عبدالرزّاق الربيعي يكتب: زاد المذبحة…. إبداعات ليبية تنتصر للحياة

عبدالرزّاق الربيعي

” تفقّد عندما تذهب للحرب
مقابر المدينة..
واختر مكانا قريبا من الظلّ
تجنّب مصافحة من تلتقيه
على الطريق
وادّخر ابتسامتك للمشرحة
وتذكّر وأنت تحشو بندقيّتك بالموت
أن أصدقاءك هم زاد المذبحة “

بهذا المقطع المؤثّر الذي يختزل الكثير من الألم،  يصف الشاعر الليبي محمود البوسيفي المناخ المعتم الذي يلوّن مشهد الحرب الدائرة بين الأطراف المتصارعة في ليبيا، خلال مشاركته في الملف المنشور بمجلة “نزوى” في عددها الأخير(91) الصادر في يوليو الماضي، وقد أعدّه وقدّم له الكاتب سالم الهنداوي، وضمّ نصوصا لشعراء شباب شكّلت لهم الحرب الدائرة في ليبيا صدمة، انعكست على نصوصهم ، فجاءت مخضّبة بالدم، مدافة بالدخان، وهاجس الموت، والدمار، وبالكلمات ” تنتصر للحياة، وتخرج من الحرب، ولا تكتبها “، مثلما وصفت المجلة الملف هذه الإبداعات، والمشاركون في الملف هم: سميرة البوزيدي، وعبدالسلام العجيلي، خلود الفلاح، محمود البوسيفي، مفتاح العمّاري، الناجي الحربي، مفتاح ميلود، أنيس فوزي، عبدالوهاب قرينقو، فرج أبو شينة، سمير الشويهدي، سالم العبار، عوض الشاعري، مع لوحات لخلود الزوي، ونجلاء الفيتوري، وصلاح غيث، وسعاد اللبة، وتوفيق بشير.

يقول الهنداوي في تقديمه للنصوص” ها هم شعراء ليبيا، وقصاصوها يقدّمون باقة أشعارهم، وقصصهم ابتهاجا بالحياة، ضد الموت المعلن، لا ليرّخوا للحياة في زمن الحرب، وموت الإنسان، وإنما ليؤرخوا للحياة في زمن الحرب.. إيمانا من العاشقين بأن الحرب لا بدّ أن تنتهي، وأن تأخذ معها شيئا من ذاكرة الأشياء، وليعلنوا بتأريخ اللحظة أن الحرب الفاجرة خسرت مشروعها الفاجع ضد الحياة”

وحين قرأت الملف لم أفاجأ بطغيان لغة الألم التي تلوّن الكلمات بالسواد، على النصوص، فسبع سنوات عجاف، منذ اندلاع الحرب في ليبيا، كافية لإشعال حرائق في حدائق الحياة، وتشويه وجهها ، فالحرب هي الحرب، في كلّ زمان، ومكان،  وإذا ما اشتعلت فإنّها لا تبقي ، ولا تذر،  “ذميمة”، كما وصف زهير ابن أبي سلمى في معلّقته :
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة
وتضر إذا ضريتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثفالها
وتلقح كشافاً ثم تنتج فتتئم

ولم يقف المبدع الليبي بمعزل عن الصراع الدائر في بلده، فارتفع صوته معلنا احتجاجه على كلّ ما يستهدف السلام المجتمعي، ويعكّر صفو الحياة، مثلما فعلت ، خلال عقد الثمانينيّات في العراق، وتمخّضت تلك الأصوات عن تأسيس جيل شعري أطلق عليه النقّاد تسمية” جيل الحرب”، وكان الشاعر عدنان الصائغ أوّل من أطلق هذه التسمية، في ملف نشره بمجلة “حرّاس الوطن”، أواخر الثمانينيّات، ضمّ نخبة من شعراء “نضجت تجاربهم على نار الحرب”، كما وصف الدكتور حاتم الصكر، ومع انطلاق “جيل الحرب” تشكّلت ملامح فنّيّة لقصيدة لا علاقة لها بالجانب التعبوي، الحماسي الذي يمجّد الحروب، بل تلامس الحس الانساني، وتفاصيل الحياة، وتدعو إلى السلام، ونبذ العنف، وكل ما يستهدف الحب، والجمال، وتقوم العبارة الشعريّة ،في هذه القصيدة، على التناول اليومي لمشهد الحرب، وما تحدثه في الحياة، بلغة متداولة، وحسّ مداف بالألم، تقول الشاعرة خلود الفلاح:
في هذه البقعة من الكرة الأرضية
نقيم علاقة حميمة مع الحزن
نصيبنا اليومي من المتابعة الاخبارية
مشاهدات متتالية
رصاصة طائشة
مرت من هنا
صاروخ جراد
من هناك
وسواتر ترابية تفصل شوارع المدينة الواحدة
بعد سنوات طويلة
نكون كائنات منسية في شريط وثائقي”

وينطبق الحال نفسه على ملامح بدأت تتشكّل في بلدان عربيّة أخرى عانت من الحرب، وويلاتها كـ : سوريا، واليمن، والنصوص الشعريّة ،والقصصيّة التي ضمّها الملف بجهود الكاتب سالم الهنداوي يمكن أن تكون نواة لمادة تطبيقيّة حول ملامح نص  حديث لأدباء عانوا من الحرب ،وويلاتها، فأطلقوا صيحة احتجاج على الخراب الذي تحدثه، منتصرين للحياة.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock