رواية سمحة العمانية .. بعيون يمانية

رواية سمحة العمانية .. بعيون يمانية
رواية سمحة العمانية .. بعيون يمانية

كمال محمود علي اليماني

منحني العزيز الباحث (هاني باسل) فرصة أن أقرأ رواية سمحة إذ أعارني إياها لما أن وجدها رواية ماتعة تستحق القراءة، والحق أنني أشكر له فعله هذا إذ مكنني من قراءة رواية جميلة وبديعة مع بدايات عامنا الميلادي الجديد.
الكاتب هو الروائي العماني خالد المخيني، وقد عمل ضابطا بحريا قبل أن يحيل نفسه للتقاعد للتفرغ للقراءة والكتابة، وما أبهجه من قرار كانت سمحة إحدى أجمل ثماره.


الرواية اسمها ((سمحة)) هكذا دون إضافة أية كلمة لها، مفردة منفردة، وسمحة هو اسم سفينة عمانية انطلقت من صور مولية وجهها صوب شرق إفريقيا في شهر مايو من العام 1959م، لتنتهي رحلتها في أغسطس من العام التالي غارقة في المنطقة الوسطى من عمان، وقد كانت قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى ميناء الرسو في صور،  إثر وقوعها في مجال إعصار مداري يعرف بالإكليل؛ لتسكن في قاع البحر كاملة في اختفاء دائم وبين جنباتها 141 شخصا هم طاقم السفينة وركابها.

سمحة كانت السفينة الرمز لكفاح البحارة في صور، وكانت شاهدة على إرث بحري عظيم لهذه المدينة، لذا فقد كان غرقها حادثا جللاً لازال صداه يتردد إلى يومنا هذه رغم مرور كل هذا السنوات على وقوعه، ولعل أكبر دليل على ما أدعي هو صدور هذه الرواية، ولهذا يمكن لنا أن نصنف الرواية على أنها رواية تاريخية تعرض للقارىء العليم وغير العليم حكاية غرق هذه السفينة الرمز، ومع احتفاظ المخيني بالأمانة التاريخية للحدث؛ إلا أنه لم يشأ أن يكتب تاريخا لغرق السفينة ويوثق له  معتمدا على الحقائق التاريخية التي حصل عليها من سجلات البحرية العمانية، بل  آثر أن يعرض الحكاية بشكل روائي متخيل يأنس له القارىء، فالشخصيات الواردة في الرواية ليست حقيقية في وجودها الفعلي، غير أنها حاضرة فيما تجسده من أدوار .
ولعل اللافت للنظر قبل الولوج في قراءة الرواية هو هذا العنوان المثير للاهتمام، لماذا اختار الروائي اسم السفينة عنوانا هكذا دون إضافة، هل سمحة هنا مبتدأ، أم أنها خبر، أم لعلها منادى يستدعى من قرار البحر  بعد عقود. وإن أنت أمعنت النظر في صورة الغلاف وهو يشكل مع العنوان عتبة جد رائعة للولوج إلى الرواية، ستكتشف كم كانت المصممة د. (ابتسام المرزوقي) مبدعة في اختيار صورة الغلاف الأمامي، فالسفينة هنا لا نرى منها إلا ظهرها في إيحاء مؤكد على أنها رحلة ذهاب لا إياب بعده، واللون الطاغي هو اللون الأزرق الداكن لا لون البحر الفاتح الحامل لدلالة الصفاء والوداعة، إنه الأزرق الداكن بما يحمله من إيحاء مرعب تمثل في الخاتمة المأساوية للسفينة.


أهدى الروائي خالد المخيني روايته “إلى اللحظة التي منحتني عبورا للحياة وأبقتني لأكتب سطور سمحة”، ومن هنا نعلم أن السارد للرواية وأحداثها سيكون شخصا من داخل الرواية ذاتها، وأن (خالد المخيني) قد سلمه القياد لينطلق في السرد.

