كيف عبرتِ.؟!

نص نشر عام 2014، يتأمل انتقال المرأة بين توقعات الأمومة والزواج وتقدم العمر، وينتقد قوالب الطاعة والعزلة، ويدعو إلى معرفة الذات وعيش الأنوثة من الداخل.

كيف عبرتِ.؟!
Atheer - أثير

إذا كانت الأمومة المثيرة تحرّك فينا المزيد من مشاعر العطاء، فهنالك شيء ما أكثر إثارة للعطاء من مجرد الصراع “على البقاء والامتلاك” الصراع الذي تخوضه بأسى مع طواحين الزمن، مجبرة على الرضوخ لا لتفسير المنطق إنما ليُنظر إلى جوهرها و نواحها الطويل.

في البدء، كانت تمشّطُ شعري قائلة: زينة المرأة شعرها، إياكِ أن تفكري بقصّه، في البدء لقنونا أن الشَّعر زينةٌ لنا، ثم أضافوا إليه اللون والطول والأخلاق “الحميدة” كلٌ حسب مقياسه للمحمود،ثم قالوا “الودود الولود.”

   فكم من الأحلام تتحول إلى خلايا سرطانية تفتك بنا، وكم نجد أنفسنا نلتهم وجبات محتمٌ علينا القيام بها،وإهمال وجبات كان يجب على الأقل تذوقها،حينئذ نتذكّر،أن أحدًا لم يخبرنا عن تجاعيد قسوة العمر وتراخي الأحلام،فلم ندرّب على كيفية إنفاق الوقت،ليس في اللهاث وراء”العريس” بل سباق ضدّ تجاعيد الوقت كلّما عبرنا عتبة عام لا نجد لنا معينًا عليها يمدّنا ونحن تحت رحمة الوصف”عانس”ببعض المدد،كما لم يخصصوا حيّزًا في الرزنامة لتأمل التحولات الجسدية والفكرية،ولم يلتفت أحد إلى ما يحمله الرّحم غير بويضتين ومهبل، كل ما في الأمر أنهم أعدّوا لنا متّكأً وناولوا كلّ واحدة منا ملح النسيان.!

تركونا نتأرجح في الفراغ، لا  قدرة على إيجاد مكان ننتمي إليه،عندما تهجر السفن شواطئنا.

إن اللحظة الأشد إضعافًا لثقافة الأنثى،هي تلك اللحظة الّتي تشرع فيها الأمهات والجدات في نعت الواحدة منا بمجرد بلوغ سن الطاعة الأنثوية” عيب صرتي مرا”. لتنهار بعد هذا التوصيف صروح العاطفة وتصير الغريزة منكّدة بالحسرات الّتي لا نهاية لها،فتوحّدنا مع مذاق التفاصيل البسيطة الّتي كانت تعمّ رؤوس الجدات،وتنسينا أن نتوحّد مع الفرصة الضئيلة لنتعرف على ذواتنا.

 

لم يخبرني أحد أنّي سأصل ذات يوم إلى اللغز المخبَأ خلف طقوس ذاك الجيل،فهاهي تزحف نحو السبعين وأجبَرُ على اللحاق بها،تتعاقب فترات باذخة الإيلام بفعل الفصول الخريفية على الأرحام،لأعمل بدوري على تخليده،فتتحول الأحداث في حياتنا إلى لامبالاة تلتهم أمنياتنا الصغيرات.

ليس من قبيل المصادفة أبدًا أن تنشأ  الأفكار الفظيعة  المترامية حدّ البصر،فقد أقنعننا أن الحياة تخلو من أي معنى،أو هدف مطلق في الوجود دون الآخر، وهو الأمر الذي يظلّ يحرك في دخيلتنا حالة التأهب من أن يلقى بنا في أية لحظة خارج حدود الإنسانية.

 

مُحقت الأساطير والمعتقدات،ولن نفقه أي شيء يذكر دون الوعي الموجع بتلك الرّوح،فعلّميني كيف أركب أرجوحة الحلم وكيف أدندن في الثلاثين أغنيةً،كيف أحرر خاصرتي على مشارف الأربعين،لقّنيني ما يجعلني متمسّكة بجذر الأنوثة إذا ما تكسّرت أغصان الإنسان فيّ،،وأمست الرّوح ضحية،علّميني ،أن أعيش أنوثتي من الداخل حتّى يتسنى لي أن أكون،وأنمي آصرة الاتصال،ويتعمق الشعور لدي بالانتماء لــجنسي،بينما هم يستعيرون العدم ليقدّمونه لنا ضمن الوجبة الأولى للعزلة.

أخبريني يا أمي، كيف نجوتِ؟

حتّى لا نعود قادرات على التّخلص من النّكد،تضاف الجرعة الدّسمة لنرتفع قرابينًا إلى مذبح المجتمع،وتصاب ضمن عمليات التّخريب تلك،مقدّرات الروح الأبعد غورًا،هي مقدّرات أساسية حساسة للغاية في حياة كلّ امرأة.

علّميني كيف أعيش تلوّي الرّغبة،كيف أتصارع مع ما أريد وأرغب،وأمدّ”رجلي على قدر لحافي” لأمد يَدي فِي الْفَرَاغِ, بَاحِثة عَن ذَاكَ الْبَرِيق الخافت،الَذي يَشُقّ طَريقَه في جَوْفِ الْظَّلام،وأُعدّ أكاليل غار، تلك الأكاليل ليست للموتى،بل هي لقلوب النسوة.

علّميني،كيف أنمو شجرة تُسقى فتعطي،لا أن أعطي فينمو الشوك في نفسي،أن أكون مثل الصُبح ساكنةً،تغدو حواسي عصافيرًا تمارس شفاعة الضوء احتفاءً بمثوى العتمة،وأغني غنوة،ألم عميق الغور،ينشج ويبكي،صوته يأكل نبض الحياة.

درّبيني لأعدّ وليمة مشئومة للملائكة وأخرى للراسخات في الصمت،فلن أنسى ما بقيت حية،و ما ظلّ الزمان يضحك ملء شدقيه.

في النهاية: ألا يجدر بنا أن نتساءل: كيف سيتسنى لنا أن ننْفلت بقوة من شقاء الخنق والنكد.؟!

 

________________________________

مرمر القاسم

روائية وكاتبة  – فلسطين

شارك هذا الخبر