عن العقل والمكوث في مستنقعات النقل

د.علي نسر

لم يعد يخفى على الرّائي والسامع، أنّ أحكامًا وشرائعَ وشعاراتٍ مرّت عليها قرون، وتبلورت في ظلّ أجواء استوعبتها وتلقّفتها لوجود حاجات إليها وقتذاك، لا تقبل الخضوع لإعادة تجديد، والنظر في مدة صلاحيتها نتيجة تحوّلات وتبدّلات أصابت التاريخ الممتدّ منذ قرون. فما أنجزه الإسلام عبر تغيير وجه التاريخ العربي والكوني، وما أحدثه من قفزة نوعيّة، أصبح وكأنّه آخر ما يمكن الوصول إليه، دون الالتفات إلى أنّ ما تحقق آنذاك، لا يتجاوز الحدّ الأدنى ممّا يرمي إليه الانسان لتحقيق كماله اليوم، متناسين أنّ الله أوحى إلى الانسان بأنّه ذو قدرة على السعي نحو الكمال عبر التفكّر والبحث عن كلّ جديد ينسجم وطبيعةَ الحياة المتحوّلة باستمرار،( وقل ربّي زدني علمًا).

لكن ما نفعله اليوم، هو الاستلهام من نوابغ القدماء دون أن يكون لنا أي دور إبداعي أو تجديديّ، فأصبح الماضي شبه مقدّس، وأصبحت الحداثة عامل خوف وحذر، أو شبهة غربيّة دخيلة، فعملنا على نفيها، ولم ننظر إليها كواقعية رسمية، يؤدّي تجاوزها إلى أن تصبح خطرا علينا نهرب من أمامها مقدّمين لها مقتلنا من الخلف. وهذه الضبابية في التعامل معالحاضر أو الحداثة والماضي أو التراث، تشكّل سببا جوهريّا من أسباب تخلفنا اليوم، إذ غالبًا ما نتّخذ من الأيّام السّالفة والماضي المشرق، ملاذًا نتقوقع في أصدافه خوفا على الوجود وحفاظا على النوع، فنستحيل سلاحف نخفي رؤوسنا في ما فوق ظهورنا من تراث متجمّد إذا ما شعرنا، أو أوهمنا أنفسنا، بأنّ خطرا ما يحوم حولنا، فيتدثّر الرأس محتميا، لكنّه يجهل ما يدور حوله من حركات، غالبًا ما تسبقه وتتجاوزه. فقد تغلّفنا بمفاهيم وقوالب غير قابلة للتحوّل والتعديل، وقدّسنا كلّ ما هو ماض أكثر مما احترمناه، ولم نستفد منه للوثوب إلى الأمام كما فعلت كلّ الحركات التغييرية والنهضوية عبر التاريخ، ومنها قفزة النبيّ محمد (ص) نفسه بعد رجوعه إلى ملّة ابراهيم. فإنّ الغيورين والخائفين على مصير هذه الأمّة، عملوا على تحريك المفاهيم السابقة والسائدة، من دون إبداع مفاهيم قادرة على إحداث الحركة. وبدلا من الإتيان بما تختزنه ثقافتنا من معارف وعلوم وأساطير…إلى أيّامنا هذه وتوظيفها بما يخدم حركة العجلات الحياتية، كما فعل الغرب، نرى أننا نقوم بما يشبه عملية النكوص نحو الوراء، والاقامة في الماضي وإطالة البقاء هناك، ما جعل هذا الماضي التراثي عاملا من عوامل العرقلة ووضع الأحجار أمام دولاب الزمن وحركته.

وهناك أسباب عديدة تعود إليها هذه العملية النكوصية، والتي جعلتنا نمكث طويلا في مستنقعات النقل والتقليد، مرددين ما يشبه النقيق الذي يجترّ نفسه دون أي تغيير لواقعه، مفرغين في الكتب والصفحات ما نستلهمه من الأسلاف، آخذين به كإسفنجة تمتصّ ما حولها من أمواه مختلفة دون تمييز أو فلترة وتنقية، (كما يفعل آخرون بأخذهم عن الحضارات الأخرى بطريقة عمياء فيها الكثير من الذوبان والانصهار وضياع الشخصية). فنكرّر خوفنا من الخروج على ما هو أقرب إلى صفاء الينبوع، رافضين أن نرفع عن أفكارنا وأجسادنا أردية العقدة المتحكّمة بنا، وهي أنّ السلف أكثر معرفة وفهمًا من الخلف، متجاوزين كلّ ما طرأ من تجديد وتغيرات على مرّ قرون. وليس لهذا من علّة سوى أننا ننظر إلى الحاضر والمستقبل، برؤية ماضوية، ونعمل على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بدلا من أن نجيء بومضات الحضارة القديمة إلى أيامنا بقالب وحلّة جديدين. نقف عاجزين، لأنّنا خائفون من الاعتراف بأنّ السور والآيات القرآنية نزلت استجابة لحاجات اجتماعية وحركة حياتية معيّنة، وأنّ أحكامًا نسختها آياتٌ بين مرحلة وأخرى من مراحل التنزيل، مراعاة لعقول الناس. كما يعود ذلك إلى أنّنا مقتنعون بأنّ الله قال كلّ شيء حين قال اليوم أكملت لكم دينكم، دون النظر إلى أنّ هذا الكلام كان موجّها إلى من نزل عليهم وبقدر مستوياتهم، فكيف يمكن أن يقول الله كلّ شيء وهو القائل بأنّ كلماته لا تنفد وإن نفدت البحار. (قُل لَوكَانَ البَحر مدَادًا لكلمات رَبِّي لَنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي وَلَو جِئْنَا بمثْله مدَدًا).

إنّ ما قدّمه الاسلام للانسان منذ قرون، كان نقلة نوعية لا تضاهى، فما حصلت عليه المرأة مثلا، كان لافتا، سواء في ما يتعلّق بالإرث أم بالشهادة، رغم أن المرأة لم تكن وقتها جناحًا مهيضًا كما يحلو توصيفها، بل كان لها دور وحضور بارزان، ولكنّ اليوم، وبالتحوّلات الحاصلة أصبحت هذه المكاسب لا تتجاوز الحدّ الأدنى، في حين ينظر إليها بعضهم على أنها الحدّ الأقصى الذي لا مثيل له. إنّ المشكلة مشكلة عقل، تعوّد على الاستسلام منذ ما قبل الاسلام، مكتفيا صاحبه بالدعاء في الملمّات بدلا من البحث عن مخارج عقلية وعلمية، وهكذا فهم الكثيرون من الفقهاء دور العقل، تحت حجّة الاقرار بالعجز، مكتفين بجملة آمنّا به لا علم لنا إلا ما علّمتنا.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock