العمانية-أثير
تعد تقنية إنترنت الأشياء شبكة عالمية لفتح المجال بشكل واسع لربط كل شيء من بشر وأجهزة معًا عبر شبكة الإنترنت، وهي إشارة إلى عملية تبادل غير مسبوقة للبيانات المتاحة إلى جانب توفير نظم وتقنيات فائقة لتعزيز الإنتاجية وإيجاد نماذج تجارية عصرية وتوليد مصادر جديدة للدخل.
وتتيح تقنية إنترنت الأشياء للإنسان التحرر من المكان، أي أن الشخص يستطيع التحكم في الأدوات من دون الحاجة إلى التواجد في مكان محدّد للتعامل مع جهاز معين.
ويقول الدكتور محمود بن سعيد البحري من ولاية العوابي بمحافظة جنوب الباطنة الحاصل على دكتوراة في إنترنت الأشياء وهو من أوائل الحاصلين على الدكتوراة في هذا المجال بالسلطنة لوكالة الأنباء العُمانية إن فكرة إنترنت الأشياء بحد ذاتها سهلة، فلو تصورنا أن الأشياء حولنا من مواد وأجهزة (أوانٍ منزلية، ملابس، مواد غذائية، سيارات، معدات صناعية وغيرها) مجهزة ومحددة بأجهزة استشعار (حساسات)، فإننا سنستطيع عبر قنوات التواصل مع هذه الأجسام تتبع هذه الأجهزة ومعرفة هويتها في المكان والزمان، وكذلك التحكم بها ومعرفة كافة المعلومات حولها (الكوكب الذكي) لذا ممكن القول إن تقنية إنترنت الأشياء هي شبكة عالمية من الكومبيوترات والمستشعرات (حساسات) وأجهزة مشغلة متصلة مع بعضها
بواسطة أنظمة محددة.
وأضاف أنه لو جئنا لتفسير مصطلح الأشياء فلابد أن نفرّق بين الشيء والجهاز، فالجهاز هو آلة مصممة في الأصل لأداء غرض معين مثل جهاز التكييف أما الشيء فقد لا يكون بالضرورة آلة في أصله، وإنما قطعة جماد مثل حقيبة أو قطعة ديكور وغيرها.
وقال إنه ينبغي كذلك أن نفرّق بين الشيء المادي والافتراضي في إنترنت الأشياء، فالشيء المادي يتمتع بوجود مادي على أرض الواقع مع أثر وظيفي لهذا الوجود، أما الشيء الافتراضي فلا يتمتع بوجود مادي وإنما بأثر وظيفي ناتج عن إجراءات يقوم بتنفيذها.
وحول سبب اختياره لدراسة هذا التخصص يقول الدكتور محمود البحري: لو تكلمنا حول ظهور الثورة الصناعية الرابعة سنجد أنها تتزامن مع ظهور تقنيات إنترنت الأشياء، حيث يعد إنترنت الأشياء المحرك والمولد الأساسي لتقنيات الثورة الصناعية الرابعة لذلك من هذا المنطلق جاء توجهي واهتمامي بتقنيات وشبكات إنترنت الأشياء بعد الثورة التي أحدثها في عام2015 حيث يعد من التخصصات النادرة والمطلوبة في الوقت نفسه، وتقنيات الاتصالات قائمة بشكل كبير على إنترنت الأشياء بل إن الجيل الخامس من الاتصالات جاء ليدعم بشكل كبير تطبيقات إنترنت الأشياء.
وبيّن البحري أنه أكمل دراسته في جمهورية روسيا الاتحادية التي تعد من الدول الرائدة في مجال الاتصالات والمعلومات على وجه العموم، مشيرًا إلى افتتاح أول مختبر في روسيا يهتم بتقنيات إنترنت الأشياء في جامعة سانت بطرسبورغ الحكومية للاتصالات وهو يعد أيضًا من أوائل المختبرات في العالم حيث خرجت الكثير من المقالات العلمية التي تحل مشاكل في شبكات وتطبيقات إنترنت الأشياء.
