العم يعقوب بن نبهان ما بين اللقاء واللقاء، إنسان كُتب له البقاء حتى اللقاء

العم يعقوب بن نبهان ما بين اللقاء واللقاء، إنسان كُتب له البقاء حتى اللقاء

أثير- مازن بن سعيد الغشري

ما كانت الهواتف المحمولة تستحمل أخبارا مفجعة، فالوطن قد فجع وتعالى نحيبُ أبنائه، هكذا هواتفنا ما كانت تطيق أن تمر عبر وسائطها المتعددة أخبار النعي المؤلمة، فكيف بقلوبنا التي تستقبل أنباء رحيل الأحبة.

وفي ليلة لم تكن ساكنة – على غير عادة ليالي العوابي الشتوية – تتناقل الهواتف خبرًا يثقلها فما كنا نلتقط أنفاسنا بتماثل العم العزيز يعقوب بن نبهان بن عبدالرحمن الخروصي للشفاء حتى فجعنا صبيحة الخميس برحيله إلى الدار الآخرة.

مرت تلك الليلة عصيبة على العوابي ومن عليها وعلى كل من يعرف العم يعقوب الأستاذ والموجّه والمربي، الذي كان قدوةً قوليةً وفعليةً للصغير والكبير، وللقريب والبعيد، هذا الرجل الذي تسبقه ابتسامته في كل لقاء، وتسبقه خطواته لكل فضيلة، وتسبقه همته لكل عَليّة، وبرحيله رزئت العوابي وتالله هذا الرزء عظيم.

وعلى سبيل الذكرى كان العم يعقوب من أوائل مؤسسي المراكز الصيفية بالولاية، فكان الشمس التي تسطع في صيف كل ناشئ راغب في صقل مهاراته، وتطوير مواهبه، وكان نعم المعلم الذي يدفع أولياء الأمور إليه أبناءهم ليربيهم تربية السلف الصالح، وتربية أهل التقوى وأهل الورع، وما يختلف على هذه الشهادة أحد.

وفي حياته الوظيفية كان نموذجًا من النماذج التي يضرب بها المثل في رباطة الجأش، وحسن السمت، زادُه الإتقان، وعنوانه الإخلاص، وحينما ودّع مكتب والي العوابي ليتفرغ لحياته المليئة بالتحديات، والعامرة بالإنجازات، المكتظة بالعطاء، ودعته قلوب زملاء العمل ودعاء لقاء فمن كان مثله لا يُنسى وسيظل حاضرًا في كل حديث، ومع الحُسنى يُذكَر المحسنين.

وحينما كان للإحسان أهله، ورأى صندوق البِر بولاية العوابي النور بعزيمة أهل العزم، كان العم يعقوب في مقدمة البررة المخلصين الذين تطوعوا لتفعيل عمل الصندوق، فكان شعلة من النشاط، وحارسًا للنظام، وامتدادًا لفكرة الصندوق، ومواكبة للعمل المؤسسي كان أحد المؤسسين للجنة الزكاة، والمحفز الدائم لأعضائها، والشاب الذي يحمل روح الشباب وعنفوانهم المحرك للعطاء.

وبعد تفرغه لحياته الخاصة، ولأن أفكاره خلّاقة؛ أخذ تلاميذه إلى حياة أخرى، واصطحبهم معه في أطول رحلة في التاريخ، فكانت فكرة إنشاء رابطة القراءة بالولاية من بُنيات أفكاره، ومن جميل إبداعاته، فأخذ من رمز ولاية العوابي شعارًا لها وكفى بهذا الشعار معنى وغاية، فكان الرائد والقائد، وكان القدوة والمحفز، والمجاهد بلين العبارة، وسماحة التعامل، ولطف التآخي، فكانت الرابطة مترابطة، ونشأت بدائرة قريبة فقريبة إلى أن أصبحت متنامية ويشار لها بالبنان في كل محفل وميدان.

وفي ميادين الخير كان العم يعقوب منارةً تصعد إليها همم المحسنين، فيتبعون خطاه وهمتهم تسعى للحاق بهمته، ويسعون مع سعيه الحميد في كل أمر رشيد ينفعُ البلاد والعباد، وهذا ما تترجمه اليوم دعوات المخلصين ممن ألفوه وألفوا روحه اللطيفة المرحة، وممن تتلمذوا على يديه، وتربوا على رفيع مناقبه، وجميل خِلاله، ورُقي أخلاقه.

كان العم يعقوب مدرسة صامتة فصولها ناطقة، وكان لهذه المدرسة فلسفتها في الحياة، وتمخض عن هذه الفلسفة مؤلفه الذي يرمز إلى شخصيته المتزنة، الموسوم بعنوان ” دون الجهر من القول”، وحق لهذه المدرسة أن تبلغ في القلوب مقامها، فقوله اللين يأسر النفوس، ويقرب الأرواح؛ فيألفه من يلقاه من أول لقاء، فما أجمل هذا البقاء.

وبعد ثلاث أيام انقضت على رحيل العم يعقوب، رجوت لو أنّ صوتي محمولًا بثناء محبيه يصلُ إلى أذنه وأنا أستحضر عبارة سيد أهل العراق المهلب بن أبي صفرة الأزدي حين قال : ” الحياة خيرٌ من الموت، والثناء خيرٌ من الحياة، ولو أعطيت ما لم يعطه أحد لأحببت أن تكون لي أذن أسمع بها ما يقال فيّ غدًا إذا مت”، والحق أولى أن يقال لا أملك قدرًا لأحصي ثناء محبيه، ومُريديه، وتلاميذه، ولكن السلوى أن أنقل له حالهم بعد رحيله.

عمي العزيز يعقوب، سأخبرك أنّ تلاميذك واجمون، ولا زالوا على إثر الخبر المهول، ولا زالوا يتفاتون أهكذا يرحل الخيرون دون وداع؟ وأهكذا نودع معلمنا النبيل؟ المُحسن المتفضل، إلا أنهم صابرون محتسبون ويرقبون شمسك على الصيف وأنت تستنهض الهمم، وتُعلي الرايات، وتُعلي مراتب الأجيال بجوار الجبال.

أستاذي الجليل، سأخبرك أنّ أعضاء الرابطة لا يزالوا مترابطين، وسيواصلون رحلة القراءة التي لا تتوقف، فقد علمتهم الصمود أمام العقبات، والصبر على النائبات، إلا أنني سأخبرك أنّهم لأيام سيقرؤون المراثي، وسيقفون على الأطلال، وسيطوفون على كتب الأمل، وما بين الكتاب والآخر سيذكرونك بطيب الذكر والدعاء.

أيها المربي الفاضل، سأخبرك أنّ فقدك مؤلم، وأن غيابك مُرهق، وأنّ مكانك فارغ ولن يملأه أحدٌ غيرك، ولكن السلوى أنك عند ربٍ كريم رحيم، وأن الوعد لقاء الجنة، وها نحنُ نودعك وداع لقاء، وداع لقاء.

شارك هذا الخبر