استمرار ارتفاع إسهام القطاع غير النفطي في تعزيز الاقتصاد الوطني، وإظهار إمكانات الشركات الصغيرة والمتوسطة في تغذية السوق المحلي من الإنتاج الزراعي والألبان واللحوم والأسماك وغيرها كنوع من الاكتفاء الذاتي، والانفتاح العالمي في النقل البحري والاستيراد المباشر، والتسهيلات المقدمة في الجمارك واستثمار الشركات وكذلك التأمين والمصارف المالية، علاوة على الاستقرار السياسي، كل ذلك أدى إلى ارتفاع التحصين الفكري القائم على الطمأنينة، وقوة الوعي الذاتي والمجتمعي في مواجهة المخاطر والتفاؤل إزاء المستقبل.
أنا لست قلقة من المستقبل.. هل أنتم قلقون؟!