وأضاف قائلًا: يعد تخصص إنترنت الأشياء من التخصصات النادرة والقيّمة في السلطنة والعالم، مشيرًا إلى اعتماد الثورة الصناعية الرابعة بشكل كبير على إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، لذلك ومن أجل تحقيق رؤية عُمان 2040 لابد من زيادة الاهتمام والبحث حول هذا التخصص كما أن تطبيقات إنترنت الأشياء سوف تؤثر بشكل كبير في الاقتصاد الوطني في السلطنة.
وعن الصعوبة في دراسته يقول: تخصص إنترنت الأشياء يعتمد بشكل كبير على أساسيات الاتصالات والإلكترونيات لذا كانت المقررات والمناهج في السنوات الأولى من الدراسة في مرحلة البكالوريوس تتعمق بشكل كبير في هذه الأساسيات على الرغم من أن تخصصات الاتصالات تعد من التخصصات الصعبة إلا أننا استطعنا مواجهة هذا التحدي بكل عزيمة وجهد، حيث اعتمدنا مصادر وكتب باللغتين الروسية والإنجليزية واستطعنا أن نقدم مقترحات وبحوثًا في الاتحاد الدولي للاتصالات وتمت مناقشتها في الاجتماعات الدورية للاتحاد.
وعن مبادئ إنترنت الأشياء أردف قائلًا: تستند تقنية إنترنت الأشياء على ثلاثة مبادئ أساسية وهي: تكامل البنية الأساسية وتوزيع شبكات إنترنت الأشياء، وكذلك الهوية العالمية لكل تطبيق ولكل جهاز وفي الأخير قدرة الجهاز على إرسال واستقبال البيانات عبر شبكة خاصة أو شبكة الإنترنت.
وحول تخصصات وميزات إنترنت الأشياء ومكوناته ومجالاته يقول الدكتور محمود البحري: تنوع المخرجات في إنترنت الأشياء يعتمد على تنوع الاستخدامات والتطبيقات، حيث يجب أن يكون لدى خريجي هذا التخصص معرفة ومهارات وقدرات متنوعة، على سبيل المثال لابد أن يكون بعض الخريجين متخصصين في لغات البرمجة الحديث وبعضهم في تقنيات إنشاء منتجات البرمجيات والأجهزة وقواعد البيانات وأنظمة الويب، ومنهم في إدارة مشاريع تكنولوجيا إنترنت الأشياء وتقنيات الحوسبة السحابية وبرمجة الأجهزة المحمولة وكذلك لابد أن يكون هناك متخصصون في المجسات والمحركات والمتحكمات التي تعد من المكونات الأساسية في هيكلة إنترنت الأشياء.
ومن الناحية النظرية ينتسب علم إنترنت الأشياء إلى شبكات الجيل القادم، وبنيته تشبه كثيرًا بنية شبكات الجيل القادم ذات المستويات الأربعة وعليه فإن بنية إنترنت الأشياء تتكون من أربعة مستويات وظيفية تتمثل في مستوى المجسمات وهو أدنى مستوى في الهيكلة المعمارية لإنترنت الأشياء، ويحتوي على مكونات مادية مدمجة مع أجهزة استشعار أو ما يعرف بالمجسات وتؤدي المجسات وظيفة التواصل بين العالم المادي (الفيزيائي) والعالم الافتراضي (الرقمي) عبر جمع ومعالجة المعلومات في الوقت الفعلي، وقد مكننا التقدم التقني من تقليص أحجام المجسات، فصار من السهل دمجها في الأجسام المادية ولو كانت صغيرة.
أما المستوى الثاني فيعرف بمستوى بوابات العبور حيث إن البيانات الكثيرة الناتجة عن شبكات المجسات الصغيرة في المستوى الأول في معمارية إنترنت الأشياء، تتطلب بنية تحتية سلكية أو لاسلكية عالية الدقة والموثوقية بوصفها وسيلة نقل وتنسيق لتنفيذ مجموعة من خدمات وتطبيقات إنترنت الأشياء، ويجب أن تتسم هذه البوابات بجودة في إرسال المعلومات، ومستوى استجابة قليل، وعرض النطاق الترددي الكافي، ومستوى أمن معلومات متقدم، والمحافظة على خصوصية المعلومات الواردة من المجسمات.
ويُعرف المستوى الثالث بمستوى الخدمات حيث يحتوي على مجموعة من الخدمات المعلوماتية التي تهدف إلى أتمتة العمليات التقنية والتجارية في إنترنت الأشياء مثل دعم الأنظمة التشغيلية ومعالجة مختلف البيانات التحليلية وحفظ البيانات وضمان أمن المعلومات، بينما يُعرف المستوى الرابع والأخير بمستوى التطبيقات من بنية إنترنت الأشياء حيث توجد أنواعمختلفة من التطبيقات ذات صلة بالقطاعات الصناعية وفي مجالات أنشطة متعددة تشمل الطاقة والمواصلات والتجارة والطب والتعليم وغيرها.
وعن منافع وفوائد إنترنت الأشياء يقول الدكتور محمود البحري: تمكن إنترنت الأشياء من أتمتة العمليات وتقليل تكاليف العمالة في الشركات والمؤسسات، حيث إنه يقلل من حجم التكاليف ويحسن جودة الخدمات المقدمة ويجعل عملية الإنتاج واللوجستيات أرخص، إذ يمكن استخدام إنترنت الأشياء في جميع المجالات بدءًا من الإعلانات والإشعارات التي تخبر المستخدم بمكان تناول الطعام أو التزود بالوقود اعتمادًا على الموقع الجغرافي الحالي إلى توصيل الطعام أو شراء منتج معين.
وأضاف قائلًا: أدى استخدام تطبيقات إنترنت الأشياء إلى ظهور مصطلحات ما يسمى بالكوكب الذكي، الطاقة الذكية، المواصلات الذكية، البيت الذكي، المدن الذكية والطب الذكي وكذلك الحكومة الذكية، ولا شك أنه مع ظهور تقنية إنترنت الأشياء ستتغير حياتنا اليومية كثيرًا وسوف تنتهي الأشياء والاحتياجات القديمة، لن يكون هناك نقص في السلع أو زيادة في الإنتاج لأننا سنعرف كم المنتج والمستهلك أيضًا، باستخدام هذه التقنية لن يجرأ أحد على سرقة سيارة أو هاتف، لأنه سيعرف بالضبط متى وأين حدث ذلك.
وحول إمكانية نشر ثقافة إنترنت الأشياء بين أفراد المجتمع يقول الدكتور محمود البحري: المشكلة الرئيسية التي يرتبط بها تطوير إنترنت الأشياء هي الأمان، حيث يحاول قراصنة الإنترنت باستمرار اختراق أجهزة المراقبة عن بُعد مثل نظام المرضى، وقواعد البيانات التي تحتوي على معلومات حول صحة الإنسان، وأنظمة التحكم الذكية في السيارة، وتنفيذ هجمات التصيد الاحتيالي، وتحميل الفيروسات على أجهزة ذكية مثل المكواة الذكية وحتى ارتكاب أعمال تخريبية في المصانع لذلك يحتاج المشاركون في سوق إنترنت الأشياء إلى تعلم كيفية حماية أنظمتهم.
