أقدم كتب اليونان تذكر موانئ عُمان

أثير – تاريخ عمان
إعداد: نصر البوسعيدي

مجان يا أرض عمان، أرض النحاس وصناعة السفن ولبان العالم القديم، أيتها الحاضرة في قلب التاريخ لأمة لا تعرف الكسل، واكتسحت بأساطيلها تجارة الخليج والمحيط الهندي وأفريقيا لتصبح رمز التواصل بين أغلب الحضارات القائمة في المنطقة، والوافدة إليها كالحضارة اليونانية والرومانية والفرعونية وحضارات بلاد العراق من سومر وأكاد وأشور وبلاد والسند وما جاورها، وكل ذلك مقرون بالآثار المكتشفة في نواحٍ كثيرة من عمان وتلك الحضارات.

فالآثار التي وجدت في بلاد العراق في النصوص المسمارية مثلا التي تشير إلى عمان بلاد النحاس أكبر دليل على ذلك، فكل الازدهار بين الدول تجده في المجتمعات المتحضرة، فعمان الحاضرة بمجتمعها المدني المزدهر وموقعها الجغرافي المميز على المحيط الهندي وسيطرتهم على مضيق هرمز بوابة الخليج وامتداد حدودها حتى البحرين، جعلهم بحق سادة البحار والتجارة على مر العصور المختلفة بأساطيل جابت القارة الهندية وحتى الصين ودول آسيا، وكذلك مصر والقارة الأفريقية، وصولا بالعلاقات التجارية مع اليونان والرومان، فآثار (رأس الجنز) مثلا في مدينة (صور) العفية والتي تتجاوز الخمسة آلاف عام ستحكي للجميع كل ذلك.

ولأن اليونانيين اشتهروا كثيرا بتوثيق امتدادهم بالسلطة والتجارة فقد كان لعمان وحضارتها جزء مهم لديهم في هذا التوثيق، ولعل أكثر الكتب شيوعا وشهرة في ذلك مخطوط “الطواف حول البحر الأريتري” أي البحر الأحمر لمؤلف يوناني مجهول كتبه في القرن الأول للميلاد وذكر بعض التفاصيل عن عمان وذكر فيه منتجاتها وجبالها التي تميز جغرافية السلطنة عن غيرها في المنطقة، فقال في كتابه حسب الترجمة الإنجليزية:

“مباشرة بعد رأس (سياجروس) –رأس فرتك باليمن – يقع خليج (عمانا) – ، الذي يمتد إلى مسافة بعيدة داخل البر الأصلي، ويبلغ عرضه 600 اصطاديون – 60 ميلا- وتحيط به من البر جبال شاهقة يسكن أهلها الكهوف، وبعد مائة اصطاديون، يأتيك ميناء يستقبل كل ما ينتجه البر الداخلي من اللبان يسمى (موشا) – سمهرم بظفار- وتتردد عليه السفن بانتظام من ميناء (كانا) -قنا باليمن-، وتشتو فيه السفن التي يفوتها موسم السفر إلى (داميريكا وبريجازا) – ساحل الهند الغربي – ويتبادل التجارة مع موظفي الملك، فيستبدل ما جلبته التجار من الأقمشة والقمح وزيت السمسم باللبان الذي يكوم في أكوام ظاهرة على طول الساحل دون حراسة، ولا يمكن شحن أي كمية منه بدون إذن الملك، وإذا شحنت حبة واحدة منه خلسة في أية سفينة فإنها لا تستطيع مغادرة الميناء، وهذا هو بلد البخور الجبلي الوعر، يلفه سحائب وضباب وينتج أشجاره لبان البخور من لحاها على شكل بقع تماما كما تفرز أشجار الصمغ في مصر كأنه دموع بكائها، ويجمع عبيد الملك لبان البخور ومعهم كذلك المساجين.

وبعد (ماكا)-عمان القديمة- بحوالي ألف وخمسمائة اصطاديون تنتصب على طول الساحل سلسلة من الجبال تأتي بعدها سبع جزر تسمى (زنوبيان) -الحلانيات-، والساحل بعد هذه الجزر خاضع لسيطرة الفرس، وبعد قطع حوالي ألفي اصطاديون من هذه الجزر تقابلك جزيرة تسمى (سارابس) -جزيرة مصيرة -، تبعد عن الساحل بحوالي مائة وعشرين اصطاديون، وطولها 600 اصطاديون، يسكنها صيادو السمك، ولغة أغلبهم العربية، وتصدر الجزيرة كميات وفيرة من صدف السلاحف الممتازة وتتردد عليها بانتظام القوارب وسفن الشحن الكبيرة.

وتسير بحذاء الساحل بعد (سرابيس) نحو الشمال إلى مدخل البحر الفارسي، وبعد حوالي ألفي اصطاديون، تأتي جزر كثيرة تسمى (كالاي) -الديمانيات-، وعلى ساحل هذه الجزر تمتد سلسة من الجبال تدعى (كالون)، يأتي بعدها مدخل الخليج، وهناك مغاوص لؤلؤ كثيرة، وعلى يسار المضيق جبال عالية تسمى (أسابون)، وعلى يمينه جبال عالية أخرى تدعى (سميراميس)، ويبلغ طول المضيق بين هذه الجبال حوالي 600 اصطاديون، وبعده يتسع الخليج ويمتد داخل البر وبطرفه الشمالي مدينة تجارية يسودها القانون تسمى (أبو لوجس)، قريبة من (خاراكس)، ومصب نهر، وبعد مسيرة ستة أيام من مدخل الخليج إلى مدينة تجارية أخرى تابعة للفرس تسمى (عمانا) وإلى ميناءي هاتين المدينتين تأتي المراكب بانتظام من (بريجازا) حاملة النحاس وخشب الند وخشب الساج والأبنوس، وإلى (عمانه) يجلب اللبان من (قنا)، ومن (عمانه) تصدر القوارب المخيطة المعروفة بالمدرعات إلى بلاد العرب، ومن كل هذين الميناءين (أبو لوجوس، وعمانه)، يصدر اللؤلؤ إلى (بريجازا) ، وإلى بلاد العرب أيضا وإن كان أقل جودة، كما يصدر الصباغ الأرجواني والقماش المحلي وكذا النبيذ أو العنب، ومقادير كبيرة من التمر والذهب وعدد من الرقيق”.

ولأن عمان باقية بتاريخها، فسنجد الكثير من الآثار والمسماريات والكتابات الفرعونية والمخطوطات القديمة جدا تشير إليها وللدور الحضاري الذي كانت تلعبه في تاريخ الحضارات والأمم والشعوب، وللتاريخ بقية.

*************************
المراجع

1- من تاريخ بحرية عمان التقليدية ، حسن صالح شهاب ، الطبعة الأولى 2001م ، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عمان.

2– الموانئ العمانية القديمة ومساهمتها في التجارة الدولية في ضوء الكتابات اليونانية والرومانية (من القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الثالث الميلادي)، الدكتورة أسمهان سعيد الجرو – أستاذة التاريخ القديم بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية ( جامعة السلطان قابوس)، البرنامج الوطني لدعم الكتاب، النادي الثقافي – مسقط – سلطنة عمان ، الطبعة الأولى 2011م.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock