كلمات من قلب أم مكلومة بابنها: يوسف يا أيها العزيز

كلمات من قلب أم مكلومة بابنها: يوسف يا أيها العزيز
كلمات من قلب أم مكلومة بابنها: يوسف يا أيها العزيز

أثير- وضحه بنت ناصر الضويانية

يوسف؛ كان يعني لي الحياة، لا أستطيع تجاوز حقيقة رحيله، أحدث فراغا كبيرا في حياتي: كان ذكيا جدا، لبقا جدا، وكثيرا ما أشادوا به في العائلة لكثرة فطنته، وسلامة لغته ومخزونه اللغوي باللغتين العربية والإنجليزية، وهو لم يدخل المدرسة بعد، كان متفوقا على الأطفال الذين في عمره والذين يكبرونه سنا، كنت أرى فيه مشروعي وعالمي ..

الآن وعندما أسترجع المواقف في الشهر الأخير من حياته كان يحدثني كل يوم أنه سيموت غرقا؛ لا أعلم من أين جاء بفكرة الموت أو بمفهوم الموت! أو حتى حقيقة أن الغرق سيؤدي إلى الموت! كان يقول لي سأذهب إلى البحر وأغرق، أو خذيني إلى مزرعة جدي (يوجد بها آبار) وسأغرق هناك.

كلمات من قلب أم مكلومة بابنها: يوسف يا أيها العزيز
كلمات من قلب أم مكلومة بابنها: يوسف يا أيها العزيز

رغم كل الحرص الذي أحطته به، إلا أنه غرق في خزان الماء الخاص بالمنزل،و الغريب في الأمر أن الخزان كبير جدا فسعته 1000 جالون، والغطاء ثقيل جدا، الشرطة رفضت تصديق أن ابني قد صعد بنفسه إلى الخزان وفتح الغطاء، (بنية جسده صغيرة ونحيل جدا)مع العلم نحن لا نفتح الغطاء على الإطلاق، وبعد التحري لم يجدوا على الخزان سوى بصماته فقط ولا يوجد على غطاء الخزان سوى بصمات يديه، فكيف صعد وكيف استطاع فتحه، العلم عند الله

قبل بداية العام الدراسي بأسبوع واحد أخبرته أننا سنذهب لاستلام ملابس المدرسة ولونها أزرق قال لي لا: “أنا سأرتدي الأبيض” أخبرته أن ملابس مدرسته الجديدة لونها أزرق، لكن أصر علي أنه لن يرتدي سوى الأبيض، قلت سألبسه أول يوم دراسي دشداشة بيضاء لأطيب خاطره، لكنه رحل قبل المدرسة بأربعة أيام!

كثيرا ما عزاني الناس ويذكرونني بمنزلة الصابرين في الجنة، والثواب الذي ينتظر من فقد فلذة كبده واحتسبه لله، إلا أنني أأنس كثيرا عندما يحدثني أحد عن النعيم الذي يؤول إليه الأطفال.
الآن فقط أريد أن أطمئن على ابني، فقط أريد أن أسمع الكلام الذي يزيل عني ثقل الهم على رحيله؛ لست لأنني زاهدة بالجنة أو لأنني لا أتوق لمنزلة الصابرين؛ حاشا وكلا. أعلم أن طريق الجنة درب شائك، ولا يحظى بها إلا كل ذي حظ عظيم؛ إنما فقط أريد أن أزاحم الأفكار السيئة التي تراودني عن فكرة غرق ابني بأخرى تطمئن فؤادي على راحته الأبدية.


أنا راضية بقضاء الله وقدره، ومؤمنة إيمانا عميقا بأن الله أرحم الراحمين بابني ويتولاه برحمته، وأعلم يقينا أن الله لا يضيع عباده، بل إنني أكاد أجزم أنني عشت الشعور الذي يفضي بالإنسان إلى الانتحار، ممن ليس لهم إله يلجؤون إليه، فألم القلب لا يطاق، كأن يدا من حديد تقبض على قلب المرء وتغرس أظافرها الحادة على أوردته حتى يكاد ينفجر، ووالله لولا لطف الله ما نجونا.

فأنا فقط أريد شيئا يربت على قلبي؛ أنا انتشلت ابني من قاع الخزان، لا أستطيع وصف شعوري عندما رأيته هناك، شعرت كأن الدنيا بمن عليها تهاوت تحت قدمي، لا أعلم كيف قفزت في الخزان الممتلئ ولا أعلم من أين أتيت بالقوة لأستطيع الصعود به مرة أخرى !.
كلما تعود إلى ذهني صورة ابني وهو في قاع الخزان، يتمزق قلبي ألما، تمر في مخيلتي لحظة غرقه ومحاولته النجاة وألوم نفسي أني لم أكن جانبه، تمر بي لحظات أشعر فيها بالسلام، وتمر لحظات أشعر كأن جبال الهم نزلت على صدري مرة أخرى.


عند مروري بهذه التجربة، تفكرت كثيرا بكل الأحداث التي مرت علي:

التعزية: بعض الكلام فيها كان جارحا وجافا: كيف مات؟ لم يبق مسكين! كيف لم تنتبهي له، تمزقني هذه الأسئلة؛ كأنها ترمي بسهام الاتهام على قلبي، كيف أهملتِ طفلك؟ وأخرى تروي كيف وصلها خبر الوفاة! دون أدنى اعتبار لما يمكن أن يسببه هذا الحديث من ألم، كنت أقول في داخلي لو لم تأتِ إلى تعزيتي لكان خيرا، وإحداهن تقول: “لو كان خيرا لبقى تفكري في سورة الكهف وقصة الغلام” أردت حينها أن أقول لها: لست أنا الأم في سورة الكهف، ولست أنتِ الخضر عليه السلام لتعلمي الحكمة التي ابتغاها الله، وغيرها الكثير

الصبر: كثيرا ما وصلتني نصائح ألا تبكي يضيع عليك أجر الصابرين؛ كيف لا أبكي وقلبي يتمزق من الألم؛ إذا كان يعقوب عليه السلام وهو نبي قال الله عنه “ابيضت عيناه من الحزن”

اللجوء إلى الله هو النجاة حقا: خبرت حقا معنى قوله “أمن يجيب المضطر إذا دعاه” فما الذي تحتاجه الأم في فترة كهذه، أو بالأحرى ما الكلام الذي يمكن أن يسلّي على نفسها.

في رحيل ابني كان يسليني جدا الحديث الذي يصف النعيم الذي يؤول إليه الأطفال، تذكيري بأن الأطفال عادوا إلى الله بقلوب طاهرة وهم ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

شارك هذا الخبر