أثير- د. محمد بن حمد العريمي
ارتبط المجتمع العُماني منذ فجر تاريخه بعلاقة وثيقة مع العلم الديني، بوصفه ركيزةً أساسية في بناء الإنسان وصياغة هويته الفكرية والسلوكية، فقد شكّل الدين الإسلامي إطارًا ناظمًا لحياة العُمانيين، ليس على مستوى الشعائر فحسب، بل في منظومة القيم والأخلاق والمعاملات اليومية، الأمر الذي انعكس بوضوح في عنايتهم المبكرة بتعليم العلوم الشرعية ونقلها عبر الأجيال.
ولم يكن هذا الاهتمام وليد مؤسسات التعليم النظامي الحديثة، بل امتد إلى حلقات العلم في المساجد، والكتاتيب، ومجالس العلماء، حيث حرص الآباء على غرس مبادئ الدين في نفوس أبنائهم منذ الصغر، فتعلموا القرآن الكريم، وأصول الفقه، ومبادئ اللغة العربية، في بيئة تُعلي من شأن العلم وتجلّ أهله، وقد أسهم العلماء والفقهاء في ترسيخ هذه الثقافة، من خلال التعليم والتأليف والإرشاد؛ ما أوجد مجتمعًا يتعامل مع العلم الديني بوصفه ضرورة حياتية لا غنى عنها.

ومع بزوغ فجر النهضة الحديثة في عهد السلطان قابوس بن سعيد طيّب الله ثراه، انتقل هذا الاهتمام من إطاره التقليدي إلى مسارات مؤسسية أكثر تنظيمًا، فأُنشئت المعاهد والمراكز المتخصصة، التي سعت إلى الجمع بين أصالة العلوم الشرعية ومتطلبات العصر، مع المحافظة على خصوصية المجتمع العُماني وقيمه الراسخة، وتواكب متطلبات الدولة الحديثة دون أن تنفصل عن جذورها الثقافية والدينية. ومن هنا جاء إنشاء المعهد الديني في منطقة الوطية بمحافظة مسقط في 6 نوفمبر 1973م، ليكون إحدى اللبنات الأولى في منظومة التعليم النظامي المتخصص.
التأسيس والنشأة
جاء إنشاء المعهد الديني في الوطية في مرحلة مبكرة من عمر النهضة، حيث كانت الدولة تسعى إلى تنظيم التعليم بمختلف مراحله وتخصصاته، وقد اختيرت منطقة الوطية في محافظة مسقط لتكون مقرًا لهذا المعهد، نظرًا لموقعها الحيوي وقربها من المؤسسات الحكومية.
وقد أُنشئ المعهد ليقدم تعليمًا دينيًا نظاميًا يجمع بين العلوم الشرعية والمواد الثقافية العامة، في إطار يسعى إلى إعداد كوادر قادرة على الاضطلاع بمهام الإرشاد الديني والتعليم والقضاء.

أهداف المعهد
سعى المعهد منذ تأسيسه إلى تحقيق جملة من الأهداف، من أبرزها إعداد جيل متسلح بالعلوم الشرعية الأصيلة، وتأهيل كوادر للعمل في مجالات التعليم الديني، وتعزيز الهوية الإسلامية في المجتمع العماني، بالإضافة إلى الموازنة بين التعليم الديني ومتطلبات العصر الحديث.
ويمكن القول بأن إنشاء المعهد يعدّ امتدادًا للدور الذي قام به مسجد الخور بمسقط، الذي درّس فيه كبار العلماء مثل سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي والشيخ ربيع بن المر المزروعي.
الدفعة الأولى
شكّلت الدفعة الأولى من طلاب المعهد الديني عند افتتاحه في السادس من نوفمبر عام 1973م نواةً تعليمية واعدة، عكست التوجه المبكر نحو تنظيم التعليم الشرعي في إطار مؤسسي حديث، وقد تولّى إدارة المعهد في هذه المرحلة التأسيسية الشيخ سعيد الحاتمي، الذي اضطلع بدور مهم في وضع اللبنات الأولى لمسيرته التعليمية.
بلغ عدد طلاب الدفعة الأولى (45) طالبًا، توزّعوا بين (21) طالبًا من حملة الشهادة الابتدائية، فيما جاء بقية الطلاب من الصفين الرابع والخامس الابتدائيين، إلى جانب عدد من طلبة المساجد الذين تم قبولهم بعد اجتيازهم امتحانًا استثنائيًا عُقد في المعهد، ويعكس هذا التنوع في الخلفيات التعليمية حرص القائمين على استقطاب مختلف الفئات الراغبة في التخصص في العلوم الشرعية.
وقد حُدّدت مدة الدراسة في المعهد بست سنوات، يمرّ خلالها الطالب بمرحلتين دراسيتين، ليؤدي في نهايتهما امتحاني الشهادة الإعدادية والثانوية أسوةً ببقية طلاب المدارس في سلطنة عُمان، في خطوة تؤكد تكامل هذا المسار مع النظام التعليمي العام.

أما على مستوى المناهج، فقد اعتمد المعهد في بداياته على المنهج المدرسي المعتمد في مدارس السلطنة، مع إضافة جرعة مكثّفة من المواد الدينية، بما يحقق التوازن بين التعليم العام والتخصص الشرعي، ويسهم في إعداد جيل يجمع بين المعرفة الدينية والانفتاح العلمي.
مرافق المعهد وتجهيزاته عند التأسيس
حرص القائمون على المعهد الديني منذ افتتاحه في السادس من نوفمبر 1973م على تهيئة بيئة تعليمية متكاملة، تجمع بين الجانب العلمي والاحتياجات الحياتية للطلاب، بما ينسجم مع طبيعة الدراسة الشرعية ومتطلباتها.
فقد ضمّ المعهد مسجدًا حديثًا أُعدّ بعناية، وزُوّد بمختلف الوسائل اللازمة لإقامة الشعائر والأنشطة الدينية. كما شكّل فضاءً رئيسًا لحلقات العلم والدروس التطبيقية في الفقه والوعظ والخطابة، وهو ما يعكس مركزية المسجد في العملية التعليمية للمعهد.
كما احتوى المعهد على مكتبة أدبية قيّمة، مثّلت رافدًا مهمًا للطلاب في تحصيلهم العلمي، حيث ضمّت عددًا من الكتب والمراجع في العلوم الشرعية واللغة العربية، وقد كان أول أمين لهذه المكتبة الشيخ الأديب علي بن جبر الجبري، الذي أسهم بخبرته الأدبية والعلمية في تنظيمها والإشراف عليها، وتعزيز دورها في خدمة الطلبة.

ولم يغفل المعهد الجانب المعيشي للطلاب، إذ اشتمل على قسم داخلي (سكن طلابي) مجهّز بكافة الاحتياجات الحياتية، بما يوفّر بيئة مناسبة للإقامة والدراسة، ويتيح للطلاب القادمين من مختلف مناطق السلطنة فرصة الالتحاق بالمعهد دون عوائق.
وتعكس هذه المرافق مجتمعة رؤية متكاملة في بناء مؤسسة تعليمية لا تقتصر على نقل المعرفة، بل تسعى إلى إعداد الطالب علميًا وسلوكيًا في بيئة متوازنة تجمع بين الدراسة والعيش الكريم.

المرسوم السلطاني وتطوير مسار المعهد (1977م)
في إطار تطوير المنظومة التعليمية وتنظيم مساراتها، صدر في الخامس والعشرين من أغسطس عام 1977م المرسوم السلطاني رقم (60/77)، متضمنًا تعديل اسم “معهد الدراسات الإسلامية” ليصبح “المعهد الإسلامي الثانوي”، مع تحديد اختصاصاته وأهدافه بشكل أكثر وضوحًا.

وقد عكس هذا المرسوم نقلة نوعية في مسيرة المعهد، حيث انتقل من كونه تجربة تعليمية ناشئة إلى مؤسسة تعليمية ذات إطار قانوني وتنظيمي محدد، تسهم في إعداد الكفاءات الوطنية في مجالات التعليم الديني والإرشاد.

وحدّدت المادة الثانية من المرسوم مجموعة من الأهداف التي سعى المعهد إلى تحقيقها، من أبرزها: تأهيل وتخريج مربين ومعلمين ناضجين صالحين للقيام بتدريس العلوم الشرعية واللغة العربية في مدارس المرحلة الابتدائية في سلطنة عمان، وتأهيل وتخريج أئمة مستنيرين للمساجد قادرين على الوعظ والخطابة والتدريس بأسلوب يلائم روح العصر ويواجه مشكلات الحياة الواقعية، وإتاحة الفرص لخريجيه ممن لديهم طموح إلى الدراسات الجامعية وذلك بإلحاقهم في كليات جامعة الأزهر وغيرها من الجامعات نظرية كانت أو عملية كالشريعة حيث يتخرج القضاة والدعاة وفروع كليات الآداب واللغة العربية وكليات الطب والهندسة وغيرها.

أما المادة الثالثة من المرسوم، فقد تناولت تنظيم المراحل الدراسية داخل المعهد، حيث قُسّمت إلى مرحلتين أساسيتين: المرحلة الإعدادية: ومدتها ثلاث سنوات دراسية يحمل الطالب في نهايتها الشهادة الإعدادية العامة والدراسات الإسلامية ويحق له الالتحاق بالصف الأول الثانوي للمعهد، والمرحلة الثانوية ومدتها ثلاث سنوات دراسية يحمل الطالب في نهايتها الشهادة الثانوية العامة والدراسات الإسلامية.

ويُظهر هذا المرسوم مدى اهتمام الدولة بتنظيم التعليم الديني وتطويره ضمن إطار مؤسسي متكامل، يوازن بين الأصالة والمعاصرة، ويُسهم في إعداد كوادر علمية قادرة على خدمة المجتمع في مختلف المجالات، سواء في التعليم، أو القضاء، أو الدعوة، أو حتى التخصصات العلمية الحديثة.
كما يعكس رؤية واضحة لدمج مخرجات التعليم الديني في مسارات التعليم العالي، بما يفتح أمام الطلبة آفاقًا أوسع للمشاركة في بناء الوطن على أسس علمية راسخة.

معاهد الجوامع
بعد إشرافها على التعليم الديني في عام 1974م أولت وزارة التربية والتعليم وشؤون الشباب وقتها التعليم الديني اهتمامًا خاصًا وتابعت عمليات تطويره وتنظيمه بغرض تحقيق أهدافه، وتوّجت هذه الجهود بإيجاد مرحلتين للتعليم الإسلامي يطلق على الأول المعاهد الدينية بالجوامع، وعلى الثانية المعهد الإسلامي الثانوي.
وبدأ تطور المعاهد الدينية بالجوامع بعد إعداد المناهج الدراسية اللازمة لها على ثلاث مراحل:الأولى المرحلة التمهيدية ومدتها سنتان، والثانية المرحلة الإعدادية ومدتها ثلاث سنوات، والثالثة المرحلة الثانوية ومدتها ثلاث سنوات.

مسجد السلطان قابوس بنزوى وكان ملحقًا به معهد ديني وقد وصل عدد الطلاب بهذه المعاهد خلال العام الدراسي 1984/1985 (423) طالبًا منهم (68) طالبًا بالمرحلة الثانوية والباقون بالمرحلة الإعدادية.
وقد بلغ عدد المعاهد الدينية حتى عام 1985م سبعة معاهد في ولايات ومناطق سلطنة عمان في كلٍ من مسقط، والرستاق، وبدية، وسناو، وبهلاء، ونزوى، وسمائل، بالإضافة إلى المعهد الإسلامي الثانوي.
وكانت معاهد الجوامع الإعدادية تستقبل الطلاب الناجحين في الصف السادس الابتدائي بشرط ألا يزيد سن المتقدم على 15 سنة، وأن يكون لائقًا صحيًا ولديه استعداد للدراسات الإسلامية واللغة العربية، وأن يجتاز المقابلة الشخصية ويتعهد بالالتزام والتمسك بالخلق والتعاليم الإسلامية، وكانت مدة الدراسة في تلك المعاهد ثلاث سنوات بمعدل 36 حصة أسبوعية.
كما كانت تقدم حوافز مادية واجتماعية لطلاب تلك المعاهد، فالطالب يمنح (60) ريالًا عمانيًا في كلٍ من المرحلتين الإعدادية والثانوية. كما يجمع الخريج بين الشهادة الإعدادية العامة والدراسات الإسلامية، وكان طلاب تلك المعاهد يقبلون في المعهد الثانوي أو معهد القضاء، أو يتجهون للعمل في مؤسسات الدولة المختلفة.

التوسع في إنشاء المعاهد الإسلامية (أواخر الثمانينات وما بعدها)
شهدت منظومة التعليم الديني في سلطنة عُمان منذ أواخر الثمانينيات من القرن العشرين مرحلة توسّع ملحوظة، عكست تنامي الاهتمام الرسمي بتعزيز هذا المسار التعليمي، وترسيخ حضوره في مختلف محافظات السلطنة، في ظل الرؤية السامية للسلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه.
فقد تم إنشاء عدد من المعاهد الإسلامية التي حملت اسم السلطان قابوس، لتكون امتدادًا لتجربة المعهد الديني في مسقط، ومن أبرزها: معهد السلطان قابوس للدراسات الإسلامية بجعلان بني بو حسن، الذي افتُتح في يناير 1988م، ليخدم الشرقية ويستقطب طلابها.
ومعهد السلطان قابوس للدراسات الإسلامية بصلالة، الذي استقبل أول دفعة طلابية في يونيو 1989م، مُسهمًا في دعم التعليم الشرعي بمحافظة صلالة ومناطقها المجاورة، وكذلك معهد السلطان قابوس للدراسات الإسلامية بخصب، الذي أُنشئ في عام 1990م، ليغطي احتياجات محافظة مسندم في هذا المجال.
وقد مثّلت هذه المعاهد خطوة مهمة نحو تعميم التعليم الديني المؤسسي، وإتاحة الفرصة للطلاب في مختلف المناطق للالتحاق بهذا النوع من التعليم دون الحاجة إلى الانتقال إلى العاصمة.

وفي سياق التطوير المستمر، جاء إنشاء معهد العلوم الإسلامية بمسقط، الذي أُقيم بناءً على الأوامر السامية للسلطان قابوس، وافتُتح رسميًا في 9 ديسمبر 2000م تحت رعاية السيد سيف بن حمد البوسعيدي وزير الديون آنذاك، وقد شكّل هذا المعهد مرحلة متقدمة في تطوير التعليم الإسلامي، من حيث المناهج والبنية المؤسسية، ليواكب متطلبات العصر ويعزز جودة المخرجات التعليمية.

وعكس هذا التوسع في إنشاء المعاهد الإسلامية جملة من الدلالات، من أبرزها الانتقال من المركزية إلى الانتشار الجغرافي في التعليم الديني، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية في إعداد الكوادر الشرعية المؤهلة، وربط التعليم الديني بالتنمية الشاملة، بما يخدم المجتمع في مختلف المجالات.
ويمكن القول إن المعهد الديني في الوطية قد شكّل منذ تأسيسه جنبًا إلى جنب مع معاهد الجوامع والمعاهد التابعة لديوان البلاط السلطاني فيما بعد، نواةً راسخة للتعليم الشرعي النظامي في سلطنة عُمان، وأسهمت في صياغة جيلٍ يجمع بين العلم الديني والانفتاح على معطيات العصر، ومع ما شهدته تلك المؤسسات من تطوير في مسماها ومناهجها، فقد ظلت شاهدًة على مرحلة تأسيسية مهمة في تاريخ التعليم العماني، تؤكد أن النهضة لم تكن عمرانية فحسب، بل كانت مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان علمًا وفكرًا وهوية.
المراجع
- جريدة عمان. عدد 17 نوفمبر 1973.
- جريدة عمان. عدد السبت 27 أغسطس 1977.
- جريدة عمان. عدد الخميس 5 سبتمبر 1985
- كتاب عمان منذ الأزل. مكتب مستشار جلالة السلطان لشؤون التخطيط الاقتصادي،
ج3، دار باز، 2020.
- السالمي، عبد الرحمن، والزدجالي، عباس غلام. مسقط، دار الغشام، مسقط، 2015.
- موقع قانون الإلكتروني. https://qanoon.om/