كما أن هناك صعوبة أخرى تواجه إنترنت الأشياء وهي احتمال عدم توافق البرامج مع أجهزة مختلفة ومن جهات تصنيع مختلفة وتجميعها في نظام واحد، ويمكن أن تحدث هذه المشاكل عندما يقوم المطورون بإصدار تحديث برامج لأجهزتهم ولا يتحققون من توافقه مع إصدارات البرامج القديمة للأجهزة الأخرى ذات الصلة لاستكشاف المشكلات وإصلاحها، مما سيتعين الاتصال بشركات التطوير الأخرى والطلب منهم إجراء تغييرات على برامجهم من أجل التشغيل الصحيح لنظام إنترنت الأشياء بأكمله حيث سيتطلب من المجتمع أن يتعلمها ويثقف نفسه في استخداماتها، ومن أجل تحقيق ذلك فقد شاركت في تطوير منهج تقنيات المعلومات للصف الحادي عشر بالتعاون مع دائرة تطوير المناهج بوزارة التربية والتعليم حيث سيكون هناك قسم خاص يعنى بإنترنت الأشياء و سوف يُعلم الطلبة نظريًّا وتطبيقيًّا حول استخدام هذه التقنيات.
وعن دور المؤسسات الحكومية والأهلية لتفعيل إنترنت الأشياء قال: إن إنترنت الأشياء يعد مرحلة جديدة في تطور الإنترنت، ويتميز بكونه عبارة عن شبكات غير متجانسة ومجموعة من أجهزة استشعار متصلة مع بعضها لأداء مهمة معينة تحت معيار واحد، وتتطلب هذه المهمة الدعم من هيئات المقاييس والمعاير، ومعاهد البحوث العلمية، والمنظمات التجارية والعامة، والوكالات الحكومية والمؤسسات التعليمية بغية تحقيق الأهداف المشتركة ولم تلق تقنيات إنترنت الأشياء رواجًا إلا بعد أن استخدمها مزودو خدمات الاتصالات.
وأشار البحري إلى ظهور شركة معنية بتوزيع شبكات وتقنيات إنترنت الأشياء في السلطنة تحت مسمى شركة “ممكن” المملوكة لشركة عُمانتل، وهذه الشركة هي المسؤولة عن بناء البنية الأساسية لشبكات إنترنت الأشياء، حيث اعتمدت شركة “ممكن” على تقنيات سيجفوكس التي تعد من المشغلات العالمية لشبكات إنترنت الأشياء وهناك العديد من التطبيقات التي جهزتها “ممكن” في السلطنة في مختلف المجالات، منها على سبيل المثال في مجال مستوى المدن الذكية: العدادات الذكية وأتمتة جمع المخلفات و الإضاءة الذكية و غيرها من التطبيقات.
وشارك الدكتور محمود بن سعيد البحري في تأليف كتاب عن إنترنت الأشياء بعنوان “مدخلك إلى إنترنت الأشياء” يقول عنه: فكرة تأليف هذا الكتاب جاءت بسبب انعدام المعلومات والمراجع حول تقنيات إنترنت الأشياء باللغة العربية مبينًا أن الكتاب اشتمل على سبعة فصول، جاءت في المقدمة لمحة عن إنترنت الأشياء، والفصل الثاني عن تقنيات تحديد الهوية باستخدام موجات الراديو التي تعرف بــ RFID ، بينما تطرق الفصل الثالث إلى شبكات المجسات اللاسلكية حيث تعد هي الجزء الأساسي من تقنيات إنترنت الأشياء.
وأضاف قائلًا: تحدث الفصل الرابع حول تقنيات المكائن، وتناول الفصل الخامس تقنيات جديدة تدخل في مجال تطبيقات إنترنت الأشياء مثل كفاءة استهلاك الطاقة في شبكات النطاق العريض، فيما تطرق الفصل قبل الأخير إلى مجموعة من المعايير والبروتوكولات المستخدمة في إرسال البيانات في شبكات إنترنت الأشياء والمعتمدة من قبل الاتحاد الدولي للاتصالات، بينما
تناول الفصل الأخير بشكل من التفصيل تطبيقات إنترنت الأشياء حيث اعتمد الكتاب على أكثر من 100 مصدر ومرجع، شملت كتبًا أجنبية باللغة الإنجليزية والروسية وكذلك بحوثًا علمية من اللغتين.





