حين تكون الكتابة كوكبا آمنا
رشا فاضل – العراق
مثل بدوية ..أحوك الكلمات ،وأنسجها بصبر عاشق ..
أسند ظهري إلى جلد كتاب ..فيما أستظلّ بالحروف التي أصيّرها تارة مظلة .. وتارة مطرا ..
إذ ليس لي الا الكتابة ملاذا .. آخر كوكب على وجه القلب يطفو .. وأتعلق به مثل نجمة تنشد التوهان لأن اليقين وطن ..
ولأن الوطن خرافة لا أقوى على نفيها أو تصديقها .
ها أنا اللحظة أكتب ،وأكتب وأسيل قبل الحبر مرة دمعا ،ومرة دما مراقا يعرف دربه لخرائط البياض ..
وأتذكر في درب بياضي ،وحبري ذلك السؤال الذي انزلق أمامي من صحفي ما : لماذا تكتبين ؟
حقا !
لماذا أكتب؟
ياله من نصل استدرج تلك الوجوه البعيدة والقريبة والقادمة ..!
أمضي في لعنة البياض أو تحت سياط رحمته باحثة عن ذلك الجواب المتخفي تحت جلد الحروف ..
وهو يومض بنصف الحقيقة.. لأن نصفها الآخر يختبيء تحت أصابعي التي تسابق الحروف بحثا عن رغيف آمن ووجه عاشق لايطارد بالفؤوس والمطارق ..
أعرف إن الجواب قريب حدّ الهمس ،وحدّ الدمع ،وموجع حدّ الشهقة والجرح .. ذلك لأني استبدلت هذا الوطن الشاسع بأشجاره ،وجباله ،وصياح باعته في صباحات الكاهي والقيمر .. بورقة مربعة البياض !
وأعرف فيما أعرف من أسرار حزينة اني أكتب لأني لم أتعلم فقه القتال بعد ..
وإني أكتب لأني كلما هممت بالصمت تعثرت بألف آهة مكتومة ..
وإني كلما هممت بالحياة تناهى إلي حفيف خطواتها الهاربة ..
وأعود لفخ السؤال الذي يشبه قشرة الموز في درب صمتي الآيل للبوح أمام كل هذا البياض الشاسع كوطن .. كحب .. او غناء ..
لماذا أكتب !
بل لماذا نكتب !!
والحبر يوما لم يقنع الموت الملثم بما ظل درويش يتهجد به حتى القصيدة الأخيرة :
“على هذه الأرض مايستحق الحياة “
استرسال يرمي بأجوبة لاتشفي غليل الأسئلة غير إنها تومض كرمح ينكأ انطفاء الذاكرة بكل تلك الندوب المحفورة بهيئة وطن ..
وأنا … أدور بهذا الوشم الأحمر فوق ملاسة البياض .. وأعرف إن البياض شاسع وأن البلاد قاب قوسين وسهمين ورصاصتين وقلب واحد ..
وأن الحكايا متاع المرتحل وهو ينوء تحت حمل ذاكرته القاسية برائحة الحنطة والشعير والمواويل ودخان التنانير التي توقظ الفجر من غفوته ..وتسوق النسوة بعبائاتهن المقدسة السواد ليفتتحن النهارات بعزف التنانير ورقص الارغفة ..
ولكم تمنيت أن أكون رغيفا ،و نايا ،و مطرا ،وغيمة تتعلق في السماء الحزينة، ولو بجسد نجمة عابرة ، أو قمر صديق يتطلع لجنوننا الذي لوّن الخرائط بالدم والنحيب دون أن يرف قلب أو يتعثّر نبض ..
هي لعنة النقائض حين يداهمك الخوف فتداهم الحياة بكلّ هذا الحبر المتدفق لوعة ورقصا ووجعا يترنح فوق النقاط والحروف .. كأنك لم تبلغ فطام الفرح بعد ..
هي هذا القنديل الشاحب الذي أدور به بين الحروف بحثا عن إجابة لا أريدها أن تكون كي لاتهتك دهشة الإنتظار ..
وهي طرائد الأسئلة التي تسعى خلفي ،وترفعني على أجنحتها الهائجة كبحر ..كغضب .. أو كقلب عاشق ،وتسألني من جديد: هل تغريك الكتابة أم تغرينها؟ هل يكتبك الوجع أم تكتبينه؟ هل تنتظرك الخرائط بمطاراتها ، أم تنتظرينها؟ هل تبتكرك اللغة أم تختلقينها؟
ومن منكما النقطة والفاصلة والنهاية ؟
ومن يلملم عن وجه الآخر كسر الزجاج والمرايا ؟
ومن منكما الكذبة والحقيقة ؟
ومن منكما البداية والنهاية ؟
للبياض أسئلة الحبر ..
ولي في الورق وشيجة رحم يبر دوما بأصابعي التي لاتكف عن الأسئلة ..
وحبري الذي لايكف عن المطر ..
وإن كان مطرا قاسيا ساحرا يغري عطشك التاريخي كلما هممت بالإرتواء ازددت عطشا فوق عطشك..
وكلما هممت بالصمت اشتعلت اللغة تحت اصابعك جنيات من ماء ونار ..
لتبقى الأسئلة راياتا معلقة ..
ولتبق اللغة ملاذا أخيرا .. في كوكب مشتعل .
________________________