السارد في العالم الروائي لأحداث الرواية، وهو الوسيط بين المؤلف والمتلقي، يتخذ اشكالا عدة يحددها المؤلف ذاته حسب طبيعة الرواية والغرض الذي كتبها من أجله، ولقد اختار الروائي تقنية للقصة تعتمد على سارد متخيل، وهو سارد مشارك في أحداث الرواية، يوصل إلينا أحداثها وأفكارها وشخصياتها من وسط الحكاية لا من خارجها، ولقد أفلح الراوي في اختلاق شخصية السارد ، وهو هنا (عقيل بن عبدالله)،  المعلم في إحدى مدارس صور، إذ  قرر أن يزور شرق إفريقيا في رحلة ترفيهية، فكانت روزنامته هي السبيل لتسجيل وقائع الرحلة، وماجرى فيها من أحداث، ولقد كان الراوي موفقا، مرة أخرى، في اختيار تلكم التقنية إذ درج المتعلمون من البحارة والرحالة على انتهاج ذلكم الأسلوب في تدوين رحلاتهم، ثم أن الروزنامة،  وهي تقويم يومي ندعوه هذه الأيام بالمذكرات،  تتعدد فيها الأفكار والشخصيات والأحداث فلا يتسلل الملل إلى نفس القارىء إن طالت الرواية، لاسيما وأن الظرف المكاني لها محصور في غالب زمانها، ويعمد بعض الروائيين إلى تعدد الرواة في سرد أحداث رواياتهم ليتمكنوا من خلال تلكم التقنية من إيصال الأفكار ووجهات النظر والثيمات المتعددة بيد أن (خالد المخيني) قد استطاع أن يفعل كل ذلك من خلال تعدد الشخصيات والحوارات المتضمنة في روايته، لا من خلال تعدد الراوي.

حوت الرواية شخصيات عدة، وهي شخصيات متخيلة كما جاء سلفا،  فنجد المعلم (عقيل) السارد، ونجد النوخذة (ناصر بن سيف) وهو مالك السفينة وربانها الأساس، ثم (علي المجدمي) مقدم البحارة، وكذا (فرحان) النجار، و(عبيد) و(مبارك) و(جواد) قائد حملة الحجاج الجوادر ، وكل شخصية من الشخصيات لها دور تؤديه خلال الرواية، وهي أدوار مساندة لمتن الرواية، كما أنه أراد أن يضع ثيمات متعددة في الرواية مستغلا فضاءها الواسع فيناقش عددا من القيم التي سادت تلك الفترة، والتي كانت  تمثل المجتمع العماني آنذاك ومجتمع صور بشكل خاص.

وفضاءات الرواية واسعة ومتعددة فهناك فضاء السفينة وهو الفضاء الأوسع، وهناك فضاءات لازمتها ولازمت شخصيات الرواية، هناك فضاءات (عقيل) السارد، والنوخذة (ناصر) وفضاءات (عبيد) و(فرحان) النجار، و(جواد) قائد حملة الحجاج الجوادر، وكذا فضاء (مبارك) رجل الملح. والقارىء للرواية يحلق في تلكم الفضاءات المتعددة مع السارد من خلال روزنامته، وما ضمته من حوارات وثيمات.

وإذا كان مفصل الرواية هو غرق السفينة والذي استغرق ثلاثين صفحة من صفحات الرواية إلا أن حقولا دلالية متعددة قد طرقها الراوي في روايته؛ فالثيمات أو المواضيع المطروقة والتي تمثل كثيرا من قيم وأخلاقيات المجتمع العماني عامة، والصوري بشكل خاص كالحرية وسعي البحار عبيد إليها وهو سليل أحد العبيد المحررين مؤخرا وذهابه إلى البلوز (القنصلية الانجليزية) في مسقط لاستصدار صك حريته، والشهامة العربية المتمثلة في إطلاق سراح النوخذة (جمعة بن صالح) بأموال النوخذة (ناصر بن سيف) مالك سفينة سمحة، والمواقف النبيلة والكريمة مع الحاج (جواد)، والكرم مع (مبارك) رجل الملح الفقير المحتاج، وليس آخرها الحلم بالعيش الرغيد والخروج من ربقة العمل اليومي وأجرته التي لا تفي بمستلزمات الحياة  المرفهة التي يطمح إليها (فرحان) النجار، والتي كادت أن تتحقق بعثوره على قطعة من العنبر، لولا ماخبأه له القدر من موت في قاع ذات البحر الذي وهبه حلمه.

لغة الرواية كانت بين عامية لجأ إليها (خالد المخيني) مضطرا حين أورد بعضا من أهازيج كان يرددها البحارة وهم على متن سفينتهم، يتلهّون بها في رحلاتهم، وجاءت بشكل مقتضب لا يخل باللغة الفصحى التي اعتمدها لغة لروايته، ثم الفصحى الوسط إن جاز التعبير، أو ما يطلق عليها لغة الصحافة والإعلام، وهي الفصحى المبسطة التي يتعامل معها طيف واسع من الناس، واستخدمها لإدارة الحوارات بين أبطال الرواية، ولغة للسرد والوصف راقية جميلة، ذات رونق جذاب، وشفافية عالية تقف على جماليات النثر الأدبي حتى كأنها تحاذي لغة الشعر في سلاستها ورقتها.

أحداث الرواية كثيرة دارت فوق السفينة أو في المؤانىء  ومدنها، فالرحلة إلى دلتا نهر الرفيجي المسماة سمبارانجا وما صاحبها من إرهاق، وما عاناه  البحارة من تعب ونصب،  لاسيما انها صادفت شهر رمضان حتى أنه على حد تعبير السارد عقيل “لا الصوم كان صوماً ولا الصلاة هي الصلاة”، والحريق الذي شبَّ في السفينة سمحة حين كانت راسية في ميناء زنجبار، وحكاية الحجاج الجوادريين وإصابتهم بالجدري الذي أودى بحياة بعضهم، وغيرها كثير.

استغرق زمن الرواية بضعة أشهر فكان زمناً طويلاً إلى حد ما، إلا أن الرواي استطاع أن يدير أحداث الرواية ويرسم حبكتها، ويسلسل المواقف فيها بحيث تتصاعد شيئا فشيئا دون أن يصاب القارىء بالملل أو الاحساس بالرتابة، واستطاع بملكة عالية أن يرغم القارىء على أن تتلاحق أنفاسه وهو يتابع حدث الغرق المهول الذي أودى بالسفينة سمحة إثر وقوعها في مدار الإعصار (الإكليل) قرابة شواطىء عمان، هي ثلاثون صفحة يحبس فيها القارىء أنفاسه على الرغم من سابق علمه بمصير السفينة، فمنذ الصفحة الخامسة والثمانين يسفر (المخيني) عن إمكانياته العالية في الوصف البديع الذي تسلّح به، واستطاع من خلاله أن يوقع القارىء في أسار هذه الحبكة المفعمة بالمتانة والتمكن.

الرواية حوت كل عناصر الرواية الناجحة، وتمكن (خالد المخيني) من كتابتها بلغة راقية، وحرفية عالية، ووصف ممتع، وسرد جميل جعل القارىء يعيش المأساة بكل ماحملت من الحزن والألم، وكأن الحدث يقع أمام عينيه للتو واللحظة، تتلاطم الأمواج وتتهادى السفينة محاولة المقاومة، وتبدأ بالترنح، والقارىء مشدود إليها، يرتل دعوات صادقة بنجاتها ونجاة من عليها من البحارة والركاب، غير أن مشيئة الله قد أرادت غير ما أراد القارىء، فتسقط إلى الأعماق منكفئة على نفسها بما فيها ومن فيها. وعلى الرغم من أن الخاتمة مغلقة إلا أن الرواي أشرع نافذة للنور ليتسلل إلى الأجيال القادمة؛ إذ يكتب في المشهد الأخير من روايته متحدثاً عن النوخذة (ناصر بن سيف) “زارني طيفه قبل شهر، شاب مبتسم لم يتجاوز الثلاثين، واقف على سطح سفينته سمحة، التي بدت أكبر حجما وأكثر لمعاناً، كانت معلقة بين السماء والأرض، نظر إلي، أوما برأسه محيياً، ثم رفع رأسه إلى السماء، وأعاد النظر بعدها إلى ساعته، ورمى ببصره إلى الأمام، انطلقت بعدها سمحة نحو الأفق ناشرة أشرعتها كشهاب بهي في ليلة مرصعة بالنجوم”.

أحسب أن القارىء الحصيف لن يجد مشقة في التعرف على دلالات هذه السطور القليلة التي احتشد فيها الأمل ممزوجا بالعزم للمضي قدما نحو بعث أمجاد صور المدينة ذات التاريخ العريق، فها هو النوخذة الذي وافي على الستين حين غرقه قد انبعث طيفه وهي في الثلاثين سن الشباب المعطاء، وها هي ذي سمحة قد بدت أكبر حجما وأكثر لمعاناً، البصر إلى الأمام والإنطلاقة نحو الأفق، دلالات محتشدة أرادها الراوي، إشارات تقود الشباب العماني إلى مستقبل وضّاء يخطون إليه بكل ثقة واقتدار.

بقي أن أذكر لكم أن الرواية من مطبوعات بيروت/ لبنان للعام المنصرم 2020م، وجاءت في 119  صفحة من المقاس المتوسط.
قراءة ممتعة أرجوها لكم وأنتم تعيشون أحداثها يوما بيوم من خلال روزنامة السارد عقيل بن عبدالله.


شارك هذا الخبر