أثير- مكتب أثير في تونس
قراءة : محمد الهادي الجزيري
حين وصلتني الروايتان ..كنت أنوي قراءة السرد الذي طلبته من الأخت الكاتبة العُمانية ..أقصد المتن الروائي المعَنون ” أرض الغياب “..على أن أعود في مرة قادمة إلى ” أصابع مريم ” وهي اللبنة الأولى في فنّ السرد بالنسبة لعزيزة الطائي ..، ولكنّني وجدت نفسي ميّالا إلى الكتابة الأولى فهي مفتاح المبدعة وسرّ نجاحها ومثابرتها في فنّ الرواية..، المهمّ أنّني باشرت قراءتها ولم أندم على ذلك مطلقا ..، وإنّي بحول الله عائد إلى “أرض الغياب” الرواية التي كانت سببا في معرفة الصديقة الكاتبة المبدعة المحترمة…
المشكلة الأساسية التي بُنيت عليها رواية ” أصابع مريم “..، ارتباط زوجين ..، الرجل ينظر للغرب كمحرّر الإنسان ومثال حيّ للتمدّن والانفتاح ..والزوجة من أسرة لها أصول تخشى الآخر وخاصة أوروبا الحديثة وتعتبرها تنظر للمرأة كأداة تسلية وموضة وتخشى على بناتها من تأثير الأب الذي يقال عنه علماني وغير ذاك من الأوصاف الغريبة عن بيئتنا ، في حين أنّه وفيّ لفلسطين ويحلم باليوم الذي سيقع تحريرها ، ومن هنا تبدأ مشاكل الرواية وتتوغّل عزيزة في نسيجها الحكائي … وتتوغّل بالقارئ في تفاصيل مهمّة للزوجين المتناقضين الذيْن اقتسما مكانا واحدا للعيش فيه …
وتتواصل المسافة الفاصلة بين ثريّا وحمد في الاتساع ..حيث يجد القارئ فيها امرأة تصلي وتقوم بواجباتها ..فقط تهرب إلى حجرتها كلّما انعدم التواصل مع حمد ..، في حين يظلّ هو على حاله ، يستمع إلى الأغاني الغربية ويشرب الكحول ويؤمن بأنّ الدين لله والأرض للناس جميعا ..ممّا يقرّب بناته منه ..، المهم أنّه حين يتوفى يضيع زمام العائلة وتجد الأم نفسها في ورطة كبيرة مع بناتها اللواتي تشبّعن بثقافة غربية متطفلة على بيئتهنّ ..
وقالت الأستاذة بديعة النعيمي في حديثها عن رواية ” أصابع مريم ” ، وهذا المقطع مأخوذ من مقالتها ” الرواية الأولى ..حين تتوهج شعلة الكتابة ” :
” لقد لجأت الكاتبة إلى استخدام كلمات تشير إلى الحرية في مواقع كثيرة من الرواية مثل الأجنحة ، الطيران ، تحرر النور بعد إزاحة الستارة.. بقي أن نقول بأن الكاتبة لم تغفل عن التذكير بفلسطين كأهم قضية عربية.وذكر القدس والتأكيد على حق العودة ”

وأخيّر أن أختار مقطعا فيه الكثير من التأمّل والفكر ..وفيه أيضا من شعرية محبّبة للنفس:
” لم تعد شهرزاد تحكي
وحين أدركها الصباح قالت :
لن يكون عمرك كلّه ربيعا..
ستتناوب عليك الفصول الأربعة ..
ستلفحك الخيبات
تتجمّد في صقيع الوحدة..
تتساقط أحلامك اليابسة
ثمّ تزهر أيامك
هكذا هي الحياة ”

تقول الروائية عزيزة الطائي في معرض حديثها عن إصدارها الأوّل عقب نشر الكتاب:
” يمنح الكاتب دعماً نفسياً ، وحضوراً ثقافياً ، خاصة إذا نال قبولاً من المتلقي ، الأمر الذي سيفتح له أبواب عطاءات أكثر قوامها رؤى جديدة، والتقاطات مجتمعية تؤكد قدرته الإبداعية لإصدارات أرحب، ويصبح عمله الإبداعي في تطور مستلهماً فنيات تقنية جديدة، مستفيداً من خصائص الرواية الحديثة بكل ما تحمله من انفتاح على عوالم روائية جديدة، والاستفادة من تقنيات الأجناس السردية الأخرى ”
ختاما ..لنا موعد قادم مع ” أرض الغياب ” لنكتشف تطوّر التجربة الروائية لدى عزيزة الطائي ..وخبرتها في فنّ السرد المفتوح على آفاق لا حدود لها ..، ويمكن القول أنّ الكاتبة اجتازت المرحلة الأولى بتفوّق ونجاح ..، ويعدُ نصّها بنصوص أخرى تبحث فيه عن بصمتها ..والأكيد أنّها ستتركها واضحة جدّا على الطاولة …





