أثير-مكتب أثير في تونس
إعداد: محمد الهادي الجزيري
أنا لست بصدد كتابة نصّ نثريّ.. أو قصيدة ..أو تأبينا أو رثاء …
أنا لا أكتب ..إلاّ على من أحبّ وأُجلّ.. ومن أرى في غيابه ..أنّنا فقدنا قامة استثنائية ..قد لا تكون فاطمة بن فضيلة اسما مجلّجلا في المشهد الثقافي العربي ..ولكنّها بعضي.. ويكفيها فخرا صراعها الأسطوري مع المرض الفتّاك ..وما نثرته من جواهر ودرر على بياض القصيدة .. ويكفيني أنّني الآن أنزف من مسّامي..
بل أبكي بكُلّي فقط ..فيتجسّد دمعي الخفيّ على الورق ..

رسبت فاطمة في فم التراب وأشعر أنّها تتحوّل إلى شجرة كتلك الواقفة عند قبرها ..كشاهدة على مقاومتها لهادم اللذات ومفرّق الجماعات ..كما لم يُقاوم من قبل ..وأخيرا أسلمت روحها إلى خالقها ونامت كالوردة الشاعرة.. حالمة بغد أجمل للإنسان والعالم ..
” أنا فاطمةُ يا أبي
أنا غفوةُ النّهرِ
أسيلُ من النّبعِ مجردةً
لأسقيَ الفراتَ
انزلقتُ من الأرضِ
و كانتْ هناكَ
معلّقةً في الأعالي
انزلقتُ و كانتْ
نوارسُ ذاكَ المساءِ
تحلّقُ تحتَ البيوتِ
لم يكنْ فوقَنا أزرقُ
لم يكن فوقَنا فوقَ
انزلقنا من الأرضِ
نحو السّماءِ…ربّما
أنا غفوةُ النّهرِ يا أبتِ
أنا فاطمة “
باغتني خبر وفاتها صبيحة يوم الجمعة 23 سبتمبر 2022 ، كأنّني كنت لا أظنّها تموت رغم جهادها للمرض الخبيث مدّة طويلة ( قرابة ستّ سنوات ) ..، وكانت تقول لي بالهاتف: ” لا بأس ..لا بأس ” وقد انطلت عليّ ..ومرّ الموت خفية واقتلعها ..، كنت بصدد التركيز لكي أكتب عنها قصيدة ..عن صوتها كيف يردّ عليّ ..قد كان منطفئا وخافتا وقادما من مكان عميق ومجهول ..، وهذا ما كتبته عن محادثتي معها مستعينا بهاتف الصديقة الحليفة سلوى الرابحي :
” طالني صوتها
رغم ضعفه..
كم كان منطفئا كحبيب قديمْ
خافتا كان.. منزويا
وبعيدا عن الناس والأرض ..
لكنه ضارب في الصميمْ..”
هذا سيل من الكلمات ..لا أدري أين مصبّه ..، هذا فيضان الذات الباكية للذات التائقة للذات دون رغبة في اللحاق بها ..، هذا ليس إطراء لفاطمة الأخت والرفيقة والحليفة والداعمة الرافضة لكلّ أنواع الرقابة والتدخّل في دواخل المبدع مهما كان ومن جنس هو ولا أيّ دين ولا أيّ عرق..، كأنّي أراها معي في شوارع بغداد ومربدها في الهزيع الأخير من الألفية الفائتة ، كأنّها تضحك كالطفلة والسيارة تعبر بنا مدينة مصراتة باتجاه طرابلس ..في مطلع سنة 2012 ..، تضحك من حِيل الشعر الذي يضعنا في ورطة الثورة الليبية ..فتتبعها الشاعرة السورية انتصار سليمان ..وأتبعها ..فيندلق ضحكنا من السيارة على الطريق السريع المؤدي إلى النجاة …، كأنّي أتّكئ عليها في ولاية ” الواد ” بالجزائر ..سنة 2017 وهي تتكئ على عنادها ..، مصاب جديد يستندُ إلى مصابة مرشحة للموت ، لم أقدّم بشكل كُلّي كما قدّمتني فاطمة ..، كانت تتحدّث عنّي بعفوية وحرية ..وتمنحني الوقت الكافي لكي أقرأ شعري ..، إذ لم أكن قادرا على فعل أكثر من ذلك ..، نظرا لتلعثم في الارتجال جرّاء المرض ..، ولها كتبت قصيدة ” أبهى أشكال الماء ” في سنوات مضت ، ذات سوء تفاهم بين شاعرة وشاعر ، ومن ضمنها :
” يا الموجة لا تنسحبي من حولي
فغيابك اسم من أسماء الصحراءْ
كوني أمّا لي ، كوني ظلاّ ، كوني ثمرا
كوني نبع نساءْ
كوني حاضنتي حين تضيق الأرض
وأختي حين يتعتعني العشق
وكأسي حين أشاءْ .
كوني أهلي حين يحدّق في قلبي الغرباءُ
وأغنيتي حين يحاصرني أشباه الشعراءْ
كوني الموجة والمركب والرحلة والميناءْ.
فلكم أحتاج إلى أنثى تعبر بي بحر الأوهامِ
وتخفي في داخلها ما أكسره من أشياءْ “

فاطمة النقابية الشرسة ..ومدرّسة الفرنسية اللبقة ..، نشرت عديد الكتب الشعرية وهي:
لماذا يخيفك عريي ـ من ثقب الروح أفيض ـ أرض الفطام ـ مزارع السكر ـ حمّالة صدر بعين واحدة ـ وآخر مجموعة لها فكانت باللهجة التونسية بعنوان:” أمّي ..قُلّي الحبّ شنيّة ؟”
ولها رواية بعنوان ” رواه العاشقان ” ، كما ترجمت لعديد الشعراء والكتّاب منهم كتاب عدنان الصائغ عن طريق دار نشرها الحديثة ” وشم ” وأمّا عنوانه ..

Ce que la mer revele de mon silence
أو : ما يقول البحر عن صمتي
وكُتب عنها كتاب ” شاعرة الأقاصي ـ فاطمة بن فضيلة ” بأقلام عديدة وأشرف عليها كلّ من عبد الله المتّقي وليلي نسيمي وسلوى الربحي …..
وقد قدّمت حليفتها وأختها ورفيقتها في درب النقابة والشعر والحياة ..، حياة اليعقوبي كتابها الأخير في 8 أوت 2022 أي قبيل موتها ببعض الأسابيع ..، ومن ضمن ما حبّرته :
” الكتاب مرايا متوالدة من الحبّ والحكايا والمرافئ ، بثّته صاحبته قصائد من ملذّات الحزن والفرح والعشق والرقص على أوتار الشعر وإيقاعات الإبداع ، لهذا جاء الكتاب متنوّعا ومتفرّدا في ذات الكتابة أسلوبا وأحلاما وطقوسا ، عاميّته التونسية ذات نكهة خاصّة لأنّ صاحبته لم تستطع أن تخلع قصيد التفعيلة تماما ولا عباءة شاعرة تلبّست بعربيّتها منذ أقلام وأوراق طويلة “
ومن هذا الكتاب نقرأ ما يلي في قصيدة قصيرة وهي بالدارجة التونسية كما ذكرت آنفا:
” إذا عشقت الطير
لا تقصلو جناحاتُو
تضيق بيه الأرض
ويعذّبك بسكاتُو “
وقد كُرّمت في نهاية حياتها من قِبل وزارة الثقافة ووزارة المرأة في مدينة الحمامات ومن طرف إدارة بيت الشعر ،وقد حظيت بتتويجات عديدة منها جائزة زبيدة بشير للشعر2006
في حوار لها معي في ” أثير ” يوم 17 جانفي 2017 ، وكنت في عامي الأوّل من جلطتي الدماغية ..وكانت في بدايات اكتشافها لإصابتها بالداء الخبيث ، سألته : ما الذي يمكن ان يجعل من شاعرة تتوقف عن الحب يوما ما ؟..
” الموت ثمّ الموت ..فربّما حتّى الموت لن يقدر على اطفاء جذوة الحبّ في روح الشاعر رجلا كان أو امرأة ، وفي الحقيقة لديّ للحبّ تعريف مختلف تماما ، فهو مجرّد فكرة نربّيها فتكبر وتتكاثر ، وما دام في الشاعر نبض فهو لن يتوقّف عن التوالد وإنجاب الأفكار والحبّ هو أحد هذه الأفكار والمشاعر والأحاسيس الخالدة “

تقول فاطمة :
” حين أحببتكَ أوّل مرّة
كان كلّ شيء واضحا كلغز مفتوح
لكن لفرط انشغالي بعينيك لم أنتبه
ليس هنالك حب أبديّ
ليس هنالك سعادة أبديّة
السير نحوهما هو الأبدي..”
قيل ما فيها وعنها الكثير ..وقد استهواني ما قاله الشاعر والمترجم التونسي جمال الجلاصي مادحا لها ذاكرا مزاياها وتكوينها الاستثنائي :
” هي فاطمة ومن بين أسمائها المحبة والموال الحارق والصامدة ، الشرسة والعطوف والرؤوم ووردة الرمال وتفاحة الكريستال ، فاطمة الزهرة التي تغني والنبتة ذات الرسالتين ، التعليم والشعر ، الربيع في نسخته الانسانية ، الثائرة في الحياة كما على الورقة ، الجمرة التي لا تنطفئ ، أغنية المسافر ، ومزمار الراعي ، شطحة الصوفي وهدير السكارى ، هي فاطمة نجوى العشاق وصرخة الثائرين في ساحة محمد علي ، العين التي ترى القلوب والقلب الذي يسكنه الله “
وآخر ما قالته قبل أيام من الرحيل ، هذا النصّ القصير الداعي إلى الرحمة ..، إنّا لله وإنّا إليه راجعون ..، تغمّدها الله برحمته وعفوه ..تلك هي الحياة …
” أنا الشاعرة فاطمة بن فضيلة ، أكتب هذه الرسالة إلى أحبابي وأصحابي لأطلب منهم أن يكونوا معي في هذه الفترة الحرجة ، فقط بالدعاء حتى أتجاوز هذه المحنة “





