في مثل هذا اليوم قبل 372 عامًا: يومٌ من أيام عُمان الخالدة

في مثل هذا اليوم قبل 372 عامًا: يومٌ من أيام عُمان الخالدة
في مثل هذا اليوم قبل 372 عامًا: يومٌ من أيام عُمان الخالدة

مسقط-أثير

بقلم: د. أحلام بنت حمود الجهورية- باحثة وكاتبة في التاريخ، عضو مجلس إدارة الجمعية التاريخية العُمانية

الأيام الخالدة في عمر الأوطان صفحةٌ ناصعةٌ على جبين الزمان، ودرسٌ ملهمٌ على مدى الأيام، ويُعدّ يوم ٢٣ يناير من عام ١٦٥٠م يوما خالدا في ذاكرة العُمانيين وذاكرة العرب والمسلمين جميعا، يومها استطاع العُمانيون نفض غبار الاحتلال البرتغالي الذي أطبق على رقاب العُمانيين لمدة ١٤٣ عاما، ملوثا نقاء مياه الخليج العربي والمحيط الهندي حوالي قرن ونصف من الزمان.

هو يوم الحرية والأحرار الشرفاء الذين ما إن اتحدوا فكوا أغلال الاستبداد وبددوا صنوف الإرهاب الذي أتقنه الاحتلال البرتغالي على البشر والحجر والشجر، فباختصار هو درس تاريخي عميق وبليغ قدمه العُمانيون للعالم أجمع.
ولتوضيح هذا الدرس، نعود بالذاكرة إلى عام ١٥٠٧م، العام الثقيل جدا بأحداثه على العُمانيين وما نجم عنه من مآسٍ عدة، حيث وصل الأسطول البرتغالي بقيادة البوكيرك إلى جزر الحلانيات (جزر كوريا موريا) فتم الاستيلاء عليها وإحراق السفن الراسية فيها. وفي ٤ أغسطس ١٥٠٧م غادر البوكيرك قائد الأسطول البرتغالي الغاشم جزر الحلانيات متوجها إلى رأس الحد مدمرا ما بين ٣٠ و٤٠ سفينة صيد، ثم توجه إلى صور مدمرا كل ما وجده على الساحل. بعدها توجه إلى مدينة قلهات في أغسطس أيضا من عام ١٥٠٧م وصالح ملكها شرف الدين الذي كان تابعا لسلطة مملكة هرمز، والتي سيعود إليها لاحقا منكلا بها وبأهلها، ثم توجه البوكيرك إلى قريات ووصلها في ٢٢ أغسطس ١٥٠٧م مستبيحا المدينة بطريقة بشعة لا تنم عن أية إنسانية وبعيدة كل البعد عن أخلاق الحرب إن كان ثمة أخلاق للحروب! فحصدت سيوفهم ومدافعهم النساء والأطفال والشبان والشيوخ قتلا وتشويها وتمثيلا، وحرق كل ما وصلت إليه أيديهم الغاشمة.


واصل الأسطول البرتغالي المنتشي بدماء الأبرياء طريقه إلى مسقط وأعمل فيها سيوفه وحقده أضعاف ما قام به في المدن السابقة، “أمر جنوده بالتمثيل بالأسرى العُمانيين من رجال وأطفال ونساء قبل إطلاق سراحهم، فقطعت آذانهم وجدعت أنوفهم وتركوا وهم ينزفون دماً”. استكمل البوكيرك طريقه على طول الساحل العُماني متجهاً نحو مدينة صحار وبعد مفاوضات صالح حاكمها على دفع جزية سنوية لحكومته، وبعدها اتجه إلى خورفكان وجلفار وسيطر عليهما بوحشية لامتناهية على نحو ما فعل بقريات ومسقط، ثم اتجه إلى هرمز.
وبسقوط مدن الساحل العُماني في قبضة الاحتلال البرتغالي الغاشم فقدت عُمان جزءًا من سيادتها وهو الأمر الذي عانت منه عُمان عبر فترات زمنية مختلفة ولم يحدث قط أن كانت عُمان محتلة بالكامل من معتدٍ خارجي، وعموما هناك الكثير من الأسباب التي تُعزى لهذا السقوط يأتي على رأسها انشغال العُمانيين بخلافاتهم الداخلية وعدم وجود سلطة سياسية جامعة وموحدة لكل التراب العُماني؛ لذلك باءت كل محاولات الثورة ضد المحتل والمعتدي بالفشل في أعوام: ١٥١٩م و١٥٢١م و١٥٢٦م و١٥٨٠م بين ثورة وانتفاضة ومواجهة حتى جاءت لحظة الحقيقة وتهيأت عوامل الانتصار عندما نبذ العُمانيون أسباب فرقتهم والتفوا حول راية واحدة موحدة بمبايعة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي الإمامة في عام ١٦٢٤م، وبدأ الإمام ناصر منذ الوهلة الأولى بتوحيد الصف العُماني أولاً ثم طرد المحتل البرتغالي. وأرَّخ مايلز تلك اللحظة بقوله: “لم يقلد هذا الانتخاب مراسم الإمامة لأسرة جديدة فحسب، ولكنه فتح عهداً جديداً في تاريخ عُمان التي تقدمت خلاله إلى درجة كبيرة من الرفاهية. كان يقود البلاد ناصر بن مرشد ذلك الرجل الذي اتسم بذكاء غير عادي وقوة نادرة”.
ولن نصف حال عُمان خلال ١٤٣ عاماً من الاحتلال البرتغالي والفرقة الداخلية إلا بأن الجسد كان مقطعاً ومشرذماً ومستباحاً بالقتل والخيانة، وبالرغم من ذلك نجح الإمام ناصر بن مرشد في لمِّ شمل التراب العُماني داخلياً وهزيمة المحتل الخارجي، فبإرادة جبارة وقوة هائلة حقق الهدفين معاً. بدأ الإمام ناصر بن مرشد أولى عملياته الحربية ضد الاحتلال البرتغالي في عام ١٦٣٣م (الحملة على جلفار) فهي باب عُمان الغربي الشمالي محققاً انتصاراً كبيراً فيها، تبعتها حملة أخرى على صحار في العام ذاته ١٦٣٣م وحققت الحملة نجاحاً نسبياً، وتم استرجاع صحار كاملة للتراب العُماني في ٧ نوفمبر ١٦٤٣م. ثم حرَّك الإمام ناصر حملة ثالثة بقيادة ابن عمه القائد الهمام سلطان بن سيف اليعربي كانت وجهتها صور وقريات في عام ١٦٤٠م، وقد هُزم البرتغاليون شر هزيمة وتم تحرير صور وقريات من الاحتلال البرتغالي. تبع ذلك حملات عدة على مسقط في أعوام ١٦٤٠م و١٦٤٥م و١٦٤٨م التي عرفت بالحملة الكبرى والتي نتج عنها توقيع معاهدة هدنة أو صلح عرفت تاريخياً بــ”معاهدة ريام” في ٣١ أكتوبر ١٦٤٨م وكانت بنودها لصالح العُمانيين الذين كانوا الطرف الأقوى في معادلة الحرب آنذاك، متوجين سلسلة من المعارك الضارية مع المحتل بالنصر، ولم يبق في العام ١٦٤٨م إلا مسقط ومطرح تحت قبضة الاحتلال الغاشم.
كل تلك الجهود التي بذلها الإمام ناصر بن مرشد (١٦٢٤-١٦٤٩م) على مدى ٢٦ عاماً كان نتيجتها التحرير النهائي لكل التراب العُماني في ٢٣ يناير ١٦٥٠م، فبعد وفاته في ٢٣ أبريل ١٦٤٩م تم مبايعة ابن عمه وقائد جيوشه الإمام سلطان بن سيف اليعربي الذي واصل الجهود في تتبع ما بقي من ذيول المحتل البرتغالي في معركة صعبة وطويلة وحاسمة عبَّرت عن روح الجهاد لدى العُمانيين وقدمت درساً بليغاً عن الاتحاد والقوة والاعتصام بحبل الله، وأفضت إلى تحقيق الوحدة العُمانية الكاملة تحت راية حاكم واحد بعد سنوات من التشرذم والانقسام، وتبع ذلك النصر العظيم بناء قوة بحرية عُمانية استطاعت مواجهة أي محاولات برتغالية للسيطرة على أي شبر من أرض عُمان، وامتداد الدور العُماني التاريخي في مواجهة البرتغاليين إلى الخليج العربي والمحيط الهندي، وهذه المعركة وضعت حداً للاحتلال البرتغالي فكانت بداية النهاية لوجودهم في المنطقة الخليجية والمحيط الهندي، ليحل السلام في المنطقة بفضل العُمانيين بعد ١٥٠ عاماً من الدمار والخراب.
تصف المؤرخة الفرنسية لوكور غرانميزون الإمام سلطان بن سيف اليعربي: “إن سلطان بن سيف الأول، الذي خلف ابن عمه ناصرا هو الذي يعود إليه مجد إعادة الفتح هذا وقد بذل الاستراتيجي الفذ نشاطاً كثيفاً على امتداد البلاد التي كانت تعيش حالة سلام مؤقت… كما زوَّد البلاد ببحرية قوية كانت كفيلة بتأمين انتصاره على البرتغاليين”.
ويمكن القول إن العُمانيين في عهد اليعاربة لم يكسروا قواعد اللعبة بل قاموا بتغيير اللعبة ذاتها وأصبح الخليج العربي والمحيط الهندي عُمانياً بفضل جهود العُمانيين الذين لبوا نداء الشعوب التي استنجدت بهم في تخليصهم من ويلات الاحتلال البرتغالي وهو ما حققه العُمانيون بتحرير الساحل الشرقي لأفريقيا كاملاً، وكانت ممباسا آخر معاقل البرتغاليين في شرق أفريقيا وحُررت في ديسمبر من عام ١٦٩٨م في عهد الإمام سيف بن سلطان اليعربي “قيد الأرض”.
ونحن نتحدث عن هذا اليوم الخالد في الذاكرة العُمانية فحري بنا ذكر بعض الشخصيات التي أسهمت في تحقيق هذا النصر بدءًا بالشيخ العالم خميس بن سعيد الشقصي، والقائد مسعود بن رمضان النبهاني، وخميس بن رويشد الضنكي، ومسلم العريمي، وأحمد بن زاهر الخروصي، ومسعود بن راشد التوبي (ابن مغيوث)، ومعروف بن سالم الصايغي وعلي بن خميس الشقصي وغيرهم الكثير من العُمانيين الشرفاء الذين أرَّخوا حكاية النصر والاستقلال بدمائهم وأرواحهم، لتكون عُمان أول دولة عربية تستعيد سيادتها الكاملة من الاحتلال الأوروبي في العصر الحديث.
ولتقريب القارئ من هذه المعركة الفارقة والمهمة في مسيرة التاريخ العُماني يمكن الاقتراب منها أكثر من خلال رواية “الشراع الكبير” للأديب العُماني عبد الله الطائي (ت: ١٩٧٣م) الذي استطاع بلغة أدبية تقريب حدث تاريخي مهم من أذهان القارئ لنصدح كما صدح الطائي:
“فلترقصوا اليوم طرب
ولتهتفوا يا شعبنا
حققت آمال العرب”
خاتما روايته بقول الله جلَّ في علاه: “واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا”، ومستدركا: “عسى أن يبقى هذا المفهوم في بحرنا العربي، فيمتد إلى الأبناء والأحفاد والذرية على مر السنين”.
وهذه الأيام الخالدة تستوقفنا قليلاً لنبث من خلالها الوعي التاريخي بين هذا الجيل والأجيال القادمة، ليكون التاريخ ملهماً ومعلماً حتى نعي الدرس جيداً ولا نكرر الأخطاء، وليكون التاريخ عمقنا الاستراتيجي قولاً وعملاً.







مصدر الصور:
المصدر: موسوعة عُمان عبر الزمان، مجلد 4


شارك هذا الخبر